صح النوم للجميع، لكل القوى السياسية وملحقاتها من منظمات وجمعيات ونقابات، وطبعا من مجالس بلدية، استفاقت فجأة على تلوث خطير في نهر الليطاني، وعلى أن لا بد من العمل الجاد و”المتمهل” لمعالجة هذا التلوث. بدأ يحصي تلوث النهر ضحاياه، من خسائر كبيرة للمؤسسات السياحية والمطاعم والمسابح والمقاهي على ضفتيه، حيث لم تشهد خلال فترة عيد الفطر ما تشهده عادة من اكتظاظ للمتنزهين. وأولئك المغامرون الذين ذهبوا واستحموا مع أطفالهم في النهر، تعرض عدد كبير منهم للإصابة بأمراض وتحسسات جلدية متفاوتة الأهمية. الأسماك تنفق طبعا في نهر لم يعد فيه أوكسجين، وتحول إلى سيل من الملوثات والطين تسد خياشيم أسماك النهر. قرى بكاملها أصبحت محرومة من إمدادها بماء الشرب وماء الاستعمال المنزلي، لأن طين الملوثين يقفل المضخات، ويعطل نقل مياه النهر إلى محطات التنقية.

الفرق واضح بين رؤيتين، رؤية تتحدث بصيغة “مجهول الفاعل” عن تلوث سقط من “المريخ” على نهرنا العظيم، وإذا به تحول إلى تلوث لا تُعرف أسبابه ولا مسببيه. يتم تجاهل أنواع التلوث ومصادره وأبطاله الحقيقيين. ورؤية أخرى، تتحدث عن أنواع التلوث، وتحدد مصادرها بدقة، وتشير بالإصبع وبالإسم إلى الملوثين وكل من يقف خلفهم، والجهات التي يعمل هؤلاء لصالحها.

الفرق واضح أيضا بين استراتيجيتن، استراتيجية الإنتظار، والتصريحات الخجولة والمبهمة وغير الدقيقة في غالب الأحيان، وكأن مع إطلاقها اليومي أو الأسبوعي نبرىء ذمتنا تجاه أهلنا ومناطقنا، وكفى المؤمنين شر القتال. واستراتيجية أخرى تقول بضرورة استنفار واستخدام كل الصلاحيات المتاحة للسلطات المحلية، والإدارات المتواجدة مصالح ودوائر لها في المنطقة، للتدخل السريع في وقف مصادر التلوث الرئيسية، ريثما يتم التحضير العملي لوقف مصادر التلوث الأخرى. إذن بين استراتيجية انتظار “قطار الدولة” المعطل والمشلول كليا، بوزاراته وحكومته وبرلمانه وإداراته، وبين استراتيجية تفعيل وتحريك ودفع دينامية ملموسة على الأرض لصلاحيات البلديات واتحادات البلديات وطاقة المجتمع المدني والطاقات الشعبية الهائلة، لوضع حد فوري وفعال لكارثة التلوث والتخفيف من مخاطرها فورا ودون تأجيل، ولا انتظار ريثما توضع السياسات، وتؤخذ القرارات، وتقر المشاريع -الصفقات بمئات ملايين الدولارات.

الفرق واضح كل الوضوح بين استراتيجية الإتكال على لجان وزارية، مشكلة أصلا من وزارات مشلولة، أو نائمة نوم أهل الكهف، أو هي خارج نطاق الوعي والتأثر بما يجري في البلد من كوارث تتوالى الواحدة بعد الأخرى.

نقولها بالفم الملآن، لا نثق بلجانكم الوزارية، ولا بنِيَّتِها على اجتراح الحلول، وتنفيذها السريع لرفع الظلم عن الناس. بل أنها ستأخذ وقتها لإنضاج صفقات تعود عليها بالسمسرات والعمولات، كما العادة في ملفات أخرى وفي أزمات أخرى لا تقل خطورة عن كارثة تلوث نهر الليطاني.

ما نؤمن به، هو ضرورة تحريك الطاقات والقدرات والإمكانات المحلية، وهي كبيرة جدا، وكافية لوضح حد لتدهور نهر الليطاني في يوم واحد، من خلال إيقاف المصادر الرئيسية للتلوث، باستعمال فعال وسريع ومنظم لما تتمتع به البلديات من صلاحيات، والمجتمع المدني والأهلي من طاقات شعبية هائلة، حين تكون مدعومة ومحتضنة من القوى السياسية الفاعلة وقوى السلطة في المنطقة.

لو حصل هذا، هل كنا ننتظر شهورا لوقف المرامل؟ وهل كنا مضطرين للوصول إلى وقف تدفق مياه الشرب إلى مئات القرى والبلدات؟ وهل كنا مضطرين لانتشار الأمراض عند المواطنين الذين غامروا وقصدوا النهر للتنزه؟ وهل كنا مضطرين لانتظار “ربطات عنق” وزراء البيئة والطاقة والمياه والسياحة لأن تُحَلَّ إيذانا بانطلاق العمل لمعالجة تلوث نهر الليطاني… “يا عين… يا ليل”… من ينتظر هؤلاء للتحرك من أجل الليطاني، فاقد لحسِّ اللَّسعة من الجحر مئات المرات. وهل تلوث الليطاني سيكون أكثر وقعا عليهم من تراكم النفايات والملوثات الخطيرة على مداخل أنوفهم، وعلى عتبات غرف نومهم ونوم أطفالهم، في العاصمة وكل المناطق اللبنانية، وعلى مدى سنة بالتمام والكمال؟ ولا زالت الأزمة مستمرة، تنتقل من خيار فاشل إلى خيار أكثر فشلا، وهم يحيكون الصفقة تلو الأخرى.

خففوا من ضجيجكم، وتعالوا لنعمل على الأرض سوية، وعملية تلويث الليطاني المتمادية يجب أن توقف اليوم قبل الغد. هذا ممكن دون انتظار الغيث والترياق من لجنة وزارية، ومن حكومة، هي في حالة أقرب إلى الغيبوبة (الكوما) الكاملة، منها إلى سلطة تنفيذية قادرة على التعامل السريع مع مشاكل البلد البيئية والإنمائية والمعيشية، ونترك لغيرنا التحدث عن المشاكل الأخرى. هي طباخ للصفقات، أكثر منها مبدعٌ للسياسات والاستراتيجيات السليمة والفعالة لإدارة ملفات البلد الضاغطة على حياة شعبه، مهددة بيئته وصحته ولقمة عيشه بأكبر المخاطر.

Pin It on Pinterest

Share This