أشارت التقارير بشأن تلوُّث بحيرة القرعون، ولا سيما أبحاث الدكتور كمال سليم، الباحث في المركز الوطني للأبحاث العلمية والأستاذ في الجامعة اللبنانية، إلى وجود البكتيريا الزرقاء-الخضراء أو “سيانوبكتيريا” Cyanobacteria، حيث نمت وتكيَّفت واكتسبت مقاومة تتيح لها التكاثر والإستقرار في المنظومة المائية لبحيرة القرعون ونهر الليطاني.

هذه البكتيريا هي ذات ميزات مزدوجة، كما تشير تسميتها، فتسمى الزرقاء لاعتبارها كائن بكتيري مائي (اللون الأزرق) وفي نفس الوقت عندها ميزات نباتية (الخضراء)، أي تؤمِّن حاجتها من الطاقة من خلال عملية التمثيل الضوئي Photosynthesis كما كل الأنواع النباتية.

تنمو في الأنهر والبحيرات والمسطَّحات المائية أنواع عديدة من الطحالب نتيجة تلوُّث مياهها بالمواد العضوية والمغذِّيات، خصوصا عندما تستقبل هذه الأوساط تدفُّقات الصرف الصحي وبعض أنواع الصناعات الغذائية غير المعالجة، أو غير مكتملة المعالجة بحيث تتوافق مع لوائح المعايير والمواصفات المناسبة.

أهم أنواع الطحالب وأكثرها انتشارا في الأوساط المائية العذبة الملوَّثة هي “الدياتومات” Diatoms والطحالب الخضراء.

الطحالب الزرقاء-الخضراء المسمَّاة “سيانوبكتيريا” موجودة بكثرة أيضا في الأنظمة المائية العذبة، وهي بطبيعتها ليست طحالب كاملة، بل هي بكتيريا تمتلك خصائص الطحالب، الكلوروفيل (أ)، والتمثيل الضوئي الأوكسيجيني (أي أنها تنتج وتستهلك الأوكسجين عبر عمليات التمثيل الضوئي).

هذه البكتيريا – الطحلبية، إذا صح التعبير، موجودة في الأنهر والبحيرات ومصبَّات الأنهر وفي البحر أيضا، وهي تؤدي إلى تخريب الشروط الملائمة لعيش الأسماك وللسباحة، وتُكسِب الوسط المائي رائحة كريهة ولونا قاتما، وتستهلك الأوكسجين الذائب في المياه مما يجعل الوسط المائي غير ملائم للحياة.

ليس كل أنواع الطحالب تنتج التوكسينات Toxins، أي موادا سامة، ولكن الـ”سيانوبكتيريا” تتميز بتوليد توكسينات عالية القوة تسمى “سيانوهابس” CyanoHABs، وتطلقها في الوسط المائي حتى دون تكسُّر خلاياها أو موتها.

هذه التوكسينات عالية السمِّية على الحيوانات والأسماك وعلى الإنسان والبيئة. وهي سموم كبدية، أي أنها تسبب تأثيرا سميا كبديا، وسموم عصبية، وسموم جلدية أيضا. الـسيانوبكتيريا ذات السمية الكبدية هي أوسع انتشارا في العالم من تلك ذات السمية العصبية.

أكثر أنواع التوكسينات التي تنتجها خلايا السيانوبكتيريا، هي: الميكروسيستينات Microcystins، وهي مجموعة من أكثر من 100 توكسين قابلة للتراكم في أجسام الكائنات المائية من أسماك وغيرها، وكذلك في العوالق الحيوانية والعضلات. وهي تصيب الكبد وكذلك الكليتين والجهاز التناسلي. تشير بعض الدراسات إلى أن بعض هذه التوكسينات هي مسرطنة محتملة.

وكذلك السليندروسبرموبسينات cylindrospermopsins، وهي تصيب الكبد والكليتين، وليس هناك معطيات كافية عن تأثيرها المسرطن عند الإنسان والحيوان. والأناتوكسينات Anatoxins وهي سموم عصبية تؤثر على الجهاز العصبي المركزي.

دلَّت بعض الأبحاث الحديثة، لا سيما أبحاث الدكتور ستوميل  Dr. Stommel، أستاذ علم الأعصاب في كلية “دارتموثس جيسل” للطب Dartmouth’s Geisel School of Medicine في الولايات المتحدة الأميركية، على أن الـسيانوبكتيريا لها علاقة وثيقة بمرض “التصلب الجانبي الضموري” Amyotrophic lateral sclerosis.

تتراكم الـسيانوبكتيريا وتوكسيناتها في سمك “الكارب” حيث تنتقل إلى جسم الإنسان عند استهلاكه لأسماك ملوَّثة بالسيانوبكتيريا. وكذلك يمكن لها أن تنتقل إلى الإنسان مع الهواء، ومع الرذاذ لتصيب السكان في المناطق القريبة من البحيرات والأنهر الملوَّثة بهذه البكتيريا الطحلبية. يعتبر طريق التعرض للرذاذ طريقا رئيسا لتعرض الإنسان لها، حيث تستقر السيانوبكتيريا في الجيوب الأنفية وفي الرئتين.

ظهرت علاقة محتملة قوية بين التعرض للسيانوبكتيريا والإصابة بمرض التصلب الجانبي الضموري، وهو مرض يصيب النيرونات التي تتحكم بالحركة الإرادية للعضلات، بحيث يسبب الآلام وضمور العضلات واضطراب الحركة.  ويصيب كذلك الخلايا الدماغية والنخاع الشوكي.

يلاحظ الدكتور “ستوميل” أن ليس كل من يتعرض للسيانوبكتيريا يصاب بالضرورة بهذه الأمراض، حيث هناك ربما أسباب مساعدة أخرى تختلف من شخص لآخر.

Pin It on Pinterest

Share This