لم يعد التغير المناخي وأحداثه المدمرة، وآثاره الضارة والسلبية على حياة واقتصاد وصحة كل شعوب العالم توقُّعات فحسب، وإنما وقائع مُعاشة تتكرَّر سنويا في مختلف بقاع الأرض، واتفاقية باريس التي وقعت في الأيام الأخيرة الماضية، وإن لم تكن صارمة في إلزاميَّتها، فهي بدون شك تتمتع بالقوة الكافية، المبنيَّة على اعتراف الجميع النهائي بعلمية الأسباب البشرية لتغير المناخ، والإجماع المنعقد حول تقدير مخاطره الحالية والمستقبلية، هذه الإتفاقية ترسم بوضوح مستقبل الإتجاهات العالمية لاستراتيجيات الإقتصاد والمال والسياسة والمجتمع.
تشير آخر الأخبار الآتية من المملكة العربية السعودية، أن الشركة العربية السعودية للبترول “آرامكو”، وهي أكبر مصدِّر للنفط في العالم، سوف تستمر بالتوسُّع تلبية لطلب المستهلكين المتزايد في العالم. وسوف تزيد قدرة حقل “الشُّعيبة” في صحراء الربع الخالي بحوالي الثلث، لتصل إلى مليون برميل يوميا في الأسبوعين القادمين. وسوف تضاعف إنتاج الغاز الطبيعي خلال العقدين القادمين، وهي تبحث عن شركاء لها في الولايات المتحدة الأميركية والصين وإندونيسيا والهند وفيتنام وجنوب إفريقيا.
وتهدف الخطط الجديدة الموضوعة أيضا إلى زيادة قدرة التكرير إلى 10 مليون برميل يوميا. وتقوم “آرامكو” بشراكة بتروكيميائية مع الولايات المتحد الأميركية واليابان والصين وكوريا الجنوبية لتوسيع قدرة التكرير بنسبة 1.2 مليون برميل يوميا هذه السنة.
ترتكز هذه الاستراتيجية على معطيات مؤدَّاها تزايد الطلب على البترول في العالم، ولا سيَّما في الهند والصين والولايات المتحدة الأميركية، وكذلك في مناطق أخرى من العالم.
وفي المقابل، تتحدث تحليلات كبريات الصحف العالمية، ولا سيما “التلغراف” البريطانية، عن أن تغيُّر المناخ سوف يضع الإستثمارات في إنتاج النفط أمام تهديدات ومخاطر كبيرة.
على المستثمرين أن لا يتجاهلوا حقيقة أن تغير المناخ سوف يكون له تأثير مباشر على تعريض استثماراتهم للخطر، وأن هذه الإستثمارات الكبيرة عليها أن تأخذ بالحسبان التطورات والتغيرات طويلة المدى. وهنا يبرز في طليعتها تغير المناخ وأحداثه الكوكبية كعامل هام في التأثير الكبير على مصير الاستثمارات في العالم وعلى مدى نجاحها.
إن تغير المناخ، والميل العالمي لتخفيض انبعاثات غازات الدفيئة (المسببة للإحتباس الحراري وتغير المناخ)، ولا سيما غاز ثاني أوكسيد الكربون المنبعث من احتراق المشتقات النفطية والوقود الاحفوري، سوف يؤثر بقوة على شركات الطاقة ويعرِّض استثماراتها لكبير المخاطر.
بدأ فعلا إنحسار قطاع الأعمال في مجالي النفط والغاز وتخفيف الإستثمارات فيه، فالكنيسة البريطانية باعت ممتلكاتها في الشركات التي تؤثر سلبا على البيئة، والتغيرات الحاصلة والمتوقعة في التشريعات والأنظمة تشكل التهديد الأكبر لكثير من الاستثمارات المعرَّضة للمخاطر في قطاع صناعة النفط والغاز.
في إطار اتفاقية باريس لتغير المناخ، وضع كثير من الدول تعهُّدات بتخفيض انبعاثاتها من ثاني أوكسيد الكربون. الإتحاد الأوروبي تعهد بخفض هذه الإنبعاثات بنسبة 40 بالمئة بالمقارنة مع ما كانت عليه في العام 1990. وكذلك الولايات المتحدة الأميركية تعهَّدت بتخفيضها بنسبة 26 بالمئة مقارنة مع ما كانت عليه في العام 2005. وكذلك الصين، وهي الأصعب بين كل الدول حيال اتخاذ قرارات التخفيض، قد تعهدت بأن تبدأ بتخفيضها بعد أن تصل إلى ذروتها في العام 2020 القادم.
تقرير جديد أصدرته شركة ميرسير Mercer بشأن تغير المناخ وتأثيره على الإستثمارات العالمية، ويشير بوضوح إلى مكامن الخطر والتهديد في الربح والخسارة. ويتحدث التقرير عن أن تعهدات الدول في اتفاقية باريس للمناخ سوف تؤدي إلى تخفيض استهلاك الوقود الأحفوري بين 18 و74 بالمئة حتى العام 2050، وسوف يكون تأثيره عظيما في العقود القادمة.
يمكن للإستثمارات في قطاع النفط والغاز أن تنخفض أو أن ترتفع، وإنما هناك خطر حقيقي من أن لا يتمكن المستثمِرين من استرداد استثماراتهم، أي أن يحققوا الخسائر بدل الأرباح المنتظرة.

Pin It on Pinterest

Share This