لا هي أول الدنيا ولا هي آخرها، فالإنتخابات البلدية إستحقاق في موعده، تخوضه كل القوى، كلُّ من موقعه في هذه اللحظة السياسية بكل تعقيداتها. هي ليست سهلة على أحد، فالسلطة في لبنان في حالة انهيار، وقواها تبذل جهودا مضنية لرص صفوفها من مواقعها المتناقضة، والمتوحِّدة في الدفاع عن البقاء في السلطة. هذا يقال صراحة على لسان كبارهم وصغارهم، كل يوم تقريبا. ومن جهة أخرى، لم تتشكَّل القوى البديلة بعد في تحالف مرصوص وواضح المعالم لجهة البرنامج وآليات العمل. هي لا تزال تعاني من داء التزاحم. ولكن الصورة ليست قاتمة إلى هذا الحد. إن مشهد ضعف قوى السلطة، وبدء انفضاض الناس عنها، الذي تشير إليه نتائج بيروت الهزيلة تؤكد ذلك. صحيح أن الإنفضاض هذا لا يزال بعد موقفا سلبيا، أي رفض لهذه القوى وتسلطها، على الرغم من البذخ بالمال الإنتخابي، وعلى الرغم من أن علاقة الإرتهان للاقطاع السياسي التاريخية، المتجددة مع قوى السلطة، التي تشكل امتدادا عائليا وسياسيا ومذهبيا وطائفيا له، لا تزال موجودة، وإنما هي في حالة انحسار واضح. وعلى الرغم أيضا من العلاقة الزبائنية الضاربة في تاريخ لبنان الحديث منذ عهد الإنتداب وحتى اليوم، وهي تغذي سلطة تلك القوى في تحكمها بالخدمات والوظيفة العامة والخاصة وكل التقديمات. هذه التقديمات التي تكون في البلدان السَّوِية حقوقا للموطنين، وليست منَّة عليهم من أحد.
إن المقدامين من القوى، التي تطرح نفسها بديلة، يستحقون الإطراء والتهنئة، على الرغم من أنه ينتظرهم وينتظرنا الكثير الكثير من العمل، والعمل، والعمل، والإقتناع بضرورة العمل المشترك وتعلم سلك دروبه.
هذه القوى عليها أن تتدرب على التحالف، ليصبح ممكنا أن تصوغ برنامجا وآليات عمل ديموقراطية كفيلة بتغيير ميزان القوى الشعبي. عندها يصبح ممكنا انتقال الجمهور من الإنفضاض السلبي عن ناهبي خيرات البلد من قوى السلطة، إلى موقف إيجابي مشارك في التحركات الشعبية والمطلبية والسياسية، وصولا للإقتراع في الإستحقاقات الانتخابية، وهذا هو أرقى تعبير سياسي عن إرادة التغيير.
إن قراءة عميقة لما يرافق الإستحقاق البلدي من إرهاصات ونتائح واقعية، تدعو إلى التفاؤل والإستمرار في تراكم الإنجازات الصغيرة والكبيرة. فالتغيير ليس حالة انقلابية مفاجئة، بل هو تبدُّل، وليد تراكمات طويلة في الإتجاه الصحيح.
إن ما تشهده الأسابيع والأيام الأخيرة من مظاهر الضعف الشديد لقوى السلطة مجتمعة، ومظاهر القوة المتنامية للقوى الديموقراطية البديلة، يدعو إلى التفاؤل، فهيَّا إلى العمل، هيَّا إلى العمل.

Pin It on Pinterest

Share This