تشكِّل الثروة المائية، السطحية والجوفية، من أنهار وبحيرات وسواقي ومجاري وقنوات ومواقع مصبَّات الأنهار والمجاري المائية، ثروة وطنية عامة، تخضع إدارتها للدولة.

في معظم بلدان العالم، هناك تشريعات تفرض على كل من يرغب في صرف تدفقات سائلة، في المياه السطحية أو على الأرض أو في الأرض، وكذلك في البحر، أن يحصل على ترخيص بهذا الأمر من السلطات المختصة.

يرتكز هذا التصريح على تحديد كميات التدفقات السائلة، المراد التخلص منها في مجاري وتجمعات المياه السسطحية أو في البحر، ونوعيتها، أي تراكيز وكميات الملوثات التي تحتويها من كل نوع. ملوثات فيزيائية، من جزيئات صلبة عالقة وشوائب صلبة من أي نوع، وملوثات كيميائية، من معادن ثقيلة ومركبات كيميائية ناتجة عن نشاط مؤسسات صناعية أو زراعية أو من مصادر منزلية وتجارية، وملوثات بيولوجية وجرثومية، من ميكروبات بكتيرية وفيروسية وديدان ويرقاتها وبيضها وطفيليات من أي نوع، من مصادر مختلفة، من مياه الصرف الصحي أو من مؤسسات التصنيع الغذائي أو المسالخ والدباغات وغيرها. وكذلك الملوثات العضوية والمغذيات بتراكيز عالية، بحيث تهدد الأوساط المائية السطحية العذبة والبحر بتلويث خطير.

تتضمن التشريعات المعتمدة في بلدان عديدة آليات للترخيص، وكذلك لوائح للمواصفات والمعايير المتعلقة بالنفايات السائلة المسموح تصريفها في المياه السطحية العذبة، وكذلك في البحر. وآليات المراقبة والرصد للتحقق من الإمتثال لهذه المواصفات والمعايير واحترامها.

في لبنان، القرار 8/1، المنشور في الجريدة الرسمية، العدد 10 تاريخ 1/3/2001، حول المواصفات والمعايير المتعلقة بملوثات الهواء والنفايات السائلة المتولدة عن المؤسسات المصنفة ومحطات معالجة المياه المبتذلة، لا يزال ساري المفعول، ويجب العمل على تطبيقه ومراقبة احترام لوائحه من قبل كل الجهات، المؤسسات الصناعية وغير الصناعية والبلديات من جهة، والوزارات المعنية، لا سيما وزارة البيئة، من جهة أخرى، وتقرير مدى الإمتثال للوائحه وتراكيز مختلف الملوثات، وخصوصا المؤشرات ذات الأهمية البيئية والصحية القصوى.

لسنا في مقام تقييم هذا القرار، ومناقشة الحاجة المُلِحَّة لتحديثه باتجاه مراعاة اعتماد مواصفات ومعايير أكثر صرامة في حماية البيئة والصحة العامة، ومجاراة التوجُّهات الحديثة في وضع المواصفات والمعايير، وطرق مراقبة ورصد تطبيقها والإمتثال لها. ولكننا نرى أنه لا يزال قرارا نافذا، على الجميع، تطبيقه واحترامه والإحتكام إليه في تقييم أوضاعنا البيئية، وتحديد مدى تلوث مواردنا المائية، ولا سيما ما يشهده أكبر وأهم نهر في لبنان، نهر الليطاني، على طول مساره، من منبعه في البقاع الأوسط وحتى مصبه في القاسمية في الجنوب، مرورا ببحيرة القرعون.

من شأن الإحتكام للوائح هذا القرار، أن يحسم كثيرا من الإختلاف في التقييم والتعليل لحالة نهر الليطاني وغيره من الأنهر والجداول والمجمعات المائية والبحيرات، وكذلك لمدى التزام المؤسسات المتنوعة، التي ترمي مخلفاتها السائلة، بما فيها مياه الصرف الصحي، في هذه الأوساط المائية العذبة وفي البحر.

الملحق 4 من هذا القرار، يتعلق بالقيم الحدِّية البيئية للنفايات السائلة المصرَّفة في المياه السطحية (المياه العذبة). يتضمن هذا الملحق جدولا بالقيم الحدية للمنشآت القائمة وأخرى للمنشآت الجديدة. والقيم الحدية للمنشآت القائمة لا تزال سارية المفعول، بسبب عدم تصديق لبنان حتى الآن على تعديلات بروتوكول التلوث من مصادر أرضية ضمن اتفاقية برشلونة.

يتضمن هذا الجدول عددا كبيرا من المؤشرات الفيزيائية (الحرارة، والمواد الصلبة العالقة)، والفيزيو- كيميائية (الإس الحمضي pH)، والكيميائية (المعادن الثقيلة وأشباه المعادن مثل الزرنيخ ومركباته، والمواد العضوية وغير العضوية الذائبة، والمغذِّيات، والزيوت والشحوم)، والبيولوجية والميكروبيولوجية (بكتيريا الكوليفورم، والسالمونيلا).

عند وقوع حالات من التلوث الكبير، بحيث يتحول النهر أو المنظومة البيئية المائية العذبة إلى وسط معدم، وعالي التلوث من مصادر متنوعة، يجب علينا درس كل المؤشِّرات المشار إليها في جدول القيم الحدِّية، لكي نتمكَّن من تشخيص دقيق وعلمي لدرجة التلوث، وتحديد أنواعه ومصادره المحتملة.

نحن أمام حالة من هذا النوع، مع تفاقم تلوث نهر الليطاني المتراكم عبر عقود من الزمن. مصادر عدة ترمي بتدفقاتها السائلة، وأحيانا بنفاياتها الصلبة، محمَّلة بالملوثات من كل صنف ونوع. من مؤسسات صناعية مختلفة، وضمنا، مصانع المنتجات الغذائية ومشتقات الحليب، وكذلك الدبَّاغات، والمسالخ، ومياه الصرف الصحي لكثير من المدن والبلدات والقرى، وكذلك لمئات من المؤسسات السياحية من مسابح ومطاعم ومقاهي من مختلف الأحجام والسعة، الواقعة على ضفتيه، أضيفت إليها في الفترة الأخيرة أعداد من المرامل ومغاسل الرمل، التي ترمي بحِملها المشبع بالمواد الصلبة العالقة مباشرة في النهر.

إن تلوث نهر الليطاني في جزئه الشمالي، الممتد من منابعه إلى سدِّ القرعون، وكذلك تلوث البحيرة، هو مشكلة مديدة في الزمن، يعود تاريخها إلى عقود خلت ولا تزال مستمرة. أما تلوث الجزء الجنوبي من النهر، أي الممتد من سدِّ القرعون حتى القاسميَّة، وهو في نسبة كبيرة من مياهه يتكون من مئات الينابيع المتدفقة في هذه المنطقة وعلى طول مساره، هو تلوّث حديث العهد بهذا الثِّقل وهذه الحِدَّة.

إنفجر الإهتمام بتلوث النهر مع تغير لونه، وتعكر مياهه، واكتسابه لون الرمل، مع تمادي مغاسل المرامل في رمي مخلفاتها فيه دون معالجات مسبقة. وكذلك مع ازدياد مصادر التلوث الأخرى على ضفتيه في السنوات الأخيرة، ولجوء مزيد من القرى والبلدات إلى رمي مياهها المبتذلة مباشرة في النهر، أو في بعض الحالات المحدودة، بعد معالجة إبتدائية غير كافية وغير فعَّالة.

من الطبيعي أن يثير تلوث نهر الليطاني هذه الموجة الوطنية العارمة من ردود الفعل والإستنكار، وهذا المستوى الواسع من التحرُّك، الذي تشارك فيه شرائح ناشطة ودينامية من المجتمع المدني والجمعيات الأهلية والبلديات والقوى الشبابية، وكذلك من القوى السياسية، في السلطة وفي المعارضة. قلَّما يعقد إجماع يماثل هذا الإجماع المنعقد على حماية نهر الليطاني من التلوث، ووقف التعدي عليه، والتمادي في تلويثه من كل المصادر، وخصوصا منها المصادر الرئيسة، التي تشكِّل نسبة عالية من حمل التلوث الذي يتعرض له النهر، وفي مقدمتها مغاسل الرمل ومجاري المياه المبتذلة والتدفقات الصناعية.

يشكل درس لائحة المؤشرات، التي يشملها جدول القيم الحدِّية، درسا موسعا ومعمقا وشاملا، يساعد على تشخيص دقيق وتقدير موضوعي لحجم ونوع وحِدَّة أزمة التلوث في النهر. ويمكن لدرس مجموعة مختصرة من المؤشرات، تغطي الأنواع الثلاثة الرئيسة من الملوثات المحتملة، الفيزيائية والكيميائية والميكروبيولوجية، أن تعطي فكرة كافية عن تلوث النهر، وعن اتجاهات السيطرة عليه والحدِّ منه عبر وقف مصادره الرئيسة، ومعالجة تلك التدفقات لدرجة كافية، أو منع رميها في النهر بشكل كامل.

إن السؤال الكبير والحاد، الذي يطرح نفسه مع كارثة تلوث الليطاني، هو أين وزارة البيئة؟ أين وزارة البيئة مِن وضْع اليد على التلوث، من خلال تشخيصه العلمي الدقيق، ومن خلال الإجراءات السريعة والفعالة للحدِّ منه، والتحكم به، ووقف تدفُّق الملوثات إليه، دون تأخير.

وبالنسبة لجميع إدارات الدولة، ولا سيَّما منها ذات العلاقة المباشرة بهذا الشأن، من وزارات البيئة والطاقة والمياه والداخلية والصحة والزراعة، ومصلحة الليطاني أيضا، نسأل، أين هي من مسألة تلوث هذا النهر، وهو موضوع كيانها بالأساس؟ على هذه الإدارارت كلها، التدخل الفوري والفعال، بدل التلهِّي بحياكة الصفقات، عبر مزيد من القروض وهدر المال العام وتراكم الديون على كاهل المواطن اللبناني. وكأن تفاقم الأزمات في هذا البلد، الواحدة تلو الأخرى، من أزمة النفايات إلى أزمة تلوث الليطاني، ما هي إلا أبوابا للسمسرات والصفقات المريبة، بعيدا من وضع السياسات السليمة والفعالة والمستدامة، التي يستحقُّها لبنان وشعبه.

Pin It on Pinterest

Share This