زياراتنا الميدانية إلى نهر الليطاني، في مختلف مناطقه وأقسامه، من جدار سدِّ القرعون باتجاه الجنوب، تظهر لنا يوما بعد يوم حجم وعمق الإرتكابات بحق هذا النهر، باعتباره معلما طبيعيا وثروة مائية عذبة، ومنظومة بيئية مائية حية، ومنظومة حياة لا تنحصر في مياهه فحسب، بل أيضا في مجراه، وصخوره وحصاه، وضفافه والتراب في محيطه، وفي حوضه المتمادي عرضا وطولا وارتفاعا وامتدادا وتعرجا مع طبيعة وتضاريس السهول والجبال والهضاب التي تطل عليه.

كل إدارات سلطة المياه في لبنان مسؤولة عن ما أصاب هذا النهر من دمار. وزارة الطاقة والمياه، وقبلها ما كانت تسمى وزارة الموارد المائية والكهربائية، بسياساتها، التي لا تتردد عن تسميتها “استراتيجيات وخطط”، وهي لا تتسم بأي من ميزات السياسات العقلانية المرتكزة على معطيات العلم في تطورها، ولا من ميزات الاستراتيجيات والخطط، التي تستجيب لألف باء التنمية المستدامة.

وكذلك، المصلحة الوطنية لنهر الليطاني التي من حيث المبدأ، يجب أن تكون مسؤولة عن إدارة هذا النهر وحوضه، ولا نظنّ أنها قامت بذلك عبر العقود الماضية، أو أنه سمح لها القيام بذلك. إذ أننا نلاحظ، حيث هناك بصمة تدخل لهذه المصلحة، يكون الإنتماء إلى نظريات بائدة في إدارة الموارد المائية والأنهر والمنظومات البيئية النهرية. أو يكون الإرتكاز على رؤية مجتزأة، لا ترى في النهر إلا كمِّية من المياه، نحرِّكها كيفما اتفق، دون مراعاة لأي معايير أو مفاهيم بيئية علمية، أو تنموية مستدامة.

وكذلك أيضا، مصالح المياه ومؤسسات المياه في المحافظات، التي لا تختلف من حيث بنية رؤيتها حيال الموارد المائية عن سياسات وزارة الطاقة والمياه والمصلحة الوطنية لنهر الليطاني.

تَجمَع مختلف إدارات سلطة المياه في لبنان رؤية مبتورة مشتركة حيال المياه، رؤية قوامها الكمِّية، لا تكترث لما يصيب مواردنا المائية، السطحية والجوفية، وكذلك الينابيع المتفجرة على كل الإرتفاعات وفي كل المناطق، من تلوث فظيع، من كل المصادر. وهي تنظر إلى المياه كمعطى كمِّي، منفصل عن الطبيعة التي تُنظِّم دورته، وعن ما تكوِّنه في أشكال وجودها من منظومات متكاملة، تتكامل وتتداخل مع منظومات أخرى، هي في حالة تفاعل لا يهدأ ولا ينتهي.

النهر، من منبعه حتى مصبِّه، عبارة ردَّدها الكبير والصغير في الأيام والأسابيع الأخيرة. ولكن هل يحافظ نهرنا على وحدته المورفولوجية كمنظومة واحدة متكاملة ومتتابعة ومستمرة؟ بالتأكيد هو ليس كذلك، قُطِّعت أوصاله إربا، وخرِّبت مجاريه، ودُمِّرت منظوماته، وتدهورت حالته، ليس فقط عبر تلويث مياهه، بل بتغيير كبير في طبيعة مجراه ومحيطه.

تسعى دول العالم إلى استغلال مياه الأنهر للري، وللإستعمال المنزلي، ولإنتاج الكهرباء، ولاستعمالات في الصناعة، وكثير من المجالات النافعة الأخرى.

إن تزايد الوعي البشري عن الجوانب البيئية والإيكولوجية أدى إلى حدوث تغيُّرات جذرية بشأن الإستثمار الإستنزافي للموارد المائية الطبيعية. وجعل من مفاهيم “جودة” الموارد المائية تساوي بأهمِّيتها، بل تفوق المفاهيم “الكمية”، حيث أن استعمالات المياه المختلفة تتطلب مستويات مختلفة من معايير الجودة. إن لم نحافظ على الموارد المائية الطبيعية بمواصفات تلائم تلك الإستعمالات، فسيؤدي ذلك إلى ارتفاع كبير في كلفتها، مما يحمِّل عمليات الإنتاج، وكذلك مجمل الاقتصاد الوطني، أثقالا إضافية من شأنها أن تعيق عملية التنمية والتطور.

هناك تدخلات ثقيلة من حيث استمرارها وشدتها على منظومات النهر البيئية، مما أثر بشكل سلبي كبير على جريانه مع تغير الفصول، مثيرا تغيرات هامة في حجم تدفقات المياه فيه.

نحن ندعو إلى الإهتمام بالمنظومات البيئية النهرية، والإقرار بأن المنظومات البيئية المرتبطة بالمياه يجب ألا تتعرَّض للخطر، ولا أن تتحوَّل إلى ضحية رخيصة تحت شعارات “التنمية”.

هذا الفهم يقودنا إلى مفهوم “التدفقات البيئية” للنهر. وهذا بالطبع ما جرى تجاهله الكامل في سياسات وممارسات كل إدارات سلطة المياه في لبنان حيال نهر الليطاني، بعد سدِّ القرعون مباشرة، أو في نهاياته قبل المصب.

يعرِّف البنك الدولي “التدفقات البيئية” للنهر  Environmental Flows باعتبارها “نوعية وكمية وتوقيت التدفقات المائية المطلوبة للمحافظة على مكوِّنات ووظيفة وعمليات ومرونة المنظومات البيئية المائية، التي تقدم السلع والخدمات للناس”.

يقول إعلان “بريسبان” Brisbane Declaration، الصادر في أستراليا في شهر أيلول (سبتمبر) من العام 2007 “إن التدفقات البيئية هي أساسية من أجل صحة المنظومات البيئية للمياه العذبة ولرفاه الإنسان”.  يعرِّف إعلان بريسبان التدفقات البيئية بأنها “تصف نوعية وكمية وتوقيت التدفقات المائية المطلوبة للمحافظة على المنظومات البيئية للمياه العذبة ولمصبَّات الأنهر ولحياة الناس ورزقهم ورفاههم المرتبطة بهذه المنظومات البيئية”.

واحدة من أهم مقولات إعلان “بريسبان” تقول بأن “تدفق مياه النهر إلى البحر ليس هدرا للمياه”. لنتمعن جيدا في ما يردِّده يوميا “جهابذة” استراتيجيات وسياسات المياه عندنا، في كل إدارات سلطة المياه ومؤسَّساتها.

تشتمل المنظومات البيئية للنهر، ليس فقط على الأحياء الحيوانية والنباتية التي تعيش فيه، بل أيضا تلك التي تعيش في مجاله المائي، والأراضي الرطبة التي تتغذى بمياهه عند جريانه العادي وفي أوقات فيضانه، وتشمل أيضا المنظومات البيئية المرتبطة بالمياه الجوفية المدعومة من تسرُّبات النهر ومصبِّه.

يتضمن تعريف “التدفقات البيئية” Environmental Flows (EF) ثلاث مكوِّنات رئيسة، النوعيَّة والتبدُّل والكمِّية، وهي بتكاملها وبارتباطها تكوِّن مفهوم التدفقات البيئية.

مكوِّن التبدُّل هنا يشير إلى أن كمية المياه ليست ثابتة في كل الأوقات، ولكنها دائما ليست صِفرا، كما هي الحال في بعض مقاطع نهر الليطاني جنوب جدار سد القرعون، وقبل مصبِّه، من حدود الزرايرية وحتى القاسمية.

وعلى ضوء ذلك، نشأ مفهوم “التدفق  البيئي الأدنى” Minimum Environmental Flow وهي كمية المياه الدنيا الضرورية لأن تستمر بالتدفق في مجرى النهر بعد السدِّ، أو بعد أي تدخل آخر، من نوع تحويل مياه النهر في قناة للري أو ما شابه ذلك، لكي تحافظ على التوازن الإيكولوجي في مجرى النهر بعد السد. تثبَّت هذا المفهوم وأصبح سائدا في العام 1970، حيث يجب أن يستمر تدفق حد أدنى من مياه النهر في مجراه لأسباب بيئية وجمالية وحياتية.

في الثمانينات من القرن الماضي، استبدل مفهوم “التدفق البيئي الأدنى” بمفهوم “التدفق البيئي”، وجرى إدخاله في التسعينيات في التشريعات الدولية والتوجيهات الأوروبية في بريطانيا والإتحاد الأوروبي.

من هنا علينا أن نبدأ، من اعتبار النهر منظومة بيئية مائية، في مياهه ومجراه ومحيطه، ونضع السياسات والإستراتيجيات والخطط والممارسات التي تحترم هذا الإعتبار وتنطلق منه. فالنهر ليس كمِّية من المياه، لا اعتبار لجودتها، فنمعن بتلويثها، والسكوت عن رمي كل الأوساخ والملوِّثات فيها، وممارسة كل الموبِقات بحقِّها دون حسيب أو رقيب. والنهر منظومة بيئية متكاملة لا يجوز تقطيعها أو تدميرها، أو قتل الحياة في أقسامها بتجفيفها، أو بمنع “التدفقات البيئية” عنها، كي نُبقي الحياة فيها على اتزان وانتظام.

Pin It on Pinterest

Share This