على ما يبدو أن طائر الفينيق يُغتال يومياً  بطريقة  نتف ريشه واحدة تلو الأخرى، فلا يلبث أن يتنفّس اللبنانيون الصعداء من كارثة لتحول مصيبة أخرى دون استكمال النفس.

هو واقع لا نعرف طريق الفرار منه، وبغضّ النظر إن كانت الأحداث مفتعلة أم لا، فإننا لم نستفق بعد من كارثة انفجار قلب بيروت في الرابع من آب كي نشهد على كارثة احتراق أخرى  في المرفأ  حالت القدرة الإلهية وهمّة فوج الإطفاء والدفاع المدني كما الجيش والصليب الأحمر دون وقوع ضحايا.

بعيداً من الدخول في أسباب الإنفجار، السؤال الذي يطرح نفسه بعد تعدد الكوارث المشابهة، ما تأثير الدخان الأسود المتصاعد على البيئة من جهة والصحة البشرية من جهة أخرى؟

الخبير البيئي الدكتور ناجي قديح يشير في حديثه لموقعنا أنه من حيث المبدأ فإن مرفأ بيروت هو للاستيراد والتصدير وليس لتخزين كميات كبيرة من المواد ولا سيما تلك القابلة للإشتعال والإنفجار، وبالتالي فإن حفظ وتخزين هذا النوع من المواد  هو خطأ فادح وعمل غير مسؤول.

اما لناحية احتراق وخصوصاً غير الكامل لما قيل انه عبارة عن زيوت وإدارات مطاطيّة، وهي صناعات بترولية كيميائية ، فهو أمر يؤدي إلى انبعاث أنواع وكميات هائلة جدا من الغازات عالية السمومة على البيئة والصحة البشرية وبشكل عام على العناصر والمنظومات البيئية.

هذه الملوّثات، أهمها وأخطرها ما نسمّيه المركبات المتعددة الحلقات العطرية  والعضوية، إضافة الى الديوكسين والفورام التي هي  مواد عالية السمية والخطورة وتسبّب أمراض مزمنة وسرطانية. إضافة الى لائحة طويلة  من غازات الإحتراق  كأوكسيد الكربون  وأكاسيد النيتروجين وأكاسيد الكبريت وغيرها من الأكاسيد التي تكزن كمياتها كبيرة جداً.

هذا من ناحية تكوّن الغازات الخطرة ،من جهة ثانية ، تحدّث قديح عن الخطر المتأتّي عن وجود كميات كبيرة من الجزيئات الصلبة المتطايرة  التي تتفاوت بأحجامها، وأكثرها خطورة تلك المتناهية الصغر غير المرئيّة بالعين المجرّدة.

في التفاصيل، يشير قديح إلى أن الخطر بهذا  النوع من الحرائق بأن هذه الجزيئات  الصلبة تحمل على سطحها كميّات هائلة من المركّبات المتعدّدة الحلقات العالية السمية. وعندما نتنشقها  تكون حاملة لهذه المركّبات وتصبح خطورتها مزدوجة  لجهة تنشّق تالجزيئات بذاتها ولجهة حملها لمواد خطرة، وعند دخولها عبر الجهاز التنفّسي  الى الجسم تؤدي الى أمراض تنفسيّة وقلب وتسمّمات بشكل عام.

إلى متى  تستمر حالة التلوّث في الجوّ؟

في هذا الإطار، يشير قديح إلى أن الغازات عادة تتشتّت بعد فترة قصيرة ولكن الخصوصية الجغرافية لبيروت كما مساحتها الصغيرة والمحاطة بالجبال العالية، تجعل حركة الرياح – التي من المفترض أن تؤدي إلى تشتّت الملوّثات – ضعيفة، وبالتالي هي حركة دائرية تساهم في تراكم الملوّثات في الجوّ.

فضلاً عن ذلك، لفت قديح النظر إلى أن الغازات والجزيئات لا تبقى في الهواء، فسيحين الوقت غير البعيد لتترسّب إما بفعل الجاذبية وإما بالمطر الذي مع انهماره يوقعها أرضاً، الأمر الذي يؤدي إلى تلوّث  مساحات واسعة من سطح الأرض، ما ينعكس سلباً ليس فقط على الهواء الجوّي بل على التربة والمياه كما النتجات الزراعية وغيرها..

لذلك، شدّد قديح على أن  الحديث عن تأثيرات الكارثة  بعد حصولها غير مفيد فالأهمً أن تتواجد سياسات وقائيّة تحول دون وقوع هذا النوع من الحرائق من خلال احترام شروط التخزين الآمن للمواد الخطرة القابلة للإنفجار أو الإشتعال  وبالتالي احترام شروط السلامة العامة في أماكن بعيدة عن  السكن وليس في عاصمة مكتظة بالسكان. ويعود ذلك الى إهمال كبير ان لم يكن عدم أهلية وعدم شعور بالمسؤولية لدى  المسؤولين.

يبقى الاشارة في النهاية، إلى أن الأشخاص الذين يعانون من أي مشاكل تنفسيّة او قلب أو حساسيّة، من الأفضل إذا توفّر الخيار التوجّه خارج بيروت لمدة يومين او ثلاثة ريثما تكون نسبة التلوّث قد خفّت .

 

Pin It on Pinterest

Share This