لن نخوض في الأرقام المتعلِّقة بنتائج الإنتخابات البلدية في الجنوب اللبناني (محافظتي الجنوب والنبطية) بدقَّتها النهائية، بل بدلالاتها المحتملة على المستويات السياسية والتنموية وممارسة السلطة المحلية.
يدلُّ التحليل الأولي على مجموعة من الإستنتاجات الهامَّة، نستعرضها تحت عنوانين أساسيين:
العنوان الأول: إن الإنتخابات البلدية ليست استفتاء على الخيارات الاستراتيجية لأهل الجنوب، ولا سيَّما منها المقاومة، وسياسات المواجهة ضد الإحتلال والخطر الصهيوني، وضد الإرهاب التكفيري في لبنان وسوريا والمنطقة برمتها. ولو نظِّم استفتاء على هذه الخيارات لكان حصد إجماعا بنسبة تفوق الـ 99.99 بالمئة من أصوات الجنوبيين.
العنوان الثاني: الإنتخابات البلدية هي منافسة على حسن إدارة المجالس البلدية وممارستها للسلطة، وعلى برامج التنمية والشفافية ومكافحة الفساد والمحاسبة.
وبناء على هذه الرؤية، يتم اعتبار كل التصريحات، بغضِّ النظر عن أصحابها، التي اعتبرت نتائج الانتخابات البلدية، وفوز لوائح التوافق بين حزب الله وحركة أمل، فوزاً لنهج المقاومة، تصريحات خارج السياق الموضوعي للأمور. على حدِّ علمنا أنه لم يكن هناك أحد، من الذين شاركوا بالترشُّح والمنافسة البلدية أو الإختيارية، على موقف معادٍ للمقاومة، أو للخيارات الاستراتيجية الكبرى.
على كل من يتصدى لقراءة هذه الإنتخابات ونتائجها أن لا ينزلق إلى استنتاجات تتعلق بهذا الأمر. فلا الفوز هو تأكيد على خيار المقاومة، المؤكد موضوعيا عند كل الجنوبيين دون استثناء، ولا الإختراقات التي حصلت في بعض القرى والبلدات هي مؤشر على تراجع هذا الخيار بالتأكيد. نحن نعتقد أن خيار المقاومة لم يكن موضوع اختبار في هذه الانتخابات البلدية والاختيارية، مهما علا ضجيج الأصوات التي تقول بذلك.
إذن على ماذا كان التنافس؟
ملاحظات عدة وإشارات يمكنها أن تدلَّنا على الإجابة الموضوعية عن هذا السؤال.
لا شك أن حزب الله وحركة أمل يتفقان على الخيارات الاستراتيجية الكبرى، كما كل القوى والأحزاب الوطنية والقومية الأخرى، وكذلك القوى الديموقراطية واليسارية والمدنية، ولا سيما منها الحزب الشيوعي اللبناني والقوى الديموقراطية واليسارية الأخرى. فهذه القوى هي قوى مقاومة بالهويَّة والطبيعة. فهي مارست المقاومة، ولا تزال تعتبر المقاومة هوية تحدِّد طبيعتها الوطنية والقومية والاجتماعية والسياسية. ولكن هل تحمل هذه القوى رؤية مشتركة عن عمل مجالس البلدية؟ وهل هي تشترك في رؤية ممارسة السلطة البلدية وتحقيق التنمية المحلية؟
دون عناء، يمكننا الإجابة بالنفي، على ضوء التقييم الموضوعي لتجربة المجالس البلدية لعهدين متتاليين لتوافق حزب الله وحركة أمل في كل قرى وبلدات ومدن الجنوب والنبطية.
إن التقييم الموضوعي لهذه التجربة سيوصلنا إلى نجاح نسبي في العديد من المناطق، وإلى فشل في بعض الحلقات الأساسية لبرامج التنمية، ولا سيما تلك المتعلقة بالأبعاد البيئية والخدمية، مثل شأن الإدارة السليمة للنفايات، وتأمين الكهرباء برفع الإرتهان لتسلُّط أصحاب المولِّدات، وتوفير المياه بشكل عادل، وخصوصا في أشهر الصيف، بالإضافة إلى شؤون تنظيم السير، وخدمات صيانة الطرق، والتوسع العمراني، والتنظيم المدني، والمساحات الخضراء والحرجية، ومتابعة مسائل الرعاية الصحية والتربوية.
ومن جهة أخرى، النظر في مدى شفافية عمل المجالس البلدية والمشاركة الشعبية بالمراقبة، ولا سيما في ما يتعلق بالشؤون المالية، والصرف، ومكافحة الفساد، وعقد الصفقات المشبوهة في تنفيذ المشاريع.
من الطبيعي أن يطرح السؤال دائما حول القدرات التي يتمتع بها الأعضاء المختارون للمجالس البلدية، وما هي المعايير التي تعتمدها القوى في اختيار الأفراد لهذه المجالس، التي تقدِّمها لتمارس السلطة المحلية لمدة 6 سنوات.
في كثير من المدن والبلدات والقرى كانت قوى المجتمع المدني، من جمعيات ومنظمات وكوادر، على تعاون وثيق مع المجالس البلدية في كثير من محطات العمل التنموي والبيئي والخدمي، ولكنها صُدِمت بإدارة الظهر لها، والتنكُّر لحقِّها بالمشاركة مع قدوم استحقاق الإنتخابات البلدية.
القوى المستقلة، والعائلات في بعض القرى والبلدات، وكذلك القوى الديموقراطية والوطنية واليسارية، بما فيها الحزب الشيوعي اللبناني، متحالفة في بعض الأماكن، ومتعاونة في أماكن أخرى، خاضت المنافسة تعبيرا عن رغبتها في تحسين التمثيل الشعبي في المجالس البلدية، وفي المشاركة في إدارة السلطات المحلية، لدفع حركة التنمية البيئية والخدمية إلى الأمام، ولتعزيز المراقبة على الفساد، والحدِّ من مظاهره المعيقة في بعض المفاصل والمحطات. ومن جهة أخرى لتمارس حقَّها الديموقراطي في المشاركة، وتعبيرا عن اعتراضها على آليات تشكيل اللوائح والمحاصصة، وعلى تحفُّظها على آليات اختيار الأفراد، والمعايير المعتمدة في هذا الإختيار.
إن قراءة لنتائج الإنتخابات، بدلالاتها العامة، تشير إلى حضور جدي للقوى المستقلة واليسارية والعائلات، المنافسة للوائح توافق حزب الله وحركة أمل، وصل في بعض المواقع إلى تحقيق إختراقات، وفي كثير من المواقع الأخرى حققت هذه القوى نسبا لا بأس بها من أصوات الناخبين، تراوحت بين 25 و40 بالمئة تقريبا. وهذا يدل على أن هذه القوى هي شريك حقيقي بالتنمية المحلية. ولو كانت الإنتخابات تخاض على أساس الإقتراع النسبي لكنا رأينا مجالس بلدية حاضرة فيها هذه القوى بقوة وفعالية، على امتداد محافظتي الجنوب والنبطية.
إن الإنتخابات البلدية والإختيارية هي منافسة ديموقراطية بحثا عن الأفضل، يتعلق مضمونها السياسي بالتفرُّد بالسلطة البلدية، والفشل وإعاقة التنمية والفساد.
مهما كانت المواقف قبل وخلال الإنتخابات، للمجالس البلدية الفائزة كل التهنئة، والتمنِّيات بالنجاح لتحقيق التنمية الشاملة والمتكاملة والمستدامة، في ظل أوسع مشاركة وتعاون ومراقبة وشفافية، لما فيه تقدُّم قرانا وبلداتنا ومدننا، ومكافحة الفساد ومحاسبة مرتكبيه.

Pin It on Pinterest

Share This