لا زلنا نشهد ضعفا في تطبيق المرسوم رقم 13389 تاريخ 30/9/2004، بشأن تحديد أنواع نفايات المؤسسات الصحية وكيفية تصريفها (تعديل المرسوم 8006 تاريخ 11/6/2002)، على الرغم من مرور عقد ونيف على صدوره، وعلى الرغم من المخاطر الكبيرة التي تهدد البيئة والصحة العامة من سوء إدارة النفايات الطبية الخطرة، المعدية منها وغير المعدية.
نشهد نجاحا جزئيا، وغير شامل كل المؤسسات الطبية والرعاية الصحية من مستشفيات ومراكز طبية ومستوصفات وعيادات ومختبرات وصيدليات وعيادات طب أسنان وعيادات طب بيطري، في ما يتعلق بتعقيم قسم من النفايات الخطرة المعدية، بطرق مقبولة، في أقسام خاصة في بعض المستشفيات، أو في منشآت متخصصة تتعاقد معها بعض المستشفيات الأخرى. ولكن هذا النجاح لا يطاول جميع هذه المؤسسات، وبالتالي لا زلنا نعاني من رمي هذه الأنواع الخاصة من النفايات مع سيل النفايات غير الخطرة، المتولِّدة في المنازل والمؤسَّسات التجارية والخدمية الأخرى.
يقوم العديد من المؤسسات الصحية بتشغيل محارق غير مُرخَّصة، وغير مُجهَّزة بوسائل مكافحة التلوُّث والحدِّ منه، وغير خاضعة للرقابة الجدِّية من أي جهة كانت، لا وزارة البيئة ولا وزارة الصحة، ولا البلديَّات المعنية. ويلجأ البعض الآخر إلى رمي نفاياته الخطرة المعدية وغير المعدية مع سيل النفايات غير الخطرة الأخرى، مما يهدِّد واقعيا سلامة البيئة والصحة العامة بأكبر المخاطر.
وإذا كان التعقيم، على مستوى بعض المستشفيات، أو على مستوى المنشأة الخاصة التي تعنى بجمع النفايات المعدية وتعقيمها، يتم بشكل مقبول نسبيَّا، لكنه يحتاج إلى أن يصبح شاملا وفعالا ومراقبا بشكل أفضل، وأن تأخذ وزارتا البيئة والصحة هذا الموضوع على محمل الجدّ وبمسؤولية عالية، خصوصا وأن معالجة النفايات الخطرة غير المعدية لا تزال تطرح إشكالات بيئية وصحية عالية الخطورة.
وفق المرسوم المذكور آنفا، تشمل نفايات المؤسَّسات الصحية، التي تحتاج إلى طرق خاصة للإدارة، الأدوية منتهية الصلاحية، الأعضاء غير المميَّزة والأجزاء التشريحية، الحيوانات المستعملة في التجارب، والأدوية والمستحضرات المستعملة في العلاج النفسي. يتضمَّن الملحق رقم 2 من المرسوم لائحة بالنفايات الخطرة غير المعدية.
يذكر الفصل الخامس من المرسوم طرق ووسائل المعالجة والتخلُّص من هذه النفايات التي “تحتاج إلى عملية خاصة للتخلص منها، وذلك في منشآت متخصِّصة بالترميد (أي محارق)، أو في مطامر صحية، أو باستعمال تقنيَّات بديلة تثبت فعاليَّتها لمعالجة هذا النوع من النفايات، على أن تكون هذه المنشآت مرخصة من وزارة البيئة”.
يمكننا الجزم أن كلَّ المحارق العاملة التابعة لبعض المستشفيات هي غير مرخَّصة، وهي غير مجهَّزة بأي من تجهيزات مكافحة التلوث، ومعالجة الانبعاثات قبل انطلاقها في الهواء الجوي للمدن والبلدات، وكذلك لا تقوم بأي معالجة للرماد قبل التخلص منه، وكل هذه العمليات لا تخضع، حتى تاريخه، لأي مراقبة أو رصد أو متابعة من قبل وزارتي البيئة والصحة أو من البلديات المعنية.
نحن ندعو إلى وقف العمل بهذه المحارق فورا، ليس فقط لعدم شرعيَّتها القانونية، بل لأنها تشكِّل مصدرا عالي الخطورة للتلوث، وتطرح تهديدات عالية الجدِّية للبيئة والصحَّة العامَّة، وتساهم بشكل كبير في إرتفاع نسب الإصابة بالأمراض المزمنة والخطيرة والمميتة.
يشهد العالم المعاصر ميلا شديد الوضوح والجدية إلى وقف العمل بالتقنيات التقليدية الملوِّثة وعالية الكلفة مثل المحارق، واعتماد تقنيات بديلة ضعيفة الأثر على البيئة والصحة العامة، وتجاري التقنيات القديمة الملوِّثة لناحية الكلفة، بل تنافسها، وتثبت التجارب أنها عالية الفعالية في معالجة النفايات الطبية الخطرة وغير المعدية.
يمكن أولا، اعتماد نظام من الإدارة والتنظيم للتقليل قدر الإمكان من كمية هذا النوع، المتولدة في مؤسسات الرعاية الصحية على تنوعها واختلافها، ولا سيما الصيدليات والمستشفيات ومخازن توزيع الأدوية، في ما يتعلق بالأدوية منتهية الصلاحية والأدوية المضادة للسرطان وغيرها من المستحضرات الطبية.
هناك خيارات عديدة للمعالجة والتخلُّص النهائي قابلة للتطبيق في مختلف الحالات.
كميات محدودة من مواد كيميائية رخيصة الثمن بإمكانها أن تعدِّل وتفكِّك كيميائيا الأدوية الخاصَّة، ولا سيَّما أدوية المعالجة الكيميائية للأمراض السرطانية. كثير من هذه المواد والمركَّبات الكيميائية المستعملة لهذه الغاية مدرج في لوائح ملحقات الدلائل التوجيهية لمنظمة الصحة العالمية حول الإدارة السليمة لنفايات المؤسسات الرعاية الصحية (الكتاب الأزرق).
لطالما ما نصحت “منظمة الصحة العالمية” للتعامل مع حالات طارئة، تستلزم التخلص من كميات من الأدوية منتهية الصلاحية، باعتماد عمليَّات تحويلها إلى مواد خاملة، وتغليفها والتخلص منها في مطامر صحية. يتم تحويل الأدوية لمواد خاملة وتغليفها من خلال تحريرها وخلطها بإسمنت سائل في براميل تغلق وتطمر في مطامر صحية. هذه العملية سهلة وسريعة وقليلة الكلفة.
ظهرت حديثا تقنيَّة فعَّالة جدا، يكثر الحديث عنها في الأوساط المعنية بمعالجة النفايات الطبية الخطرة وغير المعدية والتخلص منها في العالم، هي تقنية “التحلُّل المائي القلوي” Alkaline hydrolysis. هذه التقنية قادرة على تكسير وتدمير الأنسجة الحيوانية، وقتل الأجسام الدقيقة المُمْرِضَة، بما فيها البريونات prions، وتفكِّك الكيماويات الخطرة، بما فيها الفورم آلديهايد Formaldehyde والأدوية المضادَّة للسرطان. هذه التقنية أقل كلفة بكثير من الحرق المراقب، أي الحرق المجهَّز بتجهيزات مكافحة التلوُّث.
يتم تسويق هذه التقنية في شكل مفاعِل لهضم وتفكيك الأنسجة البشرية والحيوانية، وكذلك جثث الحيوانات النافقة أو المستعملة في المختبرات، ويستعمل أيضا لأهداف أخرى. وهناك وحدات متفاوتة القدرة الإستيعابية من 10 إلى 15 كلغ إلى 4500 كلغ في الدفعة الواحدة.
في هذا الهاضم Digester، يتم معالجة النفايات الطبية الخطرة وغير المعدية بتفاعلها مع محاليل مركَّزة من هيدروكسيد الصوديوم أو البوتاسيوم Sodium or potassium hydroxide، على حرارة 110 – 130 درجة مئوية، لمدة 3-8 ساعات حسب منظومة التفاعل المستعملة والضغط المستعمل في العمليات.
بعض وحدات “التحلَّل المائي القلوي” يتولد عنها بقايا صلبة خاملة يتم التخلص منها في المطامر الصحية، وبعضها الآخر يتولد عنها بقايا سائلة عالية المحتوى العضوي، وعالية الإس الهيدروجيني pH (وسط قلوي)، يمكن التخلص منها في المجاري الصحية بعد تعديلها أو تخفيفها بكميات إضافية من الماء.
هذه التقنية ومنظوماتها بكل القياسات والقدرات سهلة التطبيق، ومعقولة الكلفة وآمنة بيئيا وصحيا، وهي تقنية بديلة عن الحرق والطمر دون معالجة، أثبتت فعاليتها لمعالجة النفايات الطبية الخطرة وغير المعدية. تحتاج منظوماتها ، بالطبع، إلى ترخيص من وزارة البيئة وفق القوانين والمراسيم والتشريعات مرعيَّة الإجراء.

Pin It on Pinterest

Share This