لا نحتاج إلى مزيد من الأدلَّة والبراهين على الفساد والترهُّل الإداري، وتحوُّل معظم الوزارات إلى مزارع للوزراء، الذين يتعاقبون عليها منذ سنوات طويلة وحتى الآن.
وزارة البيئة ليست استثناء، بل هي، مع الأسف الشديد، واحدة من أكثر النماذج دلالة على سيادة عقلية المزرعة.
بدأ الفساد الإداري وانهيار إدارات الدولة، مع انطلاق نظام الطائف بعد انتهاء الحرب الأهلية. فبحجة تسهيل عملية إعادة الإعمار وتسريعها، جرى إهمال البنية الإدارية للدولة، وتعطَّلت المؤسسات الأكثر تعبيرا عنها، ولا سيما منها “مجلس الخدمة المدنية”، حيث توقف التوظيف في الدولة، واستعيض عنه بالتعاقد والتشغيل بالفاتورة، وما شابه ذلك من طرق تؤشر على ضعف وهزال وتفكك جهاز الإدارة. وكذلك أجهزة الرقابة الإدارية، نراها شبه معطلة، ولا تقوم بعملها حتى النهاية، وبمعزل عن تأثيرات القوى السياسية النافذة في السلطة.
من أكثر وأسطع الدلائل على فساد وانهيار وضعف الإدارة هو الميل الذي بدأ منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي، وهو مستمر حتى اليوم، في التخلي عن الدور القيادي للإدارة لصالح حفنة من المستشارين، هم ليسوا دائما ممن يتمتعون بالخبرة والمعرفة والدراية بملفات وقضايا البيئة وتشعُّباتها. وهذا يتجلى بصورة فاقعة في وزارة البيئة وغيرها الكثير من وزارات الدولة ومؤسساتها.
يستمر الوضع الشاذ في وزارة البيئة لناحية الإمعان في العمل على إلغاء دور “المدير العام” في الحياة الطبيعية لوزارة البيئة وأعمالها اليومية، وآلية تسيير المهام، بما فيها آلية إتخاذ القرارات في مختلف الشؤون البيئية. وهي قضايا على تماس مباشر مع حياة اللبنانيين ونشاطهم الإقتصادي، وإدارة مواردهم الطبيعية، ووضعهم الصحي العام. كل ذلك بحجة واهية تقول بأن “للمدير العام ملفَّات عالقة في التفتيش”. تشكِّل هذه الحجج – الأعذار إدانة لأصحابها أكثر مما هي إدانة للمدير العام. فلماذا لم تحسم نتائج هذه الملفات بعد؟ ولماذا السكوت كل هذه الأعوام على وضع يؤدي إلى تعطيل كبير للعمل الطبيعي لوزارة البيئة في كل أبعاد الوضع البيئي والمسألة البيئية في لبنان. لم تكن الوزارة يوما بحالة الضعف والهزال هذه، أكثر مما هي عليه الآن.
إن هذا الوضع الشاذ، غير الصحِّي، وغير الطبيعي، يضغط بقوة على عمل فريق عمل الوزارة في مختلف المصالح والدوائر والقطاعات.
حالتان نوردهما لإيضاح ما نقول، الحالة الأولى، ردة فعل وزارة البيئة على نتيجة “جلسة مشاركة الجمهور العام” لمناقشة مشروع محرقة ضهور الشوير، في إطار تحضير دراسة تقييم الأثر البيئي لهذا المشروع.
أود أن أشير في البداية إلى أن “جلسة مشاركة الجمهور العام” هي جلسة مفتوحة لكل من يعتبر نفسه معنيا بصورة مباشرة أو غير مباشرة بهذا المشروع، ولا سيما الأهالي وممثلي المنظمات غير الحكومية والخبراء والناشطين البيئيين والإجتماعيين والمدافعين عن البيئة والصحة العامة، وغيرهم من المهتمين والمتابعين.
إن حضور المدير العام لوزارة البيئة في جلسة كهذه لا يحتاج إلى تكليف مسبق من أحد، فمن الطبيعي أن يشارك ويدلي بدلوه في النقاش المحتدم حول هذا الموضوع. إن الإدِّعاء بأن موقف وزارة البيئة يجب أن يكون محايدا، هو موقف تافه، ويسخِّف دور وزارة البيئة، ويرمي به خارج صلاحياتها وواجباتها، وفق قانون إنشائها والقوانين التي تحدد وظيفتها ونطاق عملها وأهدافها.
ليس لأي وزير الحق أن يلغي القوانين ويتصرف بشأنها باستنسابية وتعسُّف. وزارة البيئة ليست جهة محايدة على الإطلاق، بل هي الجهة المناط بها تطبيق قوانين إنشائها وتنظيمها، وقانون حماية البيئة، وكل القوانين والمراسيم والقرارات التي تعنى بالبيئة وحمايتها.
هذا في العام، وفي الحالة الخاصة تحديدا، فإن مدير عام وزارة البيئة، الدكتور برج هتجيان، هو صاحب إختصاص أولا، فهو اختصاصي بالسموم وتأثيراتها على البيئة والصحة العامة، وهو ثانيا، صاحب مسؤولية إدارية، لا يزال يمارس مهامه الوظيفيَّة، على الرغم من استمرار الوضع الشاذ في الوزارة حتى الآن. هذا المدير العام بصفتيه الوظيفية والشخصية له كل الحق بالحضور والإسهام في نقاش مشروع محرقة ضهور الشوير في “جلسة مشاركة الجمهور”.
إن انضمام وزارة البيئة إلى أصحاب المحرقة في رفض نتائج هذه الجلسة، التي كانت على مستوى رفيع جدا من المهنية والموضوعية العلمية والإختصاص، وعلى مستوى رفيع جدا من الحرص على حماية البيئة والصحة البشرية من مخاطر هذا المشروع الآنية وبعيدة المدى، ما هو إلا دليل إضافي على حالة الهريان والانحدار والتعسُّف حيال البيئة وحمايتها.
الحالة الثانية، التي أود الإشارة إليها في هذا السياق، هي الرد – الفضيحة لوزارة البيئة على دعوى جمعية “الإنماء الإجتماعي والثقافي” أمام مجلس شورى الدولة. تدافع وزارة البيئة، المستبعدة كليَّا عن إدارة ملف النفايات بقبول ورضوخ وخنوع لا سابق له، وبتوجيه من وزيرها، عن خطة صفقات ردم البحر، تحت عبارات تضليلية حول إقامة مطامر للنفايات، وتقول أنها “خطة لحماية البيئة”.
لا يتورع كتبة رد وزارة البيئة عن تسخيف كل ما له علاقة بحماية البيئة، وبإلإدارة السليمة للشواطىء والمناطق الساحلية والبحر والمنظومة البيئية البحرية. فبخفَّة لا تضاهى، يجري الإستهتار بضرورات الحفاظ على الشواطىء وحماية البيئة البحرية من التلوُّث والتخريب. كل شيء يصبح مقبولا لتغطية صفقات ردم البحر، ووضع اليد على الأملاك البحرية العامة.
لا يخجل كتبة الرد – الفضيحة من إساءة استخدام تعابير علمية، للإيحاء بأنه ردٌّ يرتكز على حقائق العلم، وذلك باستعمال التعابير العلمية استعمالا تضليليا مكشوفا، لا يمر حتى على المبتدئين في التعاطي مع الشأن البيئي وحماية البيئة. على سبيل المثال، “فنيا يمكن إنشاء المطامر الصحية بمحاذاة الشاطىء شرط تطبيق المواصفات البيئية التي تمنع تلوث البحر”. فهل ما يتم إنشاؤه هو “مطامر صحية على الشاطىء” أم هو ردم للبحر بكامل أوصافه وعدته؟ وهل دفاتر شروط “مجلس الإنماء والإعمار” وضعت الشروط البيئية التي تتحدث عنها وزارة التخلِّي عن دورها وصلاحياتها وواجباتها لصالح حفنة من أجراء، ومسهِّلي الصفقات المريبة على حساب بيئة لبنان وصحة أبنائه؟
كان من صالح بيئة لبنان وصحة شعبه أن يُعقدَ لسان وزارة البيئة قبل الإدلاء بمثل هذه التصاريح والمواقف والردود!

Pin It on Pinterest

Share This