تعتبر قضية تغير المناخ من أهم القضايا وأخطرها في عصرنا الراهن، ولذلك باتت الشغل الشاغل للعالم، دولا وحكومات ومنظمات بيئية عالمية، نظراً لما لها من تأثيرات خطيرة راهنا ومستقبلا وتكاليف ضخمة على كافة الصعد.

تطل هذه القضية فارضة نفسها على كافة دول العالم، بما فيها لبنان، فقد أدرج تقرير صدر حديثاً عن منظمة اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، و”اتحاد العلماء المهتمين” في الولايات المتحدة، تحت عنوان “التراث العالمي والسياحة في مناخ متغير”، 31 موقعاً للتراث العالمي الطبيعي والثقافي في 29 بلداً، تتعرض لتأثيرات ارتفاع درجات الحرارة، واشتداد الأحداث المناخية.

وثق التقرير التأثيرات المناخية في مواقع سياحية شهيرة، مثل مدينة البندقية في إيطاليا، ستونهنغ في بريطانيا، جزر غلاباغوس في الإكوادور، مدينة قرطاجنة في كولومبيا ومتنزه شيريتوكو الوطني في اليابان. وتناول التقرير كذلك ثلاثة مواقع للتراث العالمي في المنطقة العربية، وكان للبنان حصّة منها، وهي وادي قاديشا وغابة “أرز الرب”.

 

 وادي قاديشا

 

يحتوي “وادي قاديشا” المعروف أيضا باسم “الوادي المقدّس”، على مغاور وملاجئ كانت مسكونة في الحقبة الرومانيّة، وفيه أيضاً صوامع وأديرة صخريّة وكنائس. صنّفت منظّمة الأونسكو هذا الوادي من ضمن المواقع على لائحة “الإرث العالمي”، لغناه بالمعالم الطبيعيّة والثقافيّة، وتعيش في هذا الوادي آلاف أصناف الحيوانات والنبات، منها 10 بالمئة من الأصناف الخاصّة فقط بلبنان، لكن تغير المناخ والنشاط السياحي يزيدان الضغط على المعيشة التقليدية والنظم الإيكولوجية في هذا الوادي.

 

غابة الأرز في لبنان

 

تضم غابة الأرز الشهيرة عالمياً، أقدم وأكبر أشجار الأرز المعروفة، فمن نحو 375 شجرة متبقية، يفوق عمر اثنتين منها 3000 سنة، فيما يزيد عمر عشر الأشجار على 1000 سنة، ومنها أربع يزيد عمرها على 1500 سنة.

ومن المتوقع أن يستمر انخفاض أعداد أشجار الأرز نتيجة تغير المناخ، بناءً على التحليل الجيني ودراسة حبوب اللقاح، التي تلقي الضوء على حقبات سابقة من التغير المناخي الكبير، مثل فترة الانتقال من العصر “بين الجليدي” الأخير إلى العصر الجليدي قبل نحو 15 ألف عام، ومن العصر الجليدي الأخير إلى عصر الهولوسين المبكر قبل نحو 12 ألف عام.

ويتوقع الباحثون أن يؤدي تغير المناخ، إلى حصر تجمعات الأرز اللبناني في ثلاثة ملاذات فقط، بحلول سنة 2100، نتيجة ارتفاع درجات الحرارة والإجهاد المائي، الناجم عن انخفاض الرطوبة في منطقة البحر المتوسط. وفي حين تستطيع التجمعات النباتية الأخرى التكيف مع تغير المناخ بالزحف إلى ارتفاعات أعلى، فإن غالبية غابات الأرز في لبنان معزولة أصلاً على قمم الجبال أو قربها، فلا مكان أعلى للانتقال إليه.

لكن غابة “أرز الرب” في وادي قاديشا استثناء لهذه القاعدة، وهي إحدى ثلاث غابات أرز يتوافر لها موئل أعلى لانتقال محتمل، مما يجعل حمايتها أكثر إلحاحاً. ويتوقع أن تتغير المنطقة المناخية الحيوية لغابة أرز الرب، ما يؤثر في توزعها وتركيبة أنواعها. وبالفعل فقد ازدادت هجمات الحشرات، يؤججها ازدياد الجفاف والقحل، فباتت تؤثر بالفعل على غابتي الأرز في تنورين والشوف، وتهدد بالانتشار إلى أرز الرب.

هناك حالياً في لبنان أكثر من 12 غابة أرز، تقع على ارتفاعات تتراوح بين 1100 متر و1925 متراً على السفوح الغربية لسلسلة جبال لبنان، ويحتل معظمها مساحة تقل عن 100 هكتار. وهي مناطق ذات تنوع بيولوجي كبير تؤوي أنواعاً نباتية مستوطنة ومهددة بالزوال.

وأرز لبنان مدرج كنوع سريع التأثر على القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN). كلفة أضرار تغير المناخ 80 بليون دولار في المقابل، استنتجت دراسة أطلقتها وزارة البيئة اللبنانية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن كلفة الأضرار، التي يلحقها تغير المناخ بالاقتصاد اللبناني، قد تتجاوز 80 بليون دولار سنوياً بحلول سنة 2040. وستتحمل الحكومة اللبنانية، بحسب الافتراضات المعتمدة في الدراسة، نحو 26 بليون دولار من هذه الأعباء الاقتصادية، وستتوزع الأعباء المتبقية على الأسر اللبنانية التي ستتكلف نحو 60 ألف دولار سنوياً بحلول سنة 2040. أما في حال تطبيق دول العالم، ومن بينها لبنان، التزاماتها المتعلقة بتخفيف انبعاثات غازات الدفيئة التي تعهدت بها في اتفاقية باريس حول تغير المناخ، فسوف يحقق لبنان وفورات بقيمة 50 بليون دولار سنوياً، من جراء تأثيرات أقل لتغير المناخ على القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

Pin It on Pinterest

Share This