من يتابع سلوك الحكومة اللبنانية وفريقها للنفايات، وسلسلة القرارات التي اتخذتها، والخطط التي اعتمدتها وقررتها على مدى شهور الأزمة الكارثية، التي تمتد منذ 17 تموز (يوليو) 2015 حتى اليوم، أي طوال 14 شهرا، يصل إلى الخلاصة الأكيدة، التي لا تحتمل الشك، أن الحكومة وفريقها للنفايات لا يبحثون عن استراتيجيات للحل البيئي المتكامل والمستدام لنفايات لبنان.
يغلب على قرارات ومخططات الحكومة طابع استثمار الأزمة، واعتبار أنهم محشورون بالوقت ولا متسع لديهم للبحث بالحلول المستدامة، فهذه دائما مؤجلة، لثمانية عشر شهرا أحيانا، ولأربع سنوات أحيانا أخرى، ويمكن أن تصبح مهلة التأجيل سنتين، أو أقل أو أكثر، حسب ضرورات يتطلبها تجاوز الإعتراضات والمعوقات السياسية والشعبية والبيئية. كل ذلك من أجل تمرير مشاريع عالية الكلفة، تحولت في فصلها الأخير إلى تقاطع خبيث بين مشاريع الطمر غير البيئية وعالية الكلفة، وردم البحر في مواقع حساسة جدا على الشاطيء اللبناني في منطقة الكوستابرافا وبرج حمود والجديدة.
كل الوسائل استخدمت دون رادع، من المناورات وذر رماد التفاصيل في العيون، وطرح المغريات والمحفزات، وممارسة المرونة في التفاوض أحيانا، والإبتزاز القاسي والمفتقر للحد الأدنى من أخلاقيات احترام الحكومة وفريقها لشعبها أحيانا أخرى، وذلك بالتحديد عند وضع البلد والقوى المعترضة في زاوية حادة مفتعلة، إما القبول بـ”المطامر” الشاطئية المتقاطعة مع مشاريع ردم البحر، وإما الغرق في الزبالة وعودة النفايات للتراكم في الشوارع وفي الأحياء وعلى أبواب الناس، مهددة أمنهم البيئي والصحي بأكبر المخاطر.
أربعة عشر شهرا من المناورات، شهدت تراجعا وتقدما، خططا وقرارات ومناقصات، توالت الواحدة تلو الأخرى، كل ذلك يترافق باستخدام الإيهام أن الوقت ضيق، وضاغط، ولا وقت للتفكير بالحلول المستدامة، وأن لا وقت لبحث خيارات أخرى، فقط خيار فريق النفايات هو الممكن، والقابل للتطبيق، وعلى الجميع تسهيل تمريره، و”تزييت” انزلاقه ليصبح نافذا. كل ذلك يتم مترافقا أيضا بضغط المتعهدين، ولو في فترات الإنتظار، حيث آلياتهم لم تتوقف لحظة واحدة، وأشغالهم مستمرة لا يوقفها سقوط قرار، أو التراجع عن مناقصة، أو انتظار نتائج مناقصة جديدة، كل ذلك، ما هو إلا حلقات في مسرحية تمرير القرارات والخطط وتذليل عقبات الإعتراض من هنا أو من هناك. أما الجرافات فيحكمها وقود آخر، يدفع بها للتقدم في خلق وقائع جديدة على الأرض، تصبح أمرا يفرض نفسه على كل من يتعامل مع هذا الملف من قريب أو بعيد. وتصبح النفايات مصفوفة على رمال الشاطىء بانتظار كومات من التراب، وصخور أو كتل إسمنتية تشق مياه البحر لتحجزها في بحيرة يجري ردمها تدريجيا. لا وقت هناك للانتظار، فالوقائع الميدانية تفرض نفسها على المفاوضات وعلى كل المعترضين، لتذليل اعتراضاتهم، ولتحيل مواقفهم إلى هباء لا قيمة عملية لها.
هذه الخيارات تتمتع بـ”أفضليات” لا تضاهى، فهي عالية الكلفة، وهي تدمر الشاطىء وتلوث البحر، وتسمح بوضع اليد على أملاك بحرية عامة، في مواقع عالية القيمة الاستراتيجية. ففي الكوستابرافا مثلا، مساحات من شاطىء رملي ذهبي اللون، أصفرا لا يقاوم. وفي برج حمود هناك جبلا من النفايات لا بد من رميه في البحر، ليعطينا ملايين من الأمتار المربعة، على واجهة بحرية عالية القيمة الإستثمارية.
أما الحل البيئي البسيط، قليل الكلفة، والذي من شأنه توفير تحريك اقتصادي -اجتماعي في المجتمعات المحلية في المناطق، والآمن صحيا، والذي يتيح استرداد نسبة هامة من قيمة الموارد الموجودة في النفايات، عبر تدويرها وتحويل مكوناتها العضوية إلى كومبوست يستعمل في تحسين مواصفات التربة الزراعية ومكافحة التصحر، أو في إنتاج البيوغاز لتوليد الطاقة… كل هذا ليذهب إلى الجحيم. فهو حل “طوباوي” حسب تعبير معظمهم، وهو غير قابل للتحقيق حسب بعضهم الآخر، أو هو مؤجل إلى مهل غير محددة، لأن حكومتنا وفريقها محشورون دائما في الوقت، وعقلهم لا ينتج إلا خططا طارئة على حساب مال اللبنانيين وبلدياتهم، وعلى حساب بيئتهم وصحة أجيالهم.
أنظروا إلى بلدية “عبيه”، هذه القرية الهادئة في جبل لبنان… وضعت نظامها لإدارة النفايات، فنجحت نجاحا باهرا في وضع نظام إدارة سليم بيئيا، وآمن صحيا، وراقٍ حضاريا، وبكلفة تساوي ثلث ما كانت عليه كلفة جمع نفايات القرية والذهاب بها إلى مطامر هدر المال العام والموارد الطبيعية في لبنان.
رئيس بلدية عبيه، أنت أهم بكثير من حكومة لبنان وفريقها لمعالجة النفايات… نجحت بإخلاصك لشعبك ولضميرك، حيث فشل ويفشل الآخرون.

Pin It on Pinterest

Share This