إن سياسة الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة في لبنان تشكل حاجة حقيقية، بل حاجة على درجة عالية من الإلحاح، لكي تنقل لبنان من حالة الأزمة الخانقة في هذا الملف، وتضعه على طريق التعامل الواضح والعقلاني والمتكامل والمستدام مع النفايات.

نرى الحاجة أيضا لأن يشكل قانون إدارة النفايات بعد تعديله واستكماله وتنقيحه من ما يثقله من شوائب وثغرات، كتبنا عنها في سياق نقدنا له في مقالات سابقة، وكذلك مرسوم الفرز من المصدر الذي صدر مؤخرا، والذي يحتاج أيضا للتعديل السريع، بحيث يشمل النفايات الخطرة من مصادر منزلية، وعمليات معالجة المكوِّنات العضوية بالتسبيخ أو الهضم اللَّاهوائي، التي تجاهلها المرسوم ولم يتحدث عنها نهائيا. يستكمل ذلك مع مجموعة من المواصفات والمعايير والأنظمة والقواعد والإجراءات، لتشكِّل مجتمعة حزمة تشريعية كاملة تحوِّل إدارة النفايات إلى صناعة لها كامل عدتها التشريعية والتنظيمية، مما يفتح المجال أمام القطاع الخاص المتخصص في إدارة النفايات، وفي الإدارة المتكاملة للنفايات تحديدا، للإستثمار في هذا القطاع الصناعي المتميز، وعدم تركه سائباً لشركات المقاولات وردم البحر والإنشاءات غير المتخصصة بصناعة إدارة النفايات، كما هو حاصل حاليا في لبنان.

تظهر مسألة تصنيع الوقود البديل المشتق من بعض مكوِّنات النفايات RDF، أو ما يسمى حديثا في أوروبا “الوقود الصلب المسترد” من سيل النفايات الصلبة  Solid Recovered Fuel (SRF)، التي تحدثت عنها “السياسة المتكاملة والخطة التنفيذية”  لوزارة البيئة، مسألة على درجة عالية من الأهمية والحساسية، مما يفترض أن يترافق هذا الطرح الجدي لأول مرة في لبنان، مع تحديد دقيق لتعريف هذا الوقود الجديد، وآلية واضحة ودقيقة ومنظمة لعمليات تصنيعه، ووضع لائحة مواصفات ومعايير تحدد جودة المنتج وخصائصه، من جهة، وشروط إنتاجه واستخدامه من جهة أخرى.  وكل هذا يجب أن يكون مصاغا في مشروع مرسوم كامل الفصول، ليشكل قاعدة تشريعية وتنظيمية، تتضمن شروط الترخيص وشروط الإنشاء وشروط التشغيل الخاصة، لمؤسسات متخصصة تقوم بهذا النشاط الصناعي المتعلق بتصنيع هذا المنتج المسى RDF  أو  SRF.

في سياق هذه المقالة، سوف نعرض لبعض المعطيات الضرورية، التي يمكن لها أن تشكل أساسا مقبولا لإطلاق هذا القطاع الصناعي الجديد وشديد الخصوصية في لبنان.

في البداية، نقول، إن سيل المواد الثانوية (النفايات)، الذي يصلح لأن يكون مصدرا لتصنيع الوقود البديل، يستثني بشكل قاطع سيل النفايات الخطرة المتولد من كل المصادر، من جهة، ومن جهة أخرى يستثني الكميات من النفايات المعدة لإعادة التدوير والمعالجة البيولوجية. وهذا يعني بكل وضوح ودقة، أن الأولوية في التعامل مع المواد البلاستيكية، ومع الورق والكرتون، والخشب، والمكوِّنات العضوية في سيل النفايات الصلبة، تكون دون تردد إلى إعادة الإستعمال والتدوير والمعالجة البيولوجية (تسبيخ هوائي وهضم لاهوائي)، قبل البحث في اعتمادها موادا أولية لصناعة الوقود البديل الصلب RDF  أو  SDF.

إن وضع التشريعات الكاملة المتعلقة بهذا القطاع الصناعي المستحدث يجب أن يسبق أي حديث عن استعماله وأي نشاط عملي على الأرض، من قبل أي كان.

وفق التشريعات الأوروبية التي تنظم هذا القطاع، يعتبر حقل إدارة النفايات صناعة تأخذ أشكالاً متعددة.  ونحن في لبنان علينا أن نبدأ من هنا، من وضع البنية التشريعية الأساس للإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة لكي تتحول إدارة النفايات إلى صناعة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

إن للإدارة المتكاملة للنفايات تأثيرات بيئية على الموارد الطبيعية وعلى الأوساط البيئية وعلى الصحة العامة وجودة حياة المجتمع بشكل عام. ولذلك، وبعدأن تكون قد وضعت ونوقشت علنيا وأقرت حزمة التشريعات الضرورية لتنظيم هذا القطاع الصناعي الخاص، لا بد من وضع ومناقشة دراسات تقييم الأثر البيئي والموافقة عليها، قبل أي إجراء إنشائي أو تشغيلي لأي مؤسسة مرشحة للعمل في هذا القطاع.

على الأطر التشريعية المطلوبة أن تركز على مجموعة المباديء، أو تعيد التأكيد على مجموعة المباديء المشار إليها في قانون حماية البيئة رقم 444  للعام 2002 والتشريعات البيئية الأخرى.  ويأتي في مقدمتها مبدأ العمل الوقائي  Prevention action، المتمثل بتخفيف كمية النفايات المتولدة.  واعتماد عمليات إعادة الإستعمال، حيث يتم تحويل المواد بواسطة عمليات صناعية، ويعاد إدخالها في الدورة الإنتاجية كنسبة من المواد الأولية الداخلة، أي إعادة تدويرها في الصناعات المختلفة.  وبعد ذلك، إسترداد القيمة الإقتصادية من النفايات عبر استخراج الموارد الثانوية منها أو استخراج الطاقة، أي استرداد قيمتها المادية والطاقوية. وأخيرا التخلص النهائي من متبقيات كل تلك العمليات السابقة وذات الأولوية بطريقة سليمة بيئيا.

إن الإسترداد المادي الفعال يستلزم أن تكون المواد مفصولة جيدا، وبقدر الإمكان دون شوائب، وأن تكون نظيفة، وبجودة كافية، لكي تحل محل المواد الأولية الخام، أو تدخل معها في الدورة الإنتاجية، وهذا ما ينبغي أن توفره عملية الفرز من المصدر للنفايات.

وكذلك، إن المعالجة البيولوجية الفعالة للمواد العضوية تستلزم أن تكون مفصولة بشكل جيد، وخالية من الشوائب، وذات جودة عالية، لكي ننتج منها سبيخا عالي الجودة، يدخل في سوق الأسمدة الزراعية ومحسنات التربة، على المستويين الوطني والعالمي.

من المهم في سياق منظومة الإدارة المتكاملة للنفايات، التي تلبي مباديء الإستدامة والفعالية، أن ننظر بجدية إلى معالجة بعض مكوِّنات النفايات لاسترداد قيمتها الطاقوية.  ولكن دائما باحترام الأولويات التي ذكرناها سابقا، أي الأولوية للإسترداد المادي، أي  للتدوير والتسبيخ أو الهضم اللَّاهوائي للمواد العضوية.

ففي أوروبا على سبيل المثال، كانت نسبة الإسترداد المادي (التدوير والتسبيخ)  تقارب الـ 18 بالمئة في العام  1995، وأصبحت 42 بالمئة في العام  2012، و44  بالمئة في العام  2014، وحوالي 50 بالمئة في العام 2016، وفي بعض البلدان الأوروبية وصلت هذه النسبة إلى 65 – 70  بالمئة.  إذا أمعنَّا النظر في هذه الأرقام نرى أن هناك ميلا جديا وقويا عند هذه الدول نحو رفع نسبة الإسترداد المادي، على حساب الخيارات الأخرى المتمثلة بالطمر أو الحرق أو استرداد الطاقة عبر تصنيع  RDF و  SDF.

وهكذا تتبلور عندنا في إطار السياسة المتكاملة لإدارة النفايات لائحة أولويات واضحة المعالم، تبدأ مع تخفيف الكميات المعدة للتخلص النهائي في المطامر، وتتابع بتحسين وتعزيز الإسترداد المادي عبر التدوير والتسبيخ، وهذا يتحقق عبر تعميم وإنجاح الفرز من المصدر. ولاحقا، يمكن أن يلحق كل هذا بتصنيع الوقود البديل RDF & SDF من سيل النفايات غير الخطرة في مصانع متخصصة، ووفق آليات ومواصفات ومعايير تنص عليها التشريعات الخاصة بهذا المنتج وهذه الصناعة، التي ينبغي العمل على وضعها قبل أي حديث عن هذا الأمر.  هذه التشريعات يجب أن يتم مناقشتها وإقرارها قبل أي تداول لمنتجات تحمل هذا الإسم في لبنان، دون مطابقتها للمواصفات الوطنية والعالمية الخاصة بها.

تعرف التشريعات الأوروبية الوقود البديل RDF & SDF بأنه وقود صلب مصنع من موارد ثانوية مأخوذة من سيل النفايات غير الخطرة ويستعمل لاسترداد الطاقة. ويطابق هذا الوقود لوائح من المواصفات الخاصة به لجهة معايير التركيب الكيميائي، ومعايير القيمة الحرارية، ومعايير تجارية تتعلق بشكل المنتج وبكمية الرماد المتولد عنه.

وهكذا تتحدد أنواع النفايات الصالحة لأن تكون مصدرا لتصنيع الوقود البديل، ببعض الموارد المكوِّنة للنفايات الصلبة المنزلية، والنفايات الصناعية غير الخطرة، والنفايات التجارية، وبعض نفايات البناء والهدم، ووحول محطات معالجة المياه المبتذلة البلدية وتلك الناتجة عن بعض الصناعات الغذائية.

يتم تصنيف الوقود البديل RDF & SDF أخذا بعين الإعتبار ثلاثة مؤشرات ذات أهمية بيئية وتقنية واقتصادية استراتيجية، وهي المؤشر التجاري الذي يتحدد بالقيمة الطاقوية (القيمة الحرارية الدنيا) للوقود البديل، والمؤشر التقني-الصناعي الذي يتحدد بمحتوى الكلورين وغيره من الهالوجينات، والمؤشر البيئي الذي يتحدد بمحتوى الزئبق والمعادن الثقيلة السامة الأخرى.

وفي النهاية، لا بد من أن تمتثل انبعاثاته لدى الإستعمال مع لوائح المواصفات والمعايير الوطنية والعالمية لانبعاثات مختلف ملوِّثات الهواء في الجو.

ففي لبنان، نحن بحاجة ملحة جدا لأن يصار إلى تحديث وتطوير القرار 8/1، الذي يتضمن لوائح المعايير الحدِّية  البيئية لملوثات الهواء، ليصبح تشريعا حديثا متكاملا قويا، ويصدر بمرسوم خاص.

إن لوائح الخصائص التقنية للوقود البديل المنصوص عنها في المواصفة الأوروبية UNI EN 15359 Standard تتضمن الحد الأقصى للمؤشرات الكيميائية، ولا سيما التراكيز المقبولة لمجموعة المعادن الثقيلة والكلورين.

لماذا التركيز على الكلورين وعلى الزئبق تحديدا؟ لأن الكلورين يتحول إلى حمض الكلورهيدريك القوي، الذي يمكن أن يسبب التآكل والتهالك المتسارع للتجهيزات الصناعية المعدنية، وهو بهذه الخصائص يعتبر مؤشرا تقنيا صناعيا، وليس فقط بيئيا، حيث وجود الكلورين يؤدي إلى تكوُّن الديوكسين والفوران وغيرهما من مجموعة الملوثات عالية السمية والثبات في البيئة، وعالية الخطورة على الصحة العامة. أما الزئبق، فهو معدن ثقيل وسم عصبي خطير جدا، إضافة إلى تأثيراته السامة الأخرى، وهو يعتبر ملوثا بيئيا كونيا، ومهدِّدا كبيرا للصحة العامة. وبسبب خصائصه المميزة، لناحية قدرته على التبخر وتنقله من وسط بيئي إلى آخر، ولأنه في كل أشكال وجوده، من عنصر معدني إلى مركبات معدنية غير عضوية، فإلى مركبات عضوية، يكون عالي السمية البيئية وعالي السمية على الصحة البشرية.

من خصائص الوقود البديل أيضا أنه يولِّد كميات كبيرة من الرماد الغني بالمعادن الثقيلة، حيث تصل هذه الكمية إلى 4-6 أضعاف الرماد المتولد عن الفحم الحجري. ولكن، من جهة أخرى من المفيد القول أن صناعة الإسمنت وحدها تستطيع تحمل هذه الشروط التقنية، إذا توافرت في الوقود البديل كل المعايير والمؤشرات الأساسية، التي تحدثنا عنها.

في عملية تصنيع الوقود البديل يتم التخلص من الجزيئات الصغيرة للمواد غير العضوية مثل الزجاج والمعادن، وكذلك الجزيئات العضوية الرطبة، وتراعى أيضا كمية الرطوبة المقبولة في المنتج.

ومن جهة أخرى، إن مواصفات الوقود البديل الصلب يجب أن تسمح بتلقيمه بطريقة ثابتة ومستقرة وموثوقة من نظام تلقيم الوقود البديل الصلب إلى نظام الإحتراق في الصناعة التي تستخدمه. وصناعة الإسمنت هي الأكثر استخداما لهذا الوقود في أوروبا، وألمانيا في طليعة هذه الدول.

هناك حاجة طبعا لوضع نظام الجمع المنفصل للنفايات القابلة لإعادة التدوير، ومنها نفايات التعليب، النفايات العضوية. ونظام منفصل لجمع نفايات البستنة أيضا، والنفايات كبيرة الحجم مثل الأثاث.

وهكذا، فإن الوقود البديل RDF & SDF هو منتج يتم تصنيعه عبر المعالجة الميكانيكية والبيولوجية لبعض مكونات النفايات الغنية بالطاقة، مثل الورق والكرتون والبلاستيك والخشب، غير القابلة للتدوير، حيث يجب عزلها وفصلها من سيل النفايات. إن أكبر مشاكل هذا النوع من الوقود هي الملوِّثات الكيميائية، وخصوصا الكلورين والهالوجينات،  والزئبق والمعادن الثقيلة، للأسباب التي سبق أن شرحناها.

التشريع الأوروبي الذي ينظم إنتاج واستعمال هذا الوقود، وخصوصا الوقود الصلب المسترد SRF هو المواصفة الأوروبية  CEN/TC343، التي تتضمن كل المواصفات والمعايير المتعلقة بالوقود الصلب المسترد SRF.

بعد هذا الإستعراض المستفيض، يمكننا اعتبار كل الحديث اللبناني، الذي يجري حاليا عن RDF و SRF هو حديث يستخدم المصطلح في غير سياقه العلمي الصحيح.

ليس في لبنان صناعة RDF و SRF حتى الآن، وكل ادعاء عن تصنيع هذا المنتج هنا وهناك، هو ضرب من تغييب الحقائق العلمية بشأنه، وإمعان في إطلاق هذا المصطلح وهذه التسمية على بعض متبقيات سيل النفايات، التي يجري تقطيعها وفرمها وتنشيفها، دون النظر إلى مؤشراتها الثلاثة، التي سبق لنا الحديث عنها في هذا البحث، وهي المؤشرات البيئية والتقنية والإقتصادية.

إن ما يطلقون عليه إسم RDF اليوم في لبنان، وهو في الحقيقة انتحال غير مشروع لهذا المصطلح، ما هو إلَّا جزء من سيل النفايات، سيؤدي حرقه، إن في معامل الإسمنت أو في غيرها من الصناعات، إلى انبعاث باقة خطيرة من الملوثات في الهواء الجوي، وإلى ترسب باقة أخرى من الملوثات الخطيرة في رماده. وهذا يعتبر شكلا من أشكال حرق النفايات مع كل ما يترتب عنه من مخاطر تلويث البيئة وتهديد الصحة البشرية بأكبر المخاطر.

ليس في لبنان بعد تشريعات خاصة تحدد تعريف ومواصفات هذا المنتج  كما هي الحال في أوروبا وفي ألمانيا على وجه الخصوص، ولا طرق وعمليات تصنيعه، ولا شروط ترخيص المصانع، التي تتخصص بتصنيعه. وبالتالي، إن كل ما نسمعه ونقرأه عن الوقود البديل RDF أو SRF في لبنان في هذه الحالة، هو خارج سياق العلم والحقيقة، بل هو يسهم بتضليل خطير لوعي الكثير من الناس المعنيين والمتأثرين بشكل مباشر أو غير مباشر  بنتائج استخدامه على البيئة والصحة العامة.

Pin It on Pinterest

Share This