نتابع تصريحات وخطابات وزير البيئة بشأن إدارة النفايات، وإذ نرحب ترحيبا كبيرا بانتقال الخطاب الرسمي إلى مواقع البيئيين وتبني رؤيتهم للإدارة المتكاملة للنفايات، والتي يشكل الفرز من المصدر الحلقة الأولى الضرورية والهامة في سياق ما تتطلبه الإدارة المتكاملة من حلقات، تستكمل فيها دورة استرداد الموارد وتدويرها وتحويلها وتصنيعها، والتخلص السليم بيئيا من متبقيات كل تلك العمليات في مطامر صحية تستوفي كل الشروط والمعايير البيئية. إن لناحية مواصفات الموقع، أو لناحية البنية الهندسية النظامية المكتملة، ولناحية سلامة ودقة التشغيل بما يحمي أوساط البيئة والصحة العامة من أية مخاطر.

جميل جدا أن تتحول مسألة الفرز من المصدر من شعار حملته الحركات البيئية عبر العقود، وجهدت لتطبيقه من خلال مبادرات ومحاولات وتجارب في مختلف المناطق اللبنانية، إلى سياسة رسمية مشرَّعة في مرسوم تطبيقي ملزم لجميع اللبنانيين ومؤسساتهم.

ولكن، نحن نطالب وزير البيئة بالذهاب أبعد من الإكتفاء بإصدار المرسوم، كي لا يكون مصيره مثل مصير العديد من المراسيم البيئية، التي يتم عرقلة تطبيقها من قبل السلطات المسؤولة عن تنفيذها والسهر على تنفيذها من قبل الآخرين. نريده أن يذهب بعيدا في تغيير آلية الخيارات بشأن البيئة في لبنان، ولا سيما في ملف النفايات الأكثر تأثيرا على البيئة والصحة العامة، وعلى الأبعاد الإقتصادية والإجتماعية.

نعم، يمكننا أن نستعيد 70%، وربما أكثر، من الموارد الثانوية الموجودة في النفايات، وهذا بالطبع  يتطلب استكمال الحلقات ما بعد الفرز من المصدر بدقة وفعالية.

إحداث التغيير المطلوب بنظام الجمع والنقل بحيث يستغني كليا عن شاحنات الضغط، ويستبدلها بشاحنات تسمح بنقل الموارد بطريقة لا تعيق إعادة تدويرها وتحويلها وتصنيعها.

تجهيز وتفعيل مراكز الفرز الآلي، لاستكمال عمليات الفرز والتعريب، تمهيدا لتوضيب الموارد بصورة تكون معها صالحة للتدوير. ومن جهة أخرى، تجهيز وتفعيل مراكز تسبيخ النفايات العضوية، التي تستقبل المواد العضوية المفروزة من المصدر كي تحولها إلى سبيخ عالي الجودة، صالح للتسويق محليا وعالميا.

نحن أشرنا في مقال سابق يتعلق بنقد مرسوم الفرز من المصدر، وسجلنا ملاحظتين رئيستين عليه. الأولى، عدم تضمينه فئة النفايات الخطرة من النفايات الصلبة المنزلية، وتجاهل وجودها تماما، والثانية، غياب ذكر مراكز التسبيخ لاستقبال النفايات العضوية المفروزة من المصدر كي تتم معالجتها وتحويلها إلى منتج ذي قيمة عالية.

نعم، نحن بحاجة إلى مطامر نظامية هندسيا، ومجهزة بنظام جمع العصارة لمعالجتها، وجمع الغازات للإستفادة منها في إنتاج الطاقة. ولكن لا نتفق مع وزير البيئة بأن مواقع المطامر يتم اختيارها بالتوافق السياسي. إن هذا المستوى من النظر حيال هذا الأمر المفصلي وعالي الأهمية، يبقينا أسرى الفوضى، التي حكمتنا حتى اليوم، وأوصلت البلد إلى ما هو عليه من تلوث تجاوز كل حدود مقبولة وفي كل الأوساط، بحرا وهواء وتربة ومياها سطحية وجوفية، وأوصل حالة الأمان الصحي للشعب اللبناني إلى هذا المستوى الخطير من ازدياد وتائر التعرض للأمراض السرطانية وغيرها من الأمراض المزمنة والخطيرة.

إن اختيار المواقع المناسبة للمطامر يتم عبر وضع دراسات تقييم أثر بيئي واجتماعي كاملة ومهنية، وفق ما ينص عليها مرسوم “أصول تقييم الأثر البيئي” لكل المشاريع، بما فيها، بل ولا سيما، مشاريع المطامر. إن دراسات تقييم الأثر البيئي والإجتماعي تتضمن فصلا يتعلق بدرس البدائل. إن درس بدائل المواقع وفق منهجية علمية وبالإرتكاز على معايير بيئية وصحية واجتماعية، من شأنه أن يحدد لنا، ولوزير البيئة في المقدمة، وللقوى السياسية كافة، التي يفترض أن تكون مسؤولة عن حماية البيئة وعن صحة الشعب الذي تسعى لتمثيله، درس البدائل من شأنه أن يحدد لنا المواقع المناسبة بيئيا وصحيا لإنشاء المطامر الصحية، التي يجب أن تستقبل بالحد الأقصى 30% من متبقيات عمليات التدوير والتحول التصنيع.

ليس التوافق السياسي على مواقع المطامر غير المدروسة بيئيا ولا صحيا ولا إجتماعيا، هو المدخل البيئي، الذي يجب أن يدعو إليه ويشدد عليه وزير البيئة، وهو المسؤول عمليا عن تطبيق والسهر على تطبيق مرسوم “أصول تقييم الأثر البيئي”، وأحكام ومندرجات قانون حماية البيئة رقم 444 للعام 2002.

من جهة أخرى، نتمنى على الجميع، وضمنا وزير البيئة، الترفع عن رمي الإتهامات يمينا ويسارا. نحن لا نشيطن المطامر، وليست مهمتنا الشيطنة، بل مهمتنا قول الحقيقة كاملة ودون تجميل ودون تدوير للزوايا للناس، بل نضع المطامر الصحية النظامية، والتي تم اختيار مواقعها بطريقة سليمة، وبناء على معايير بيئية وصحية، في مكانها الصحيح كحلقة من حلقات الإدارة المتكاملة للنفايات، تستقبل بشكل آمن بيئيا وصحيا متبقيات عمليات الفرز والتدوير والتحويل والتصنيع، وليس أن تستقبل كل النفايات أو 85-95% منها كما يحصل حتى اليوم.

نحن لا نشيطن المطامر الهندسية النظامية، ولا نسميها صحية لأنها ليست كذلك، بل نضع الشروط والمعايير، التي يجب أن يتم احترامها عند الحديث عن المطامر، ولا سيما لجهة مواصفات الموقع، والبنية الهندسية النظامية، وإدارة التشغيل الآمن بيئيا وصحيا. ولذلك، ندعو إلى الإبتعاد عن استخدام هذا المستوى من النقاش عند تناول هذه المسألة.

يمكننا الآن أن نكون أكثر وضوحا على ماذا نتفق وعلى ماذا نختلف في الواقع.

نحن نتفق على الفرز من المصدر، ونطالب بوضع نظام الجمع والنقل على طاولة البحث والنقاش، وعدم تغطية الممارسات الحالية، التي تشكل جزءا من المشكلة. ونطالب بإضافة الحديث عن مراكز استقبال المكونات العضوية لتسبيخها وإنتاج سبيخ Compost عالي الجودة.

نحن نختلف كثيرا في مسألة معايير اختيار مواقع المطامر، ونتابع النقاش بشأن تجهيز بنيتها الهندسية النظامية، وسنستمر بنقاش نظام إدراة تشغيلها الآمن بيئيا وصحيا، ونعمل على أن لا تتجاوز نسبة المتبقيات 30% في البداية، على أن تنخفض تدريجيا هذه النسبة سنة بعد سنة.

التوافق السياسي لا يشكل معيارا صالحا لكي تتم عملية اختيار مواقع المطامر الهندسية النظامية على أساسها.

من المفيد أن يسعى وزير البيئة إلى تعويم المعايير البيئية عبر تطبيق القانون والمراسيم البيئية النافذة، والتي تضمن حماية البيئة وتخفيف أثر المشاريع على البيئة والصحة والمجتمع إلى حدود مقبولة.

 

Pin It on Pinterest

Share This