منذ بداية الأزمة في 17 تموز (يوليو) 2015، وتراكم مئات آلاف الأطنان من النفايات في شوارع العاصمة بيروت، وكثيرٍ من المدن والقرى والمناطق اللبنانية، واستحداث مئات المكبَّات العشوائية في باحات العاصمة ومحيطها وضواحيها، وعلى الشواطىء وفي الوديان والهضاب، وخلف الجدران وتحت الجسور، تحوَّل ملف النفايات في لبنان إلى نموذج لفشل الحكومة وإفلاسها السياسي والإداري والاستراتيجي. وكذلك أيضا إلى ملف نموذجي للفساد المتفشي في كل مستويات السلطة، ولسوء الإدارة، وهيمنة الصفقات على كامل العقل المدبِّر فيها. واستحال هذا الملف كذلك نموذجا لصفاقة أطراف السلطة في ممارستهم للصفقات المفضوحة، دون خجل أو وجل، وبجرأة لم يسبق لها مثيل في تاريخ لبنان الحديث. وظهر ذلك بجلاء كبير في كل الفصول التي مرَّت بها هذه الأزمة، منذ ذلك التاريخ وحتى الآن.
من تجاهل السلطة لتراكم النفايات في الشوارع وعجزها عن التعامل السليم مع هذه الحلقة من الأزمة، إلى الخطة المرتجلة لفتح مطامر في أقاصي البلاد وفي مواقع غير مدروسة، ومختارة بعشوائية وجهل، مرورا بحلقة الترحيل، الصفقة – الفضيحة المدوِّية، وصولا إلى حلقة المطامر الشاطئية المقرونة بصفقات ردم البحر، فإن الجديد الذي نلاحظه مع تقدُّم هذه المرحلة الأخيرة من الأزمة – الفضيحة المستمرَّة، مؤشِّرين خطيرين، الأول، يتجسد بدرجة متقدمة من الوقاحة في ترويض دفاتر الشروط لكي تتلاءم مع شركات معروفة بانتمائها لزعامات وكتل سياسية من أطراف السلطة، الثاني، وهو ما يظهر جليا مؤخرا من انخراط كامل أطراف السلطة في لعبة الصفقات المرتبطة بملف النفايات، حيث انضمَّت إلى من سبقها كتلٌ وتيارات لم تكن قد انخرطت بعد، بهذا الوضوح والنشاط، في لعبة توزيع الحصص في ملفِّ صفقات النفايات.
هذا ما برز مع ما يرافق التطورات الأخيرة لهذا الملف من دفاتر شروط مفصَّلة على القياس، ومن هويَّة الشركات المشاركة في المناقصات، وولاءاتها السياسية التي أصبحت معروفة. وانتقلت اللعبة من توافقات تحت الطاولة إلى اقتسام للجبنة فوق الطاولة، على طريقة توزيع “المافيا الإيطالية” لمناطق النفوذ بين أطرافها وأجنحتها المتنافسة.
يظهر أننا بتنا في مرحلة من تطوِّر حلقات ملف النفايات، تتميز بالتركيز على اقتسام الحصص، على حساب المواصفات النوعيَّة لتنفيذ المطامر. فلا شروط ولا مواصفات تتعلق بالإنشاءات وسلامتها واكتمال مكوِّناتها، ولا همَّ إن كانت المطامر ستكون غير محميَّة بالعوازل الكافية لدرء المخاطر عن الأوساط المائية المحيطة بها، ولا سيما البحر والمنظومة البيئية البحرية. ولا همَّ إن كانت هذه المواقع، المسمَّاة زوراً “مطامر صحية”، غير مجهزة بنظام لجمع العصارة، المعروفة بخصائصها الملوِّثة، والتي تحتاج إلى الخضوع لعمليات معالجة كيميائية وفيزيائية وبيولوجية، قبل التخلص منها في عناصر المحيط، البرية منها والمائية والبحرية، ولا هي أيضا مجهزة بنظام لجمع البيوغاز الغني بالميثان الذي سيتكوَّن في المطمر، وإدارة هذه الغازات والإستفادة منها في توليد الطاقة، بدل تركها تنبعث لتلوِّث الهواء الجوِّي، وتهدِّد المناطق المحيطة بأكبر المخاطر الصحية وغير الصحية لناحية الأمان والسلامة.
يظهر بشكل فاقع أن همَّ المناقصات الأولي هو مشروع ردم البحر وليس الإدارة السليمة للنفايات. فيتقدم السلسول ومشروع الردم على المطمر واكتمال منشآته ومكوِّناته وأنظمته. بتنا أمام حكومةٍ يكون اهتمامها الأول هو ردم البحر في الكوستابرافا وبرج حمود والجديدة، ويأتي موضوع نقل النفايات من الشوارع إلى مواقع الردم حلقة ثانوية في هذا المشروع، وليس المشروع نفسه.
لا هم للحكومة إن عادت النفايات إلى الشوارع من جديد بعد استحقاق موعد إقفال مطمر الناعمة. مرة جديدة تثبت الحكومة لشعبها أنها تتخبَّط في مخطَّطات لا تعالج أزمة النفايات، بل تنتقل بالأزمة من حلقة إلى حلقة، مع تحقيق تصاعد في وتيرة الصفقات وكلفتها الباهظة على المال العام، وعلى بيئة لبنان وصحة أبنائه.
لا همَّ لحكومة الصفقات إن تكاثر تحليق الطيور الجارحة فوق موقع الكوستابرافا، الملاصق لمطار “رفيق الحريري الدولي”، مهدِّداً سلامة وأمن الطيران المدني بمخاطر حقيقية. بتنا نشهد في الأيام الأخيرة تجمُّع هذه الطيور في المنطقة. إن هذه الظاهرة مرشحة للتفاقم مع تقدم الأعمال في هذا المكبِّ العشوائي المُمَوَّه في الكوستابرافا، وتتزايد مع ذلك المخاطر على أمن وسلامة المطار.
يطمئنُّ أطراف السلطة، المسؤولون مباشرة عن اعتماد هذه المواقع الشاطئية مواقع لطمر النفايات وردم البحر، إلى أن استخدامها سيكون محدوداً لأربع سنوات فقط، ينتقلون بعدها لإنشاء المحارق في هذه المواقع نفسها، بعد أن يكونوا قد امتصُّوا احتجاجات الأهالي في تلك المناطق، وعطَّلوا تأثيرها الإعتراضي. ولكنهم يتجاهلون أن ملايين الأطنان من النفايات سيتم تجميعها في هذه المواقع بطريقة غير آمنة بيئيا وصحيا ولناحية الأمن والسلامة، خصوصا حيال حركة الطيران في أجواء بيروت إقلاعاً وهبوطاً، بالإضافة إلى إحداث تلويثٍ خطير للمنظومة البيئية البحرية، وتدمير الشاطىء واستعمالاته الترفيهية والسياحية، وتدمير موائل الأحياء والتنوع البيولوجي لشواطىء لبنان، وتهجير ما تبقى من أحياء فيها.
إنَّها السُّلطة، موحًّدة، متآلفة، متوافقة، متحالفة بكل أطرافها على نهب مال البلد، والعَبَثِ بمقدَّراته البيئية وموارده الطبيعية، ومهدِّدة أمنه البيئي والصحي وسلامته بأكبر المخاطر.

Pin It on Pinterest

Share This