تلوث القسم الشمالي من نهر الليطاني، أي من منابعه غرب مدينة بعلبك حتى بحيرة القرعون، وضمنا روافده وفروعه الأساسية التي تصب في مجراه الرئيسي، مدروس بالتفصيل، حيث نُفِّذ العديد من الدراسات والمشاريع منذ سنوات طويلة لتحديد أنواع التلوث ومصادره ومستوياته ووضع الخطط لمعالجته.

تجمع التقارير على أسباب التلوث الرئيسية، وهي بداية، سوء إدارة النفايات الصلبة المنزلية والصناعية والطبية، حيث ترمى كميات كبيرة منها في مكبات عشوائية منتشرة في مناطق واقعة في حوض النهر، وتؤدي بشكل مباشر أو غير مباشر إلى تلويث النهر، وصولا لتراكم تلك الملوثات في بحيرة القرعون.

وكذلك سوء إدارة المياه المبتذلة الناتجة عن الصرف الصحي، إن في القرى والبلدات والمدن المحرومة من وجود شبكات للمجارير، أو تلك التي “مُنَّ” عليها بشبكات للمجارير دون إكمال “الجميل” بإنشاء وتشغيل محطات فعَّالة للمعالجة، فكان أن لوَّثت آلاف الأمتار المكعبة من المياه المبتذلة المتدفقة يوميا إلى حوض النهر، وبعضها يصب مباشرة في مجاري النهر أو في روافده وفروعه.

وكذلك أيضا، كميات كبيرة من التدفقات السائلة الصناعية غير المعالجة تصب في النهر أو في روافده وفروعه مباشرة، أو ترمى في الطبيعة في مناطق موجودة داخل حوض النهر فتصل ملوثاتها آخر المطاف إليه.

منطقة البقاع منطقة زراعية بامتياز، حيث يكثر استعمال المبيدات والأدوية والأسمدة الزراعية دون إرشاد كافٍ وفعَّال، فيحدث أن تتسرب هذه المركبات الكيميائية السامة، مع مياه السيول والري المفرط إلى روافد وفروع النهر أو حوضه المائي فتصبح مصدرا إضافيا لتلوثه.

مع تعدد مصادر التلوُّث وتنوُّعها، يتنوع التلوث بحيث يشمل تلوثا فيزيائيا وكيميائيا وميكروبيولوجيا. تتدفق المياه الملوثة وتتسرب عصارات النفايات والملوثات الأخرى. ملوثات عضوية مع المياه المبتذلة والتدفقات السائلة لعدد كبير من المصانع الغذائية والمعلبات والألبان والأجبان، بمعظمها غير معالجة. إضافة إلى تدفقات بعض المصانع الكيميائية مثل صناعة الورق والدباغات وغيرها، حيث الملوثات من مواد كيميائية وأملاح وأحماض ومعادن ثقيلة، معظمها عالي الإستقرار والثبات، وقابل للتراكم في الأوساط المائية والترسبات، وكذلك في الأوساط الحيوية للأحياء المائية التي تعيش في النهر والبحيرة.

تراكمت كل أنواع الملوثات، وتفاعلت، وبعض أنواع البكتيريا والطحالب تكيف مع مرور السنين وأصبح عالي القدرة على تحمُّل المتغيرات، بحيث تحوَّلت إلى ملوِّث نشيط وخطير على سلامة المنظومة المائية للنهر والبحيرة.

إضافة إلى مياه النهر والبحيرة، تراكمت تلك الملوثات بكميات كبيرة في ترسُّبات النهر والبحيرة، وأصبحت مصدرا للتلوث الثانوي عند تحريكها أو صرفها من مخارج جدار سد القرعون باتجاه بحيرة أنان ونهر بسري والأولي لتساهم بتلويثها، وكذلك باتجاه مجرى النهر، الذي يتابع جريانه وتكوُّنه جنوب سد القرعون، في منطقتي البقاع الغربي والجنوب وصولا إلى مصبِّه في القاسمية.

في حين يعود تلوث القسم الشمالي من الليطاني مع بحيرة القرعون إلى عقود بعيدة، وتلوث القسم الجنوبي منه، الممتد من جنوب جدار سد القرعون حتى القاسمية، فهو طارىء وحديث العهد ومختلف المصادر والأنواع.

في الماضي المتوسط والقريب كانت مياه الليطاني في قسمه الجنوبي (بعض الدراسات والتقارير تطلق عليه إسم “نهر القاسمية”)، نظيفة رقراقة، يُجمع أهالي قرى وبلدات الليطاني على أنها كانت صالحة للشرب. تعيش فيها أنواع من الأسماك النهرية، وينعم سكان تلك المناطق بالتنزه والسباحة والترفيه وممارسة الرياضات المختلفة على ضفاف النهر وفي مياهه. ونمت على ضفتيه حركة سياحية موسمية هامة مع عدد كبير من المقاهي والمطاعم والإستراحات والمجمعات السياحية والأندية الرياضية والمخيمات الكشفية والشبابية المتعددة. وكان معروفا لدى كل رواد النهر صفاء مياهه، وأن مجراه، في هذا الجزء من جريانه، مكوَّن من صخور وحصى، ويكاد يكون خاليا من الرمل والطين والطمي، إلا ما كانت تحمله مياهه في كل مرة تفتح مخارج سد القرعون، وهذا ما كان يحصل نادرا.

وإذ منذ سنوات قليلة، بدأ النهر الصافي، الرقراق والنقي، تتغير ملامحه. كثرت كميات المياه المبتذلة المتجهة مباشرة لتصب في مجراه. في الأقسام الجافة صيفا لهذا المجرى، وفي حوضه في القرى والبلدات المتربعة على التلال المتطلعة نحو النهر على ضفتيه، الشرقية والغربية في مساره باتجاه الجنوب، والشمالية والجنوبية في مساره نحو الغرب باتجاه مصبه.

بضعة مرامل ومغاسل للرمل تنهش الجبال والتلال على ضفة النهر مباشرة أو على بعد بضعة مئات من الأمتار فقط، حتى أن أي نشاط لها يترافق حكما بسيل من الطين والطمي والرمال إلى مجرى النهر، لتحول مجراه إلى ترسبات طينية ورملية وطميية على ارتفاعات متفاوته تصل في بعض الأحيان إلى ما يزيد عن المتر ونصف المتر.

عدد كبير من المرامل في الجبال ولكنها كلَّها في حوض النهر، حيث مئات، وربما آلاف الينابيع متفاوتة الغزارة، والنزازات، ومجاري السيول المتشابكة والمتواصلة والمتوازية، المتجهة كلها بقدرة ربها نحو النهر. مرامل انتهكت حرمة الينابيع، وحفرت في حرمها، أو على مسارات مجاري السيول الشتوية، حيث نقلت على مدى سنوات، وبعضها لا يزال ينقل حتى الساعة، رمولا ملوَّنة تقطع كيلومترات لتصل إلى النهر بمصبات صغيرة، ولكنها كافية لكي تلون النهر باللون البرتقالي على مدى أيام وشهور وسنين.

زياراتنا الميدانية على طول الليطاني – القاسمية، وعلى مواقع المرامل في حوضه على الجبال العالية وعلى الينابيع السارية، وعلى المجاري الجافة خلال الصيف، دلت على حقائق دامغة عن مصادر تلوث ماء وقعر النهر بالملوثات الرملية والطينية والطميية، التي لا تزال تكسبه ألوانا مميزة مع كل حركة فيه، حيث تعتكر مياهه من الترسبات المتراكمة في قعر مجراه.

وكذلك أيضا عن مجاري مياه مبتذلة تصب مباشرة أو بصورة غير مباشرة في مياه النهر أو في حوضه، مسببة تلوثا عضويا وجرثوميا ظهر جليا في عينات مياه النهر وفي ترسباته من الرمل والطين والطمي.

Pin It on Pinterest

Share This