يوم السابع والعشرين من الشهر الفائت، أنهى الإجتماع الثاني لجمعية الأمم المتحدة للبيئة UNEA 2 أعماله في نيروبي بحصيلة التصديق على 25 قرار، من أصل 26 مشروع قرار، تغطي تنوعا واسعا من القضايا البيئية العالمية، طرحت عليه في جلسته الأخيرة.
كُتب الكثير عن هذا الإجتماع الهام، وتناولته أقلام التحليل والتقييم في كافة أنحاء العالم، وبدأت تتشكَّل أكثرية واسعة تعتبره واحدا من أكثر اجتماعات الأمم المتحدة سوءاً للتنظيم، وابتعاداً عن ملامسة جوهر القضايا البيئية التي تشغل العالم، وتهدِّد الكرة الأرضية وشعوبها بكبير المخاطر.
حوالي 2000 مندوب جاءوا من أكثر من 160 بلدا، ويمثلون حكومات وقطاعا خاصا ومنظمات دولية ومنظمات غير حكومية ذات منفعة عامة. إن اتساع هذا الإجتماع وسوء تنظيمه وضعف ترتيباته التنظيمية والإجرائية، والتقاليد البدائية لمشاركة الأطراف المعنية، من حكومية وغير حكومية، من قطاع خاص ومنظمات المجتمع المدني، جعلت من هذا اللقاء تمرينا صعبا على المنظمات غير الحكومية التي لا تبغي الربح، والتي تمثِّل المنفعة العامة للمجتمعات على مستوى بلدان العالم.
طغى على أعمال هذا الاجتماع التمسك بالشكليات والمظاهر، و”أبَّهة” لقاءات “المستوى الرفيع”. فمن “مستوى رفيع” للحوارات، إلى “مستوى رفيع” لأحداث الجلسات العامة، إلى “مستوى رفيع” لحلقات النقاش. وطغى “المستوى الرفيع” على كل شيء، حتى أصبح الإجتماع بحاجة إلى تنظيم نشاط ما على “مستوى متدنٍّ” كي يحمل حقائق ووقائع العالم الخارجي إلى داخل أعمال الإجتماع.
كان الإجتماع “مغتربا” إلى حد كبير عن حقيقة المسائل البيئية في عالمنا المعاصر، وكان أيضا مغيِّبا لواقع التحديات البيئية في متاهات شكليات الأروقة، والضغوط وهيمنة حفنة من الدول على توجُّهات الاجتماع بمجمله. وأخطر ما كان عليه هذا الاجتماع، ما ظهر في جلسته الأخيرة، أنه ألعوبة في يد أميركا، موضوعا ومسارا وإجراءات.
26 مشروع قرار طرحت على الإجتماع للتفاوض والتصديق. فالإجتماع الثاني لجمعية الأمم المتحدة للبيئة صدَّق عليها باستثناء واحد فقط، يتعلق بالوضع البيئي في قطاع غزة. هذا القرار المتلعق بغزة طرحه المغرب، مدعوما من الجامعة العربية، ولكنه ووجه برفض قاطع من قبل الولايات المتحدة الأميركية وكندا وإسرائيل.
دخل الإتحاد الأوروبي على خطِّ البحث عن مخرج وسطي، وطالب بتعديل العديد من الفقرات والجمل في نص مشروع القرار العربي. فما كان من المغرب إلا أن سحب مشروع القرار هذا واستبدله بنص آخر من 5 فقرات، حظيت برعاية مجموعة الـ77 والصين.
تطلب الصيغة “الجديدة” لمشروع القرار، بكل بساطة من برنامج الأممم المتحدة للبيئة UNEP، إعداد دراسة “تقييم ميداني للآثار البيئية” field based assessment of the environmental impacts في قطاع غزة. مرة جديدة تعارض الولايات المتحدة الأميركية وكندا وإسرائيل مشروع القرار الجديد هذا. وطالبت الولايات المتحدة الأميركية إجراء تصويت على ما إذا كان ممكنا أن يحصل تصويت من حيث الأساس على الموضوع، أي إجراء تصويت على التصويت! نعم إجراء تصويت على التصويت… هذه هي الولايات المتحدة وديموقراطيتها وإنسانيتها واحترامها لحقوق الشعوب والبلدان والحكومات والدول. إنها “البلطجة” بكل معانيها تمارس في اجتماع للأمم المتحدة للبيئة تشارك فيه 160 حكومة دولة مستقلة وذات سيادة.

هذا ما فجَّر الإجتماع وانفرطت الجلسة

 

في الساعة الأولى من فجر يوم السبت 28 أيار (مايو) تم التصويت الذي دعت إليه الولايات لمتحدة، فكانت النتيجة 36 صوتا مع، و4 ضد، و35 ممتنع. إلا أن السكرتارية قالت أن قواعد الإجراءات تتطلب 97 دولة ليكون هناك نصاب قانوني، إذن التصويت ملغى.
بعد ذلك بقليل، استدركت السكرتارية أن هناك خطأ قد حصل، وأن التصويت مقبول ومستمر. فإذا بالولايات المتحدة الأميركية تحتج بقوة وتدعو إلى تعليق الجلسة.
في الساعة الثانية والنصف من فجر يوم السبت ذاته، تابعت الجلسة أعمالها، وتمت مناداة الدول بأسمائها للتأكد من وجود نصاب قانوني للجلسة. كان هناك 78 دولة حاضرة، هذا العدد كاف لافتتاح الجلسة، ثلث العدد مطلوب ليكون افتتاح الجلسة قانونيا، ولكنه غير كاف لإجراء عملية تصويت، حيث النصاب المطلوب للتصويت هو نصف عدد الدول المشاركة بالاجتماع، أي نصف 193 دولة ضروريا لنصاب التصويت، أي 96.5 أو 96 – 97 دولة.
انطلقت الجلسة، قامت مصر وباكستان وسوريا للتأكيد أنه لا يمكن أن يتم تصويت في هذه الجلسة، بسبب عدم وجود نصاب قانوني للتصويت. عدد الحضور 78 دولة في حين نصاب التصويت هو 96 -97 دولة، وهذا يعني أن كل القرارات الـ 25، التي تم التصويت عليها هي باطلة، باعتبار أنه لم يتم تعداد الأصوات التي حصلت عليها. وأخيرا، إنتهت الأمور على التصديق على القرارات الـ 25، ورفض القرار المتعلق بغزَّة في الجلسة نفسها.
كان جليَّا لكل الدول المشاركة أن الولايات المتحدة وكندا وإسرائيل قادوا عملية تعطيل التصويت على قرار غزَّة، وتمرير التصويت على القرارات الأخرى دون نصاب قانوني.
الإجتماع الثاني لجمعية الأمم المتحدة للبيئة UNEA 2 هو أيضا مزرعة لراعي البقر الأميركي، يمارس فيه معاييره الساقطة حيال القواعد والإجراءات والقوانين والنصاب القانوني بصلافة ووقاحة، أمام نظر وسمع كل حكومات وشعوب العالم.
لم يصدر بعد أي بيان استهجان أو استنكار أو رفض من الجامعة العربية صاحبة مشروع القرار وراعيته.
غزَّة… وفلسطين… شوكة في حلق أميركا وكل ملحقاتها.
عالم محكوم من رعاة البقر (الكاوبوي) لن يتمكن حتما من إدارة مشاكله ومسائله البيئية المهدِّدة للحياة على كوكبنا.

Pin It on Pinterest

Share This