تعهد الرئيس الروسي “بوتين”، حين توقيعه الإتفاق الأخير حول الشمال السوري،  لنظيره التركي “أردوغان”، تراجع المسلحين “قوات الحماية الكردية” الى عمق  30 كيلومتراً، داخل الأراضي السورية، بالرغم  من أنَّه (بوتين) يعلم أن الوجود التركي في الشمال السوري، هو إحتلال فاضح، لكنه بالمقابل استطاع تقليص مساحة المنطقة الآمنة، وذلك بأن حدد طولها، بما يناسب مستقبل المنطقة، كما يراه هو،  فأصبح طولها 120 كيلومتراً، بدلاً من 460 كيلومتراً كان يحلم بها التركي، كذلك  حرمه من الإشراف على المنطقة بمفرده (تنص الإتفاقية على تسيير دوريات مشتركة)، لا بل وجعل “منبج” ومناطق كثيرة استراتيجية غنية بالثروات، تدخل تحت سيطرة النظام.

أضف الى كل ماسبق، أنه ضَمِّنَ وصول القوات السورية الى أقصى أقصى الشمال السوري، لتتمركز وتُقيم نقاط مراقبة،  فتُصبح على تماس ٍ مباشرٍ مع الجيش التركي، وبذلك فرض حتمية بدء المفاوضات بين دمشق وأنقرة، والتي يعمل عليها الروس (وإن سراً)، عبر قنوات وزارات الدفاع والخارجية والإستخبارات، باحثاً عن نصرٍ أخرٍ يُهديه لسوريا،(مؤخراً  كشف المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرينتيف، عن وجود “حوار مستمر بين سوريا وتركيا”).

كذلك أراد  و بحركة ديبلوماسية تكتيكية، دفع التركي الى خانة “اليَّك”، وإعطائه فرصة أخيرة، لإخراج ماتبقى من إرهابيين في منطقة إدلب، عبر المنطقة الآمنة ذاتها، محملاً أردوغان المسؤولية في حال تم  إبادتهم في معركة الحسم الأخيرة التي سيقودها الرئيس الأسد.

تأسيساً على كل ما سبق، يكون الروس قد خرجوا من الإتفاق، بحصة الأسد، فأصبحوا  يمتلكون القرار في كل ما يخص الملف السوري(دبلوماسياً)، وخاصةً بعد  أن سحبوا من يد الأميركيين ورقة الفصائل الكردية ، والتي خرج أصحابها (الأكراد) بخسارةٍ فظيعة، بعد أن تبدد حلمهم في إقامة إدارة ذاتيّة في الشّمال السوريّ (ربما الى الأبد).

لم تُسعَد الإدارة الأميركيّة، التي أنفقت أكثر من 70 مليار دولار (باعترافِ “ترامب”)، بتلك النتائج، وأغضبها أنَّ الروسي أثبت لكل أعداء الدولة السورية، عقمها كحليف قوي  يُعتمد عليه، فلم يقتصر غضبها وزعلها على تنديد قاسٍ من رئيسة مجلس النواب الأميركي “نانسي بيلوسي”، بقرار “ترامب” حول  سحب قواته من الشمال السوري(انفجر يومها “ترامب” بوجهها)، لا بل غضب منه أيضاً أعضاء كثر في الكونغرس، كان أبرزهم السيناتور الجمهوري “ليندسي غراهام”،الذي قال  إن “هناك خطة قيد الإعداد من هيئة الأركان المشتركة أعتقد أنها قد تنجح، قد تتيح لنا ما نريد لمنع داعش من العودة للظهور ومنع إيران من الإستيلاء على النفط، ومنع داعش من الإستيلاء على النفط”.

تلاها فوراً دعوة “ترامب” الأكراد لحراسة آبار النفط، في مناطقهم، ومن ثم  تصريح وزير الدفاع “مارك إسبر”، أنهم سيحتفظون بمجموعة من الأفراد العسكريين الأمريكيين في شرق سوري ، “لمنع تنظيم داعش من الوصول إلى حقول النفط”.

لتفضحهم وزارة الدفاع الروسي، بنشرها صوراً تم التقاطها بالأقمار الإصطناعية، لقوافل نفطٍ تتجه إلى خارج سوريا، معلقةً على الموضوع بقولها: “إن النفط السوري ينقل إلى خارج البلاد تحت حراسة  قوية من العسكريين الأمريكيين.”

طبيعي أن يستنفر كل من الكونغرس، البنتاغون والمؤسسات الأمنية الأمريكية، للدفاع عن آبار النفط في سورية، من “إيران”  ومن أسطورة خلايا “داعش” الإرهابية النائمة، فهم يعلمون  “أنَّ العائدات الشهرية من نهب النفط السوري، تصل الى  30 مليون دولار شهرياً، ويعرفون أن هذه المبالغ لا تخضع إلى أي تحكم أو ضرائب في الولايات المتحدة، وأنها تُرسل مباشرةً إلى حسابات مؤسسات أمنية خاصة، ومنها الى دولة الكيان الصهيوني.

لعل زيارة الرئيس الأسد الى مواقع متقدمة للجيش العربي السوري(بلدة الهبيط) أحد أهم الخواتيم الحتمية لحربٍ تكاد تبدأ عامها العاشر، خواتيم فرضتها شكيمة الشعب والجيش السوري، وقوة وحنكة أهل الكرملين، فانكسر حلم  الكاوبوي الأميركي، بإهانة سوريا وإسقاط رئيسها، كما تبدد حلم “روجا آفا” الكردي، وبدأ السلاجقة(الأتراك) بالإلتفاف بحثاً عن فرصٍ يغتنمونها لمفاوضة الأسد القوي.

هل ستشهد نهاية هذا العام قيامة سورية جديدة، و عودة قوية وأكيدة للخارطة السورية الى ما كانت عليه، خطوة خطوة ولكن بثقة كبيرة، وقوة.

من يعش يرى .

 

 

Pin It on Pinterest

Share This