د. ناجي قديح

تناولنا في المقالة السابقة المطامر والمعايير الواجب أخذها بعين الاعتبار لدى اختيار الموقع، وتقييم سلامة هذا الإختيار من النواحي البيئية، ولناحية السلامة والأمان ودرء الحوادث الطبيعية المسببة للكوارث.
وتناولنا المخاطر المحتملة الناتجة عن تشغيل المطمر على البيئة والصحة العامة، لناحية أهمية معالجة “العصارة” أو “مياه الرشح” قبل التخلص منها في أوساط البيئة المختلفة، تربة ومياه أنهار وبحرا. والمخاطر التي تترتب على رميها دون معالجة، لناحية احتمال تلويث التربة الزراعية والتسرب للمياه الجوفية، أو تلويث الموارد المائية السطحية والمنظومة البيئية البحرية، وهذا ما يتيح المجال لدخولها إلى الشبكة الغذائية للإنسان، وتهديد الصحة العامة والأمان الصحي لعموم السكان، وركزنا على ضرورة المعالجة البيولوجية والفيزيائية والكيميائية لهذه “العصارة”.
نستعرض في هذه المقالة تركيب “العصارة” ونوعية الملوثات العضوية والكيميائية التي تحتويها، وسبل معالجتها المفترضة، وكذلك الطرق الفعالة لمعالجتها قبل رميها.
يختلف تركيب “عصارة” أو “مياه رشح” المطامر، من الناحية النوعية والكمية، عن تركيب مياه الصرف الصحي، فرغم أن مؤشِّرَي التلوث العضوي والكيميائي (الطلب البيولوجي للأوكسجين BOD والطلب الكيميائي للأوكسجين COD) يشكلان قاسما مشتركا بينهما من الناحية النوعية، فإن الإختلاف كبير بينهما من الناحية الكمية، ففي حين يتراوح معدل مؤشر BOD في مياه الصرف الصحي بين 300-400 ملغ/ل (300-400 (mg/l، نجد أن قيمة هذا المؤشر في “عصارة” المطامر تتجاوز الـ 50000 ملغ/ل (50000 mg/l)، أي أعلى بحوالي 140 مرة.
ومن جهة أخرى، يختلف هذا التركيب كثيرا جدا لناحية الإس الهيدروجيني الحمضي (pH)، نظرا لغنى سوائل رشح المطامر (العصارة) بالأحماض العضوية، وكذلك لناحية التراكيز العالية للمعادن الثقيلة والمؤشرات الكيميائية والفيزيوكيميائية الأخرى، علما أن هذه التراكيز تتغير مع فصول السنة وكمية الأمطار.
تتم المعالجة الفعالة للعصارة على ثلاث مراحل متتالية:
-مرحلة ما قبل المعالجة (تحضير العصارة للمعالجة)، وتتضمن عمليات الغربلة والترسيب وتعديل الإس الهيدروجيني (pH).
-مرحلة المعالجة الفيزيائية – الكيميائية، وتهدف إلى نزع المعادن الثقيلة والمواد الصلبة العالقة واللون. يتم ذلك عبر عمليات التعويم أو الترسيب أو الترشيح بالرمل.
-مرحلة المعالجة البيولوجية، وتهدف إلى نزع أو تخفيف حِمْل التلوث العضوي (BOD)، وكذلك نزع الأمُّونيا. ويمكن تحقيق ذلك بعملية تهوية سطحية بضخ الهواء من قعر الخزان.
علينا فحص معدل BOD على COD، فإذا كان هذا المعدل حوالي 0.5، عندها يمكننا معالجة “العصارة” بيولوجيا، أي بالتهوية السطحية أو بضخ الهواء.
إن وجود الكلوريدات والسولفيدات والأمونيا والمعادن يؤثر سلبا على فعالية عمليات المعالجة البيولوجية، ولذلك علينا التحقق من إزالة المعادن والكيماويات من “العصارة” في المرحلة الثانية أو التخفيف الكافي لتراكيزها.
عند تصميم خزان المعالجة البيولوجية بالتهوية، علينا إحتساب حجم الخزان وفق “وقت إحتفاظ” (Retention time) يقدر بحوالي 10 أيام. يكون الخزان بعمق يتراوح بين متر واحد ومتر ونصف المتر.
بعد عملية تعديل الإس الهيدروجيني (pH) وإزالة المعادن يمكننا إرجاع “العصارة” المعالجة لضخها في المطمر، من شأن ذلك أن يساعد على زيادة كمية غاز الميثان المتولِّد عن عمليات الهضم اللاهوائي للمواد العضوية. تلك العملية تتم بسرعة أكبر في وسط معتدل عنها في وسط حمضي، الذي يسود عادة خلايا المطمر.
ما هو مصير “عصارة” مطمر الناعمة على مدى السنوات الماضية وحتى الآن؟ وما هو المصير المتوقع لعصارة المطامر الشاطئية المترافقة بمشاريع ردم البحر على الشواطىء اللبنانية، في الكوستابرافا وبرج حمود والجديدة؟
على مدى سنوات عمل مطمر الناعمة، لم تكن المعالجة الفعالة “للعصارة” تتم بشكل جدي ومتكامل. ففي السنوات الخمس عشر الأولى لتشغيل هذا المطمر، ليس لدينا أية معلومات موثوقة عما إذا كانت العصارة تخضع لأي نوع من المعالجة، وماذا كان مصيرها. أما في الثلاث سنوات الأخيرة أنشئت محطة للمعالجة التمهيدية في المطمر، شملت أحواض ترسيب ومعالجة بالتعويم والتخثر، تنقل بعدها “العصارة” بالصهاريج لترمى في البحر عبر فتحة أنبوب “الغدير” الممتد في البحر لحوالي 1.5 كلم، قرب محطة معالجة مياه الصرف الصحي، التي يقتصر نشاطها الإفتراضي على عملية ما قبل المعالجة Pretreatment activity، وهي على كل حال لا تعمل وفق معلوماتنا.
يمكننا الإستنتاج، أن العصارة كانت تخضع لعمليات أوَّلية للمعالجة، وهي بالتأكيد غير كافية وذات فعالية محدودة، ترمى بعدها في البحر.
ومن جهة أخرى، يمكننا أن نتوقع بثقة كبيرة أن “عصارة” مطامر خطة الحكومة الأخيرة، التي تتقاطع فيها عمليات طمر النفايات مع ردم البحر في المواقع الثلاثة المذكورة، سوف ترمى أو تتسرب مباشرة إلى البحر دون أي معالجة، لا أولية ولا متكاملة، حاملة سمومها البيولوجية والكيميائية إلى مياه البحر على الساحل اللبناني.
وبالتالي، يمكننا التأكيد على أن هذه المطامر، الواقعة على الشواطىء اللبنانية وعلى تماس مباشر مع البحر، سوف تشكل، إضافة إلى كل مخاطرها التدميرية للمنطقة الساحلية، مصدرا كبيرا لتلوث مياه سواحل لبنان. سيؤدي هذا بالتأكيد إلى إحداث إخلالات في توازن المنظومات البيئة البحرية، إضافة إلى كل المخاطر على الثروة السَّمكية والتنوع البيولوجي في هذه المنظومات، بما فيها هجرة أنواع منها عن شواطئنا. وكذلك أيضا، ما يمكن أن تشكله من مخاطر تهدد صحة مستهلكي ثمار البحر، وهم يشكِّلون فئات واسعة من شعبنا اللبناني.

Pin It on Pinterest

Share This