ليست المرة الأولى التي تظهر فيها براميل محتوية على مواد كيميائية صناعية تالفة، أو مخلَّفات كيميائية يراد التخلُّص منها، مرمية في الطبيعة، وبالتأكيد لن تكون المرة الأخيرة أيضا.

في سنوات خدمتي في وزارة البيئة من 1995 حتى 2004، حدث هذا الأمر مئات المرات، في مختلف المناطق اللبنانية، من عكار والشمال، إلى البقاع وإلى الجنوب، وكذلك إلى مناطق مختلفة من الجبل، وبعض مناطق بيروت وضواحيها أيضا، ساحلا وجبلا وداخلا.

كانت هذه الحالات تثير إرباكا مماثلا لدى الناس يشبه هذا الإرباك الذي شهدناه مع حالة براميل السكسكية، التي وضح من خلال الصور بعضا من محتوياتها.

الفارق الوحيد والكبير يكمن في أنه في تلك السنوات البائدة كان هناك آلية بسيطة، ولكنها عالية الفعالية للتعامل والإستجابة مع هذه الحالات ومثيلاتها. غالبا ما يتم اكتشاف أو ملاحظة وجود هذه البراميل، بأعداد مختلفة، أحيانا برميلا وحيدا، وأحيانا أخرى عددا متفاوتا من البراميل يصل إلى أكثر من عشرة، من قبل أحد من الأجهزة الأمنية، مثل مخابرات الجيش، أو قوى الأمن الداخلي، أو أي عامل في أجهزة أمن الدولة المختلفة. وكذلك أحيانا من قبل مواطنين يبادرون فورا لإبلاغ القوى الأمنية، وفي أحيان أخرى يتم اكتشاف هذه البراميل من قبل البلدية أو أحد العاملين فيها. وفي كل الحالات يتم فورا إبلاغ السلطات المختصة، بما فيها وزارة البيئة، لاتخاذ الإجراءات المناسبة.

حدث في حالات كثيرة أن يتم الإبلاغ عبر برقية تصل إلى وزارة البيئة، إما إلى مكتب الوزير أو إلى الديوان، أو عبر إبلاغ إشارة من القوى الأمنية، فيصار على الفور، دقائق بعد استلام الإبلاغ، تكليف خبير كيميائي للذهاب إلى عين المكان للكشف والقيام بما يلزم.

خلال عملي في وزارة البيئة كنت في غالب الأحيان ذلك الخبير الكيميائي، المتخصص بالسموم الكيميائية، مع بعض الزميلات والزملاء الكيميائيين، من يتم تكليفنا بهذه المهمة. فنذهب على الفور، بسيارة وزارة البيئة، حاملين معنا الوسائل الوقائية البسيطة، التي كانت موجودة، وقد تزودت ببعضها، وكانت لا تفارق سيارتي أينما تنقلت وأينما حللت، وهي لا تزال موجودة حتى الآن.

تتم الزيارة، والكشف، وذلك دائما بالتنسيق مع الأجهزة المختصة من قوى أمنية وبلديات. ويصار إلى اتخاذ اللازم من إجراءات، ولدى العودة إلى الوزارة، نحضِّر تقريرا علميا دقيقا بشأن الحالة، متضمِّنا توصيات بالإجراءات الواجب اتخاذها حيال الأمر. يوضع التقرير بين يدي القيادات الإدارية في الوزارية، وصولا إلى مكتب الوزير ليتخذ، على ضوء كل حالة، اللازم من خطوات. كل ذلك كان يتم خلال بضعة ساعات فقط، حسب بعد المكان عن وزارة البيئة، التي كانت موجودة في أنطلياس في تلك الفترة.

ماذا حصل الآن لهذه الآلية البسيطة وعالية الفعالية للرقابة والإستجابة السريعة لمثل هذه الحالات؟ أين تكمُن الثغرة القاتلة؟ ولماذا لم تبادر الأجهزة الأمنية لإبلاغ وزارة البيئة؟ ونحن نعلم أن في وزارة البيئة اليوم خبراء يتمتعون بأهلية عالية وبالمعرفة والخبرة الواسعة، وبسرعة هم قادرون على وضع التقرير العلمي المفصَّل عن الحالة، ووضع التوصيات المناسبة للتعامل معها.

لماذا لم تبادر البلدية أو الأجهزة الأمنية إلى إبلاغ وزارة البيئة لاتخاذ ما يلزم من إجراءات؟ وهل أُبلِغَت وزارة البيئة ولم تتحرك سريعا لإرسال الخبير المناسب للكشف على البراميل ووضع التقرير المناسب؟

سيل من الأسئلة المشروعة، تثيرها براميل السكسكية حول آلية الرقابة وآلية والإستجابة والتعامل الجدي والمسؤول والكفوء والمتخصص مع حالة رمي براميل مواد كيميائية خطرة وسامة وملوِّثة للبيئة وتهدِّد السلامة والصحة العامة.

حالة الإرتباك التي عرفتها البلدية، فأرسلت شرطيا بلديا غير مؤهل إطلاقا للتعامل مع هذا الأمر، أو أنها سارعت لإعلان بيان لا يتضمن أي من الحقائق العلمية، المتعلقة بأمر البراميل المرمية. وتُرك للإعلام أن يتناقل أخبارها بخفَّة أحيانا، وبمسؤولية عالية أحيانا أخرى (كما فعل greenarea.me، حيث فضَّل التأخير في نشر المادة لكي يتسنى لنا مراجعتها وتدقيقها قبل نشرها، لما يتمتَّع به من مسؤولية عالية حيال الناس وصحتهم والبيئة وسلامتها.

ماذا تتطلب إجراءات إعادة إحياء آلية الرقابة والإستجابة البسيطة وعالية الفعالية والمسؤولية؟ ليَقُم كلٌّ بما عليه من مسؤوليات فورا ودون إبطاء.

هذا الترهُّل والتراخي غير مبرر، وغير مقبول، وهو يترافق بأكبر المخاطر على السلامة والصحة العامة، وعلى سلامة البيئة والحفاظ عليها.

 

Pin It on Pinterest

Share This