تلوث نهر الليطاني بقسميه، الشمالي من المنابع حتى بحيرة القرعون، والجنوبي من بحيرة القرعون حتى مصبِّه في القاسمية في جنوب لبنان شمالي مدينة صور، تنامى ليصبح أزمة حقيقية، ضاغطة جدا وخطيرة، ولا يمكن الإستمرار بالسكوت عنها، وقد بلغت حدَّ تهديد الصحة العامة بأكبر المخاطر، إضافة لما تشكله من تدمير لمنظومات بيئية مائية متنوعة، ممتدة من المنبع في البقاع الأوسط حتى المصب في الجنوب، مرورا ببحيرة القرعون التي تعاني من حالة شديدة التلوث.

ليست حالة تلوث الليطاني بحدث طارىء إستفقنا فجأة عليه، بل هي نتيجة تراكم إهمال ومخالفات وخرق للقوانين، وغض نظر عن تعديات، وإغفال لواجبات لائحة طويلة من الحكومات المتعاقبة، ومن الوزراء المتناوبين على وزارتي البيئة والطاقة والمياه، منذ أن كانت تحمل إسم وزارة الموارد المائية والكهربائية.

لنبدأ أولا بتجاهل كل سلطات البلد منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي على الأقل وحتى الآن لكل التشريعات، من قوانين ومراسيم ولوائح تنظيمية تتعلق بالأملاك النهرية وحرمها، وحرم الينابيع، وكذلك تلك التي تعتبر الثروة المائية السطحية والجوفية ملكا عاما، حتى وإن وقعت في أملاك خاصة.

إن النظرة الحديثة للمياه، باعتبارها موردا طبيعيا استراتيجيا بأهميته لحياة الشعوب، تعتبر النوعية متقدمة على الكمية، ولها أولوية استراتيجية. فلو كنَّا نمتلك ثروة مائية غنيَّة بكمياتها، فهذا لا يعني بالضرورة أننا بوضع مريح لتلبية حاجاتنا منها، بغض النظر عن نوعيتها. إن تلوث الموارد المائية، بحيث لا يمكن استعمالها في مجال ما دون معالجة، تجعل من استعمال هذه الموارد عالي الكلفة، وبالتالي عالي الثمن على مستهلكيه. وهذا من شأنه أن يثقل الفاتورة الإقتصادية للبلد عموما، ويعرقل نموَّه الطبيعي، وتقدُّمه بشكل عام.

ما فائدة ملايين الأمتار المكعَّبة من المياه المخزنة في سد القرعون إذا تركنا الأمور تتفاقم حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من مستويات مقلقة من التلوث، بحيث أصبحت مجالات استعمالها محدودة جدا، ومحفوفة بكثير من المخاطر على البيئة والصحَّة العامة؟

إلى متى يمكن لبلدنا السير في الإتجاه المعاكس لكل مسارات البشرية في موضوع استراتيجيات المحافظة على الموارد المائية وحسن استثمارها؟

تتحدد الإتجاهات الرئيسة لاستراتيجيات العالم الحديث حيال المياه – وهذا يصح على البلدان الغنية بالمياه كما على البلدان المعروفة بشحِّ مواردها المائية – بالعمل على ترشيد استهلاكها ووقف الهدر ووضع حدٍّ للإسراف والتبذير، وتدقيق وجهة استعمالها بما يتلاءم مع المتطلبات النوعيَّة لوجهة الاستعمال هذه دون سواها، أي أن لا نستعمل المياه الصالحة للشرب مثلا، لغير هذه الغاية، لا في الريِّ، ولا في الصناعة، ولا في أي مجال آخر، والعمل على تدوير استعمال المياه بعد إخضاعها لعمليات معالجة متفاوتة، بحيث يتم معالجتها لدرجة تجعلها متوافقة مع المواصفات المقبولة لاستعمال ما، أو لهدف محدد آخر.

إن السياسات المائية المعتمدة من الدولة اللبنانية على امتداد عقود من السنوات، هي سياسات غير عقلانية، وغير ذكية على الإطلاق، وسياسات فاشلة، تؤدي إلى استنزاف هذه الموارد وتدميرها وتلويثها، وإلى تخريب بيئي شامل يدمر ليس فقط الثروة المائية، بل ثروات طبيعية واقتصادية أخرى، لحساب صفقات مفضوحة، لصالح فئات في السلطة أو تابعة لها.

إلى متى تتمادى الحكومات في عشوائية المشاريع، وعدم تناسقها ضمن رؤية استراتيجية متكاملة للتنمية المستدامة؟

إلى متى نستمر بما نسميه زورا “تنمية”، حيث نبني محطات للمعالجة، وتبقى منتظرة عقودا من الزمن لكي تكتمل شبكة مياه الصرف، المفترض أن تستقبلها للمعالجة؟ ومحطة الغدير نموذج صارخ.

إلى متى نمدُّ شبكات مجارير الصرف الصحي في المدن والقرى والبلدات دون أن يترافق ذلك بإيصالها إلى محطَّات مناسبة للمعالجة؟ هناك عشرات، بل ربما مئات النماذج لهذه الهرطقة “التنموية”.

إلى متى تُبنى محطات المعالجة، وتُترك للبلديات مسؤولية إدارتها، دون مدِّ يد العون لها، لا ماليَّا ولا تقنيَّا ولا بشريَّا؟

إلى متى يمكننا الإستمرار بالتغاضي عن هدر مواردنا المائية، وتلويث أنهارنا وينابيعنا، وحتى بعض مجمعات مياهنا الجوفية؟

إلى متى الإنتظار كي نضع حدا حقيقيا لرمي النفايات الصناعية السائلة في الأنهر أو في الطبيعة، عدا عن البحر، دون أية معالجة تجعلها متوافقة مع المواصفات والمعايير المشرَّعة في هذا الخصوص بالذات؟

إلى متى الإنتظار لمعالجة المياه المبتذلة بغاية إعادة استعمالها في مجالات تتوافق مع مواصفاتها، بعد عمليات المعالجة بمستويات مختلفة؟

هل يعقل أن تعمل محطة معالجة المياه المبتذلة في النبطية على معالجة ثانوية، وهي بمواصفات ممتازة لاستعمالها في الري، ومن ثمَّ ترمى في مجرى لمياه مبتذلة يمر قرب المحطة دون معالجة، بسبب هفوات تصميمية أو هندسية في تناسب موقع المحطة مع مسارات شبكة المجارير في المنطقة؟ هل تريدون أن نوافق معكم على أن هذا تنمية؟ أم أن هذا هدرا موصوفا للمال العام، في سياسات لا يهمُّها إلَّا تحقيق الصفقات والسمسرات، دون النظر إلى تحقيق الغايات المرجُوَّة من هذه المشاريع؟

هل تريدون منَّا أن نسير معكم في سياسة بناء السدود المجنونة؟ وأمامنا نموذج سد القرعون، الذي تحولت بحيرته من ثروة مائية مفترضة إلى كارثة بيئية وصحية، خصوصا أنه الموقع الوحيد على الخارطة اللبنانية، الذي يصحُّ فيها بناء سد لتجميع المياه بفعالية كمية معقولة نسبيا؟ إذ أن كل المواقع الأخرى لا تتمتَّع بالحدِّ الادنى من الفعالية اللَّازمة للبحث أصلا في اعتماد هذه الإستراتيجية البائدة في استثمار الثروة المائية.

تماديتم خلال العقود المنصرمة في تجاهل القوانين والتشريعات، التي تحمي الموارد المائية من التلوُّث والتدمير. وتماديتم في غضِّ الطرف عن رمي النفايات الصناعية في الأنهر والمجاري المائية وفي الوديان، حيث تهدِّد بتلويث التربة الزراعية والمياه الجوفية، وفي البحر حيث تلوِّث شواطئنا، وتهدِّد صحة المواطنين، وتضرُّ بمصالح أصحاب المؤسسات السياحية على ضفاف الأنهر وعلى شواطىء البحر.

تماديتم بالسكوت على رمي مياه الصرف الصحي، وخصوصا، وهنا الطامة الكبرى، قد جمعت في شبكة مجارير تمتد لتصب مباشرة في مجاري الأنهر والبحر؟

وهذا نهر الليطاني وبحيرة القرعون ضحية صارخة لسياسات استنزاف الموارد الطبيعية على حساب القوانين والتشريعات واستراتيجيات التنمية الذكية والفعالة والمتكاملة والمستدامة، لحساب صفقات مشاريعكم ومشاريع أتباعكم، التي تنهش بمواردنا الطبيعية في الجبال والوديان والشطآن، وتدمِّر وتلوث دون حسيب أو رقيب، وبمخالفة كل ما يمتلك البلد من تشريعات وقوانين ولوائح تنظيمية ولوائح معايير ومواصفات، بل وأيضا بتجاوز آليات الترخيص القانونية، واستبدالها بـ”مهل إدارية”، هي التفاف على القوانين لتسهيل التمادي في نهب الخيرات الطبيعية، مقابل عمولات أصبحت معروفة وعلى لسان القاصي والداني.

كفى، قلناها منذ زمن طويل، وقالها الكثيرون من الحريصين على مصير ومستقبل هذا البلد، وعلى استمرارية وديمومة موارد بلدنا، لتنعم فيها أجيال شعبنا القادمة، والتي ستتوالى على الحياة على هذه الأرض الطيِّبة.

كفى، قالها مدوِّية السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير. وهذا يعني، أو يجب أن يعني، كفى صارمة وحازمة، لوقف التدهور الموصل إلى الإنهيار، وهذا نراه صفارة إطلاق لبداية النهاية لمهزلة ومأساة تلوُّث الليطاني وبحيرته، من منبعه وحتى مصبه.

كل الأيادي والهمم مدعوة لدفع هذا القطار، الذي تتطلب مسيرته طاقات جميع الخيِّرين في هذا البلد، وهم فعلا تداعوا، وشمَّروا عن زنودهم، ونزلوا إلى الأرض لإحداث الفعل والتغيير.

يدا بيد لإنقاذ الليطاني، وكل موارد لبنان المائية وموارده الطبيعية المهدورة والمهددة بالدمار على يد أرباب الفساد في السلطة وحولها.

 

Pin It on Pinterest

Share This