أصدرت منظمة “غرينبيس” تقريرها حول تلوّث الهواء من الوقود الأحفوري مسلّطة الضوء على الحلول التي من شأنها أن تحمي صحّتنا وتعود بالفائدة على مجتمعاتنا. يُفيد التقرير بأنّ نحو 4,5 مليون وفاة مبكرة تُعزى إلى تلوّث الهواء الناجم عن حرق الوقود الأحفوري سنويًا حول العالم. ويزيد تلوّث الهواء من الإصابة بالأمراض المزمنة والحادّة كما يؤدّي إلى ملايين الزيارات إلى المستشفيات ومليارات التغيّبات عن العمل بسبب المرض كلّ سنة، ناهيك عن الأضرار التي يُلحقها بالإقتصاد والبيئة.

للمرّة الأولى، قامت منظّمة “غرينبيس” جنوب شرق آسيا ومركز أبحاث الطاقة والهواء النقي بتقدير الكلفة العالميّة لتلوّث الهواء من الوقود الأحفوري، ليتبيَّن أنّها تُقدَّر بـ8 مليارات دولار أميركي في اليوم الواحد، أي 3,3% من إجمالي الناتج المحلّي العالمي. وفيما تُواصِل شركات الفحم والنفط والسيّارات اعتماد التقنيات القديمة، تدفع صحّتنا ومجتمعاتنا الثمن.

وتعكس الكلفة الاقتصادية لتلوّث الهواء تركيزات التلوّث، وحجم السكّان، وتوفّر الرعاية الصحّية وكلفتها. ولقد وجدنا أنَّ الصين والولايات المتّحدة والهند تتكبَّد الكلفة الأعلى من تلوّث الهواء الناجم عن الوقود الأحفوري على صعيد العالم، بمبالغ تُقدَّر بـ900 مليار دولار و600 مليار دولار و150 مليار دولار في السنة، تباعًا. أمّا بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فمصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتّحدة هي البلدان التي تتكبَّد الفاتورة الأعلى من تلوّث الهواء الناجم عن الوقود الأحفوري بقيمة تُقدَّر بـ6,9 مليار دولار، و6 مليار دولار و5,9 مليار دولار في السنة، تباعًا. بلغَت نسبة الكلفة التقديرية لتلوّث الهواء الناجم عن الوقود الأحفوري من إجمالي الناتج المحلّي أعلى معدّلاتها في مصر (%2.8) ولبنان (%2) والبحرين (%1.4) والإمارات العربية المتّحدة (%1.4).

إلى ذلك يُقدّر في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أيضاً عدد الوفيات المبكرة سنويًا بحوالى 65,000 حالة جرّاء تلوّث الهواء الناجم عن الوقود الأحفوري. أما فيما يخص معدل الوفيات المبكرة المقدّرة سنويًا لأسباب تُعزى مباشرة إلى تلوّث الهواء الناجم عن استهلاك الوقود الأحفوري، فقد سجل كل من لبنان ومصر أعلى معدل من الوفيات المبكرة المقدّرة نتيجة تلوّث الهواء بسبب استهلاك الوقود الأحفوري، فقد سجّل لبنان ٤ حالات وفاة بين كل ١٠ آلاف شخص وسجّلت مصر ٣ حالات بين كل ١٠ آلاف شخص.

وفي تقديرنا أن التعرّض إلى المواد الجسيميّة من فئة 2.5 والأوزون هو مسؤول عن 7.7 مليون زيارة مرتبطة بالربو إلى غرفة الطوارئ كل عام على مستوى العالم، 550,000 من هذه الزيارات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وحدها. إلى ذلك يؤدي التعرض لتلوث الهواء الناجم عن الوقود الأحفوري الناتج عن المواد الجسيميّة من فئة 2.5 وحدها إلى ما يقدّر بـ 1.8 مليار يوم من الإجازات المرضيّة سنوياً، 40 مليوناً منها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ومع أنّ تلوّث الهواء السامّ يُشكّل خطرًا عالميًا، إلا أنّ الحلول تتوفّر أكثر فأكثر فيما كلفتها تُصبح قريبة من المتناول. كما أنّ العديد من الحلول لتلوّث الهواء بسبب الوقود الأحفوري هي أيضًا حلول من شأنها معالجة تغيّر المناخ. فالطاقة المتجدّدة ووسائل النقل العامة والنظيفة التي لا تُساهِم فقط في الحدّ بشكل ملحوظ من الملوّثات السامّة مثل المواد الجُسيمية وأكاسيد النتروجين والأوزون، بل تُساعِد أيضًا في حماية الغلاف الجوّي من غازات الاحتباس الحراري التي تُسبِّب تغيّر المناخ.

 

تلوّث الهواء وآثاره على الصحة وكلفته

  • يؤدّي احتراق الوقود الأحفوري – بالدرجة الأولى الفحم والنفط والغاز – إلى انبعاث ملوّثات تُسمِّم الهواء الذي نتنشّقه، ممّا يخلّف تداعيات سلبية على الصحّة. وإن أهمّ المصادر التي تُطلِق الملوّثات في الجوّ تشمل توليد الطاقة ووسائل النقل (بما في ذلك المَرَكبات التي تعمل على البترول والديزل)، واستهلاك الطاقة لأغراض سكنية، والزراعة، والصناعة.
  • يؤثّر تلوّث الهواء على الصحّة الجسدية والعقلية لأنّه يؤدّي إلى أمراض حادّة و مزمنة قد تُقلّل من جودة الحياة.
  • تُشير الأدلّة المُستخلَصة من دراسات تُعنى بالصحّة العامة إلى وجود رابط بين التعرّض لملوّث هوائي واحد أو لمزيجٍ من الملوّثات الهوائية، مثل المواد الجُسيمية من فئة 5 أو ثاني أكسيد النتروجين أو الأوزون، وتزايد الإصابة بأمراض مثل مرض القلب الإقفاري (نقص تروية القلب)، والانسداد الرئوي المزمن، وسرطان الرئة، وإصابات الجهاز التنفّسي السفلي، والولادة المبكرة (الولادة قبل أوانها)، ومرض السكّري من النوع الثاني، والسكتة الدماغية والربو.[1]،[2]،[3]،[4] وتترتّب تكاليف اقتصادية جرّاء الآثار الصحّية لتلوّث الهواء، وذلك من ناحية كلفة العلاج، وإدارة الظروف الصحّية، والتغيّب عن العمل.
  • يؤدي التعرض لتلوث الهواء في جميع أنحاء العالم إلى تفاقم وباء COVID-19. يزيد تلوث الهواء من خطر العديد من الحالات الموجودة مسبقًا التي تجعل COVID-19 أكثر خطورة وفتكًا ، بما في ذلك مرض السكري وأمراض الرئة وأمراض القلب والسرطان. تزيد هذه الظروف الصحية بشكل كبير من خطر دخول المستشفى والوفاة لمرضى COVID-19.

 

الكلفة الاقتصادية لتلوّث الهواء الناجم عن الوقود الأحفوري

  • تقدّر التكاليف بحسب غرينبيس بـ8 مليارات دولار أميركي في اليوم الواحد، أي 3,3% من إجمالي الناتج المحلّي العالمي.
  • تأتي هذه التكاليف نتيجة أمراض الجهاز التنفسي والأمراض غير المُعدية التي يزداد احتمال الإصابة بها بسبب ارتفاع مستويات التلوّث. وأُدرِج كذلك تقييمٌ اقتصادي لسنوات العمر المفقودة جرّاء الوفاة المبكرة. يمكن قياس أثر الوفاة المبكرة باستخدام مقياس يُعرَف بـ”سنوات العمر المفقودة”. وينجم عن مأساة الوفاة المبكرة كلفةٌ اقتصادية تتمثّل بخسارة الإسهامات المجتمعية والاقتصادية، ممّا يعني أنّ الكلفة الاقتصادية التي تنتج عن الوفاة المبكرة قد تكون بالغة، لا سيّما في حال وفاة الأطفال والشباب.

 

كلفة تلوّث الهواء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مستوى الوفيّات:

لبنان بين أعلى معدل الوفيّات المبكّرة

  • يُقدّر عدد الوفيات المبكرة سنويًا في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بحوالى 000 حالة جرّاء تلوّث الهواء الناجم عن الوقود الأحفوري.
  • تستأثر مصر بالعدد الأكبر من الوفيّات التقديريّة التي وصلَت سنة 2018 إلى 32,000 نتيجة التعرّض للهواء الملوّث المرتبط باستهلاك الوقود الأحفوري.
  • يتّصف لبنان بأعلى معدل من الوفيات المبكرة المقدّرة نتيجة تلوّث الهواء بسبب استهلاك الوقود الأحفوري، يليه مصر.
  • بلغ متوسط العدد التقديري للوفيات المبكرة في لبنان نتيجة تلوّث الهواء بسبب استهلاك الوقود الأحفوري 2700 وفاة في العام 2018، ٤ حالات وفاة بين كل ١٠ آلاف شخص.
    naji 1
  • إجمالي ومعدّل الوفيات المبكرة المنسوبة إلى تلوّث الهواء المرتبط بالوقود الأحفوري في منطقة الشرق الأوسط خلال اعلام ٢٠١٨ وفي كلّ بلد في المنطقة.

الكلفة الإقتصاديّة لتلوّث الهواء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا:

لبنان الأعلى كلفة من ناحية الناتج المحلي

  • ويجدر الاشارة الى أنّ كلفة تلوّث الهواء الناجم عن الوقود الأحفوري هي الأعلى في مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحّدة ضمن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع 6,900 مليون دولار أميريكي، و6,000 مليون دولار أميركي، و5,900 مليون دولار أميركي سنويًا على التوالي.
  • تستأثر كلفة تلوّث الهواء الناجم عن الوقود الاحفوري بنسبة كبيرة من الناتج المحلّي الإجمالي في العديد من الدول. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بلغَت نسبة الكلفة التقديرية لتلوّث الهواء الناجم عن الوقود الأحفوري من إجمالي الناتج المحلّي أعلى معدّلاتها في مصر (%2.8) ولبنان (%2) والبحرين (%1.4) والإمارات العربية المتّحدة (%1.4).

naji 2

  • بلغَ العدد التقريبي لأيّام التغيّب عن العمل بسبب التعرّض للمواد الجُسيمية من فئة 5 الناجمة عن الوقود الأحفوري 15 مليون يوم (13 -17 مليونًا) في مصر؛ و1.3 مليون يوم (1.1 -1.5 مليون) في لبنان؛ و460.000 يوم (400.000 – 530.000) في البحرين؛ و2.7 مليون يوم (2.3 – 3.1 مليون) في الإمارات العربية المتّحدة.

 

الحلول المقترحة للمنطقة

ثمّة أساليب ممكنة وزهيدة من شأنها التخفيف إلى حدّ كبير من العبء الصحّي المترتّب على تلوّث الهواء الناجم عن الوقود الأحفوري، والتي ترتكز إلى تدابير ملموسة تدعم الجهود الرامية إلى كبح جماح التغيّر المناخي البشريّ المنشأ. ومن بينها:

توليد الكهرباء من الطاقة المتجدّدة بدلًا من الوقود الأحفوري

  • إن من شأن استبدال الوقود الأحفوري بالطاقة المتجدّدة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح أن يحدّ من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وانبعاثات الملوّثات، ما يُساهِم في تعزيز المناخ وتحسين صحّة الإنسان. وهذه العملية الانتقالية قابلة للتنفيذ والإنجاز، سيّما أنّ الطاقة التي تولّدها الأنظمة المتجدّدة باتت تُستخدَم على نحو متزايد حول العالم، مع نضوج التكنولوجيا وانخفاض كلفة التركيب بشكل كبير.
  • لا بدّ من التخلّص التدريجي من محطّات الكهرباء العاملة بالوقود الأحفوري وإيقاف بناء المشاريع الجديدة حرصًا على عدم زيادة الاحترار العالمي بأكثر من درجة ونصف عن مستويات المرحلة ما قبل الصناعية والحدّ من انبعاثات ملوّثات الجوّ المنتشرة اليوم على مئات الكيلومترات.

التحوّل إلى النقل المستدام

  • لا بدّ من إعادة تنظيم أنظمة النقل بصورة ملحّة على أن تتحوّل إلى استخدام الطاقة والموارد بفعاليّة، وتعمل من دون ضخّ ملوّثات سامة في الجوّ، سواء بطرق مباشرة أو غير مباشرة. تحتاج مدننا اليوم إلى مركبات أكثر نظافةً وأقلّ عددًا، وإلى استعمال أكبر لوسائل النقل العام والاستثمار في مشاريع تشجّع مشاركة السيّارات والمشي وركوب الدرّاجات الهوائية.
  • على الحكومات الوطنية تحديد تواريخ للتخلّص التدريجي ومنع تنقّل السيّارات العاملة بالديزل والبترول والاستثمار في وسائل النقل المستدام واعتماد حلول بديلة محايدة من حيث الأثر الكربوني، كالمشي وركوب الدرّاجات الهوائية.
  • يمكن للمُدُن والمناطق الرائدة أن تشقّ الطريق نحو المستقبل المنشود، بتوجيه النقاشات الوطنية والعالمية نحو مستقبل النقل الحضري المرجوّ.

 

الحلول المقترحة للبنان

← كانت غرينبيس قد أطلقت في يوليو/تموز 2019 تقريراً بعنوان “تقييم الملف المحدّث لسياسة الكهرباء في لبنان” تعقيباً على خطة قطاع الكهرباء التي كانت وزارة الطاقة والمياه اللبنانيّة قد أعلنتها في أبريل/نيسان 2019 والتي تهدف إلى تأمين الكهرباء على مدار 24 ساعة بحلول العام 2020 بأقل أثر سلبي على الاقتصاد والبيئة. وقد لاحظ تقرير غرينبيس أن:

  • توضح نتيجة مقارنة قامت بها غرينبيس بين خطة الوزارة ( والتي ترتكز غالبا على محطات الطاقة الحرارية* الغاز الطبيعي*)، والسيناريو الأمثل ( الذي يقوم على إعطاء أهمية أكبر للطاقة المتجددة إلى جانب كفاءة الطاقة) أن الدولة سوف تستفيد أكثر عن طريق الطاقة المتجددة.

 

  • يوضح التحليل أيضًا أن خطة الوزارة لا تتماشى مع 30% من التزامات الطاقة المتجددة في البلاد بحلول عام 2030 علماً ان الوزارة تعترف بالتعهد الذي قامت به.

 

  • في الواقع ، بمجرد تأمين الكهرباء على مدار 24 ساعة من خلال استثمارات ضخمة في محطات الطاقة الحرارية للغاز الطبيعي ، وبذلك يكون هناك مخاطرة في تخفيض دافع الاستثمار في الطاقة المتجددة بشكل كبير لأن تأمين الطاقة لن يكون مشكلة على المدى البعيد.

 

  • ويوصي التقرير بإعادة النظر في الخطة المقترحة لتعزيز دور موارد الطاقة المتجددة بشكل متوازي مع أي موارد أخرى في سبيل الوصول إلى الهدف الرئيسي الكامن في تأمين التغذية الكهربائية على مدار 24 ساعة. باختصار، فإن تبني المزيد من موارد الطاقة المتجددة يعني الحصول على المزيد من الفوائد الاقتصادية والبيئية والصحية. لا مزيد من الأعذار: فقد آن الأوان للبنان أن يتبنى الطاقة المتجددة بشكل جدي.

 

 

منهجيّة البحث

  • تمّ تحديد الآثار الصحّية الناجمة من تلوث الهواء المرتبط بالوقود الأحفوري بالجمع بين خرائط تركيز الملوّثات، للعام 2018 وبين البيانات الديمغرافية والإحصاءات الصحّية على صعيد البلد أو المنطقة. وتُستعمَل دالّات حسابية لكلّ من الملوّثات من أجل ربط تركيز الملوّث باستجابة هذا الملوّث أو أثره على السكّان.
  • استُعين بالدالّات الحسابية لاحتساب أثر تلوّث الهواء المرصود الناتج عن الوقود الأحفوري بالنسبة إلى عدد السكّان في العام واستنادًا إلى الأبحاث التي أجرتها منظّمة الصحّة العالمية في إطار مشروع “المخاطر الصحّية لتلوّث الهواء في أوروبا” (HRAPIE) ، يمكن تقدير عدد أيّام العمل المهدورة نتيجة التعرّض للمواد الجُسيمية من فئة 2.5. لكنْ لا تتوفّر أيّ إحصاءات لاحتساب أثر الملوّثات الهوائية الأخرى على التغيّب عن العمل.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This