في ظل المعارك السياسية التي تعصف في العالم، تتلاشى يوما بعد يوم أهمية المحافظة على المواقع البيئية الأثرية، ورغم ضرورة الإهتمام اليوم أكثر من الغد بتلك المواقع لما لها من تاريخ وحضارة وهويّة لكل بلد، فإن الكوارث البيئية المتتالية تجعل العالم في خطر فعلي يصعب الخلاص منه في ظل تفاقم أزمة الإحترار المناخي.

غابة الأمازون التي اخترقت عام 2019 فضلاً عن الحرائق المستمرة في استراليا حتى يومنا هذا أفقدت العالم موائل مهمة لأنواع حيوانت ونباتات مهددة بالإنقراض، وإن كانت الطبيعة تلقي بنار غضبها على همجيّة الإنسان بالتعامل معها، فإن هذا الأخحير يعتبر العدو الأكبر لبيئته. وأكبر دليل على ذلك الإعتداء الذي لا يزال مستمرا منذ يومين في محمية فيفا في الأردن والتي اعترض عليها نشطاء البيئة في مختلف اصقاع العالم العربي.

فقد  كشف تقرير رسمي عن تجريف نحو 1600 دونم في محمية فيفا، الواقعة في الجزء الجنوبي الغربي من المملكة، وإقتلاع نحو 40 الف شجرة، ما أثار حفيظة نشطاء بيئيين والجمعية الملكية لحماية الطبيعة، باعتبار أنها “تشكل خرقا للاتفاقيات الدولية لحماية التنوع الحيوي، والتغير المناخي”، التي وقع الأردن عليها سابقا.

أصابع الإتهام تتجه نحو شركة   البوتاس العربية لأن “المنطقة التي يتم تجريفها حاليا هي نفس المنطقة المطلوبة للتوسع من قبل الشركة ، ونفس المنطقة المغلقة للغايات الامنية.” هي التي طالبت، وفق كتاب لسلطة وادي الاردن، وجه الى الجمعية الملكية لحماية الطبيعة بتاريخ 23 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، بضم مناطق التوسع الجنوبي الى تلك الخاصة بامتيازها وحسب الاحداثيات التي أرسلتها سابقا للسلطة.

ووفق التقرير، الذي أعدته فرق من وزارة الزراعة والجمعية الملكية لحماية الطبيعة، تبين أنه” تم تجريف مساحة واسعة جدا داخل محمية فيفا وبشكل طولي وفي اهم المناطق بيئيا واكثرها كثافة للغابات والموائل”.

الأمر الذي يهدّد المحمية بموائلها بشكل كامل، اذ تحوي المحمية على نمطي النبات الملحي  نمط النبات الاستوائي. كما تضم المنطقة سبعة أنواع مهددة مثل نبات الأراك التي تعتبر محمية فيفا من المناطق القليلة في الأردن التي يتواجد فيها هذا النبات بشكل طبيعي و تضم أنواع حيوانية مهدد منها الوشق والضبع، كما يسود المحمية إقليم النفوذ السوداني وهو نظام شبه صحراوي يمتاز بدرجات الحرارة العالية حيث توافق التنوع الحيوي (النباتي والحيواني) مع هذا النظام وأصبح قادراً على التكيف مع الظروف الصعبة للمنطقة. كما تعتبر محمية فيفا واحدة من 391 موقعا معلنا على مستوى العالم كمناطق مهمة للطيور حيث تعتبر محطة مهمة لاستراحة الطيور المهاجرة في مسار هجرتها بين افريقيا وأوروبا بسبب المسطحات المائية التي تتشكل فيها في فترة الشتاء. أدى ندرة التنوع الحيوي منطقتها التي تعتبر أخفض نقطة في العالم إلى إدراجها على القائمة العالمية لاتفاقية رامسار للمناطق الرطبة؛ وهي اتفاقية دولية لحماية التنوع الحيوي في المناطق الرطبة، كانت الأردن أول دولة عربية توقع عليها عام 1977. ففي المحمية أكثر من 90 نوعاً من النباتات تتبع لـ30 عائلة نباتية، و76 نوعاً من الطيور، و10 أنواع من الثدييات المختلفة، ونوعين من الزواحف ، إضافة إلى العديد من الأسماك التي لم تسجل في أي مكان في العالم.

 

كما تعتبر المحمية الملجئ الأخير لأسماك الأفانيس العربية والتي لا توجد في أي مكان آخر في العالم إلا في حوض البحر الميت، وهي تعاني من التهديد الشديد بسبب الأنواع الغازية وتغير الموائل، ولا تجد للآن مكاناً آمن من المناطق الرطبة ذات المياه الدائمة أو الموسمية في المحمية. وتعتبر المحمية المكان الوحيد في الإقليم حيث يعيش طائر السبد النوبي المهدد على الصعيد المحلي بسبب تدمير موائله، حيث تضم المحمية التعداد الأكبر في كافة مناطق انتشاره المحدودة عالميا.. وتعتبر المحمية البقعة الأخيرة التي تحتضن التجمعات الشجرية الأصيلة لشجرة الآراك “المسواك” وبتجمعات صحية وأعمار مناسبة.

وفي ظل الأنتهاكات التي يبدو أنها لا تزال مستمرة حتى اليوم، ورغم الضجة التي أثيرت عبر وسائل الإعلام الأردنية ووسائل التوال الإجتماعي، عقد اجتماع في مبنى محافظة الكرك شارك فيه أعضاء مجلس المحافظة في لجنتي الصحة والبيئة ولجنة الزراعة والمياه ورؤساء الجمعيات البيئية وممثل عن حزب الطبيعة وصندوق الاميرة بسمة ومديرية بيئة الكرك ومديرية زراعة الأغوار الجنوبية ومدير محمية فيفا للتباحث في حيثيات الاعتداء واطلع الحضور على تفاصيل الواقعة من مدير المحمية وتم مناقشة الأمر وخرج بالاجتماع بجملة توصيات أهمها ما يلي: إصدار بيان شديد اللهجة لإدانة واستنكار حادثة التعدي الصارخ على المحمية،وقف فوري لأي نشاط ولأي جهة كانت او سبب من الأسباب، إلغاء أي إمتيازات على أرض المحمية من صناعة أو تعدين لأي جهة كانت، اعادة زراعة وتأهيل المنطقة المعتدى عليها، إتخاذ إجراء قانوني وإداري بحق الجهة التي قامت بالاعتداء وضمان حماية كافة مساحة المحمية من اي نشاط مستقبلي وعدم اقتطاع أي جزء منها تحت أي ظرف!!

Pin It on Pinterest

Share This