من حيث المبدأ، كانت ينابيع لبنان وجداوله وأنهاره وسواقيه كلها مياها نظيفة رقراقة صالحة للشرب، بل البعض منها، وخصوصا تلك التي تقع على ارتفاعات شاهقة في الجبال، تتمتع بمواصفات مياه طبيعية مميزة وذات قيمة صحية عالية.

من حيث المبدأ، لبنان يمتلك حزمة كبيرة وواسعة من التشريعات ذات العلاقة بالبيئة والطبيعة والمياه ، جداولا وأنهرا وينابيع، والهواء والتربة والشواطيء والبحر. تشريعات وأنظمة قديمة ومتوسطة العمر، حيث كثير منها يحتاج إلى تحديث، ولكن ذلك لا يقلل من أهميتها، ولا من فعالية الحماية التي تضمنها للموارد الطبيعية، في حال جرى احترامها وتطبيقها من قبل السلطات التنفيذية التي تعاقبت على حكم لبنان منذ الاستقلال، بل منذ مرحلة ما قبل الإستقلال أيضا.

وهناك أيضا، وهذا هو الأهم، مجموعة عالية الأهمية من التشريعات البيئية الحديثة، والمبنية على رؤية معاصرة للبيئة ومنظوماتها ومكوناتها وعناصرها، ومناهج حمايتها وإدارتها بما يضمن تنمية مستدامة للبنان وشعبه. ولا سيما قانون حماية البيئة رقم 444 للعام 2002، وقانون المحافظة على البيئة ضد التلوث من النفايات الضارة والنفايات الخطرة رقم  64 للعام 1988، وغيره من القوانين والأنظمة، والتزامات لبنان حيال الإتفاقيات البيئية الدولية المبرمة بقوانين، والتي تشكل أيضا قاعدة تشريعية صلبة لحماية البيئة والحفاظ عليها، وللتعامل مع مختلف التهديدات والمخاطر التي تهدد البيئة بكل منظوماتها، وكذلك صحة البيئة والإنسان. وكذلك أيضا، نمتلك حزمة واسعة من المراسيم البيئية، وأخص بالذكر مرسوم “أصول تقييم الأثر البيئي للمشاريع” رقم 8633 للعام 2012، ومرسوم “التقييم البيئي الاستراتيجي لمشاريع السياسات والخطط والبرامج في القطاع العام” رقم 8213 للعام 2012، ومرسوم “تأليف المجلس الوطني للبيئة وتحديد مهامه وتنظيمه” رقم 8157 للعام 2012، ومرسوم “تنظيم المقالع والكسارات، رقم 1735 للعام 2009،  ومرسوم “الإلتزام البيئي للمنشآت” رقم 8471 للعام 2012،  ومرسوم ” تحديد أنواع نفايات المؤسسات الصحية وكيفية تصريفها” رقم 13389 للعام 2004 تعديلا للمرسوم 8006 للعام 2002. وهناك أيضا، عدد كبير جدا من القرارات الصادرة عن وزراء البيئة المتعاقبين، وغيرها من الوزارات ذات العلاقة بقضايا حماية البيئة ومنظوماتها، مثل وزارة الطاقة والمياه، ووزارة الزراعة، ووزارة الصناعة، ووزارة النقل، ووزارة الأشغال، ووزارة الداخلية. وأخص بالذكر هنا القرار رقم 8/1 للعام 2001 بشأن “المواصفات والمعايير المتعلقة بملوثات الهواء والنفايات السائلة”، وغيره الكثير من القرارات ذات الصلة بحماية البيئة، وبشروط إنشاء واستثمار منشآت يمكن لها أن تؤثر على البيئة وتلوِّث منظوماتها.

من حيث المبدأ، لو كانت حكومات لبنان المتعاقبة، والوزارات المعنية مباشرة بحماية البيئة والمحافظة على منظوماتها، وبوضع شروط الترخيص لإنشاء واستثمار المؤسسات من كل نوع، المحتمل أن يكون لها أثرا على البيئة بمختلف مكوناتها، ومراقبتها، قد قامت بواجباتها وفق صلاحياتها التي تنص عليها القوانين، ولو كانت قد مارست تلك الصلاحيات والواجبات بعقلية بناء الدولة والإئتمان على المال العام، الذي تمثله طبيعة لبنان وثرواتها المائية والطبيعية والشاطئية، وفق ما يحدده القانون للأملاك العامة، وحرم الأنهر والينابيع والشواطيء البحرية، وآليات التعامل معها بروحية المؤتمن على هذه الأملاك لصالح أجيال الشعب اللبناني الآتية في المستقبل من السنين، لما كنا نواجه اليوم هذه الكوارث، وهذا التدهور، وهذا الهدر الفظيع في مواردنا الطبيعية، ولما وصلنا إلى ما وصلنا إليه من حالة تلوث خطير، وتدمير غير قابل للتصحيح في عدد كبير من المواقع.

من حيث المبدأ، جيل رجالات الدولة الذين عملوا على وضع أسس هيكليتها واستكمال بنيتها ومؤسساتها، هو في تناقص مستمر منذ الاستقلال و حتى اليوم.

كان إنشاء وزارة التصميم في العام 1954 خطوة رائدة في إتجاه بناء دولة المؤسسات، استكملها الرئيس فؤاد شهاب في أواخر الخمسينات وبداية الستينات بإنشاء المجالس والهيئات التي تعزز بنية الدولة، وتحد من تعسف واستنساب السياسيين في السلطة، وكذلك الموظفين في الإدارة.

وزارة التصميم ألغيت في العام 1977، وبدأ مع هذا التاريخ بداية عصر تراجع الدولة وانهيارها. إذ عندما تقوم السياسات والمشاريع وما يطلق على تسميته زورا “التنمية” دون تصميم وتخطيط وتناسق بين مؤسسات الدولة المختلفة، على قاعدة التعاون والتكامل والمؤازرة، وعندما تفتقر سياسات الوزارات كلها إلى التخطيط الاستراتيجي السليم، يصل العبث بمقدرات البلد وبثرواته الطبيعية، التي هي وفق القانون أملاك عامة لصالح الشعب اللبناني بكل أجياله، إلى حالة الدمار الشامل التي نعيشها اليوم، وإلى نهب خيرات البلد في جيوب حفنة من المستفيدين في السلطة وخارجها.

من حيث المبدأ، يشكل تلوث نهر الليطاني، نموذجا آخرا، قديم جديد عن التعامل مع الثروات الطبيعية على أنها مال سائب، وما يجعل هذا الاعتقاد ممارسة فعلية هي سياسات الحكومات نفسها، وممارسات الوزارات نفسها، التي كلَّما ابتعدت عن تطبيق القوانين التي تحدد صلاحياتها وواجباتها، والمعهود لها أمانة تطبيقها، وكلما استهترت باحترام وتطبيق موجبات القوانين والأنظمة والتشريعات البيئية وغيرها، كلما تحوَّلت الثروة الطبيعية إلى منظومات مدمَّرة، وموارد مهدورة، ترتِّب خسائر فادحة على كثير من اللبنانيين، حاضرا ومستقبلا، وأرباحا طائلة تقاس بالملايين، وأحيانا بالمليارات، تذهب إلى جيوب بعض المنتفعين من أصحاب النفوذ وأتباعهم.

ولكي لا يتهمنا أحد بالتجني أو بالمبالغة، نفنِّد بالتفصيل المصادر المحتملة لتلوث نهر الليطاني، وآليات التعدي عليه وعلى حقوق اللبنانيين كلهم، وعلى حقوق المستفيدين من النهر من سكان القرى والبلدات على ضفتيه وفي حوضه، بأشكال قانونية مختلفة لاعتباره معطى طبيعي، ملكا عاما علينا حمايته والحفاظ عليه.

من حيث المبدأ، هناك التلوث من مصادر صناعية، حيث ترمي بعض المؤسسات الصناعية نفاياتها السائلة، وأحيانا غير السائلة، في مجرى النهر وروافده. وهذه ممارسة مخلَّة بالقوانين والأنظمة. فالنفايات الصناعية بكل أشكالها، الغازية والسائلة والصلبة، هي وليدة طبيعية لعملية الإنتاج. حيث أن الدورة الصناعية تتكون من ثلاثة حلقات رئيسية. الحلقة الأولى تشتمل على المواد الأولية والطاقة والمياه، والحلقة الثانية تشتمل على التكنولوجيا المعتمدة وسير العمليات، والحلقة الثالثة تشتمل على المنتج والنفايات المتولدة عن عملية إنتاج المنتج.

من حيث المبدأ، في منظورنا، وفي منظور القوانين والاستراتيجيات الحديثة للتعامل مع التلوث الصناعي، إن صاحب المؤسسة هو المسؤول عن كل نشاط مؤسسته، وكل ما يتولد عنها من منتجات تحقق له الأرباح، ومن نفايات عليه واجب إدارتها، لكي يكون التخلص منها متوافقا مع التشريعات التي تحدد المواصفات والمعايير الواجب الإلتزام بها. وكذلك الحصول على التراخيص اللازمة التي تتيح له التخلص منها، بعد معالجتها وبعد توافقها مع المعايير، في الأوساط البيئية، التي هي ملك عام، وأي تعدٍّ عليها يشكل تعدِّيا على حقوق الآخرين، حاليا وفي المستقبل.

من حيث المبدأ، إن حسابات الجدوى، التي يقوم بها صاحب مشروع ما، ينبغي أن لا تتجاهل كلفة معالجة نفايات العمليات الإنتاجية والتخلص منها. إذ أن هذه الكلفة، إن لم يتم إدراجها في ميزان المحاسبة الخاصة بالجدوى الاقتصادية والمالية للمؤسسة نفسها ولربحيتها، نكون قد ألقينا بهذه الكلفة على طرف آخر لكي يتحملها عن غير حق. أي رميها في منظومات بيئية يؤدي تلوثها إلى فقدانها ميزات استعمالها والاستفادة منها من قبل آخرين، اليوم وفي الستقبل. أي رميها بوجه المجتمع، المحلي، والوطني برمته، بما فيه الدولة وسلطاتها. ويصبح تحميل المجتمع برمته كلفة إصحاح ما خرَّبته الملوثات، سياسة ظالمة وغير عادلة وغير أخلاقية.

من حيث المبدأ، أن إغراق البلد بالديون وتراكمها على عاتق الشعب اللبناني لتمويل مشاريع إصحاح منظومات بيئية جرى الإعتداء عليها وتلويثها من قبل بعض المصانع والمرامل والبلدات، التي ترمي بصرفها الصحي إلى النهر أو البحر دون حساب لقدرة هذه الأوساط المستقبلة على التحمُل، هو عمل ظالم لن يقبل الناس به ولا السكوت عليه.

من حيث المبدأ، هذا الكلام يصحُّ أكثر على المرامل ومغاسل الرمل، التي أدَّت مؤخرا إلى تلويث فظيع لنهر الليطاني، وأدت إلى تعطيل الحياة الطبيعية فيه وحوله. إذ أن رمي غسول الرمل في النهر أدى إلى تناقص خطير في الثروة السمكية التي تعيش فيه. وأدى أيضا إلى القضاء الكلِّي على موسم السياحة والترفيه والإستجمام لعموم سكان حوض الليطاني، ولمشغلي المطاعم والمقاهي والمنتجعات على ضفتي النهر، لهذا الموسم على الأقل، وربما لمواسم قادمة.

من حيث المبدأ، المرامل، وفق تعاريف القوانين في بلدان العالم، هي مورد منجمي، وتخضع عملية استخراجها وإعدادها للإستخدام إلى تراخيص معقدة، باعتبار أن الثروات المنجمية هي، من حيث المبدأ، ملك للدولة. والوزارات المعنية تصدر التراخيص لاستثمارها بعدما تضع ضرائب ورسوم عالية على هذا الاستثمار، حتى وإن كانت العقارات ملكية خاصة. تماما كما لو كانت الثروة المنجمية ذهباً على سبيل المثال، فهل كنا سنعتبر صاحب الأرض هو المالك لهذه الثروة، دون أن يترتب عليه ضرائب ورسوم كبيرة للدولة؟ أو أن تضع الدولة يدها على ثرواتها حتى وإن ظهرت في عقارات مملوكة من الخواص. ونفس الكلام يصح على ثروة النفط والغاز، أو أي معدن من المعادن، كما هي الحال بالمياه الجوفية أيضا والآبار الأرتوازية.

ماذا يحصل بالفعل؟ مرامل تستثمر بتراخيص إدارية، لا شروط فيها ولا ضرائب ولا رسوم تتناسب مع هذا الاستثمار، من جهة، ومن جهة أخرى، يصار إلى استعمال مياه النهر، وهي ملكية عامة، تخضع إدارتها للدولة، دون ترخيص بذلك، ولا دفع بدل لهذا الإستعمال، كما يصار مع بعض المزارعين الذين يحصلون على ترخيص لسحب كميات محدودة من مياه النهر مقابل بدل سنوي لري مزروعاتهم القريبة منه. والأنكى من كل ذلك، هو رمي مياه غسل الرمل الملوَّثة، عالية المحتوى من الجسيمات الصلبة العالقة والذائبة، في النهر، مما أدى ويؤدي إلى تلويث خطير وطويل المدى للنهر، لا يتوقف أثره الضار مع توقف رمي هذه الملوثات فيه.

من حيث المبدأ، هذا اعتداء صارخ على النهر، وهو معطى طبيعي وملك عام لكل الشعب اللبناني، حيث حمَّل أصحاب المرامل ومغاسل الرمل آثار استثمارهم، وكلفة معالجة مياههم الملوَّثة، وألقوها بوجه كل اللبنانيين، وبشكل خاص بوجه المستفيدين مباشرة من النهر، باعتباره معطى طبيعي وموقعا للتنزه والترفيه. فكان أن تسببت المرامل ومغاسلها بخسائر كبيرة وقعت على كاهل هؤلاء المشغِّلين للمقاهي والمطاعم، ووضعوا أرباحهم وكلفات معالجة نفاياتهم السائلة في جيوبهم أرباحا إضافية نراها غير مشروعة في أي حال.

إذا أردنا اليوم إصحاح النهر، فهل من العدالة أن يتحمل الشعب اللبناني كله، من خلال قروض بمئات ملايين الدولارات، تُستقدم لتنفيذ صفقات مشبوهة لمعالجة تلوُّث الليطاني؟ كما استيقظ فجأة وزير البيئة ليعلن عن مشروع من هذا القبيل، فور انتشار الحديث عن تلوث في النهر.

من حيث المبدأ، أي عدالة هذه أن يتحمل عموم الشعب اللبناني، وكذلك المتضرِّرين المباشرين من تلوث الليطاني، كلفات معالجة التلوث التي كانت تتوجب وفق القانون على الملوِّثين أنفسهم؟

إن قانون حماية البيئة رقم 444 للعام 2002 يقول بمبدأ “الملوِّث يدفع”، أين حكومتنا من تنفيذ وتطبيق هذا المبدأ في التعامل مع كارثة تلوُّث الليطاني؟

سؤال نطرحه بقوة بوجه كل من يتصدى لهذا الموضوع، على كل المستويات. لا، لا مجلجلة لصفقات معالجة التلوث.

نعم لتطبيق القوانين وتحميل كل ذي وزرٍ وزرَه. والتعويض عن المتضرِّرين من جيوب الملوِّثين، ولا سيَّما الكبار منهم، لا من جيوب عموم اللبنانيين.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This