تُرجمت الرؤية العميقة لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف حين قال في نيسان/ابريل الماضي: “بعد إلغاء الإتفاق النووي بصورة غير قانونية من قبل أميركا، لم تستطع أوروبا إبراز إرادة سياسية لمواجهة الإرهاب الإقتصادي الأميركي،…، وإنه بدلاً عن ذلك فإن الدول الأوروبية الثلاث منهمكة بإرضاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب “.

 

يومها، قَصَدَ الوزير بالدول الثلاثة ألمانيا-فرنسا وبريطانيا، وهذه الأخيرة، قامت منذ أيامٍ بالإستيلاء على  ناقلة النفط الإيرانية “غريس 1” (هبط 30 جندياً من البحرية الملكية البريطانية، على سطح السفينة من مروحياتٍ طراز “وايلد كرافت”)، تنفيذاً لأوامر أتت من الولايات المتحدة الأميركية( بحسب القائم بأعمال وزير الخارجية الإسباني “جوزيب بوريل”).

العملية أقل مايقال عنها، تبعاً لقوانين الملاحة العالمية، أنها قرصنة موصوفة، ومخالفة علنية للشرعية الدولية، ذلك كون الناقلة كانت في المياه “المفتوحة” الدولية.

 

“الإنكليز”، الذين لم يزعجهم مرور سفنٍ وحاملات طائراتٍ عملاقةٍ، بمرافقة وحماية قوات بحرية تابعة للحلف الأطلسي، أثناء الحشد للحرب على العراق في عام 2003، كما لم تزعجهم يوماً، شُحنات النفط التي كان يُصدّرها تنظيم “الدولة الإسلاميّة” والتي درت على خزينتهم  مليارات الدولارات شهرياً، لا بل وظفوا لذلك سماسرة ووسطاء من تركيا وإقليم كردستان العِراق،الآن  أزعجتهم ناقلة النفط الإيرانية، التي قالو أنَّ لديهم شكوكاً (غير متأكدين) بحجم شكوكهم التي بنوا عليها قرارات الحرب على العراق، ومن بعدها على اليمن وسوريا، مجرد شكوك تقول أنَّ الناقلة تتجه لتفريغ حمولتها في سوريا، وهذا من وجهة نظرهم (الإنسانية جداً)، يُعتبر خرقاً للعقوبات الإقتصادية المفروضة على الدولة السورية، وأمراً سيمنح الشعب السوري قليلاً من الرفاهية النفطية…فعلاً الأمر مزعج لدولةٍ إستعماريةٍ بامتياز.

 

انزعج  الإنكليز، ظاهرياً، فيما كانت فرحتهم عارمة باطنياً، فقد كانوا على علمٍ مسبقٍ، بأنَّ عميلة الإستيلاء(القرصنة) على ناقلة النفط الإيرانية “غريس 1″، التي تبلغ طاقتها الإستيعابية أكثر من مليوني برميل من النفط الخام، ستنال رضى الكاوبوي الأميركي، وبالفعل فقد وصفها “جون بولتون” مستشار الأمن القومي الأميركي، بالخبر الممتاز، ثم انهم كانوا متأكدين أنهم بهذه القرصنة يقدمون خدمة كبيرة لدولة الكيان الصهيوني، كون العملية  تُضيّق الخناق على دولتين من محور المقاومة(سوريا وإيران).

 

ومقارنةً بمشاركتهم(الأنكليز) في الحرب على سوريا، تأتي عملية القرصنة هذه، تحصيل حاصل، فهم دعموا، دربوا، و زودوا علناً ومنذ عام 2011 كل المجموعات الإرهابية التي تقاتل ضد الدولة السورية، بأحدث الأسلحة والتجهيزات الفنية، بالإضافة الى مستلزمات الحرب الالكترونية، وأجهزة الإتصالات والتشويش والمناظير الليلية، عداك عن الدعم المالي المباشر، كما تبنت بشكلٍ شبه مطلق “منظمة الخوذ البيضاء” (بلغ إجمالي التمويل الذي قدمته لتلك المنظمة، حتى ربيع عام 2018  حوالي 40 مليون جنيه استرليني)، ودربتها على فبركة كل مسرحيات الهجوم الكيماوي في خان شيخون ودوما وغيرها، وكل ذلك بحجة أنها تحارب الإرهاب الوهابي، علماً انَّ عدد المساجد المنسوبة إلى الوهابية في بريطانيا، ارتفع من 67 مسجداً في 2007، إلى 101مسجداً عام 2015، اضافة الى أنه توجد حوالي 25 مدرسة سعودية في بريطانيا.

 

“بريطانيا” التي عاثت فساداً في الأرض، منذ أن استعمرت  “هونغ كونغ” بهدف التدخل في شؤون الصين، واستعمرت قبلها الهند وغالبية بلدان القارة السمراء “افريقيا” فنهبتها مُغرقةً شعوبها في الفقر والأمية، ولاتزال تحتل جزر “المالفيناس” الأرجنتينية، و تقتل يومياً أطفالاً أبرياء في حربها على  اليمن السعيد، تتحرش اليوم بإيران وريثة الحضارة الفارسية، بهدف إركاعها وفرض عليها الإلتزام بالعقوبات المفروضة على سوريا، أيضاً لإركاعها.

 

كل ذلك سعياً منها لإرضاء “ترامب” الذي يبدو أنه مُصاب بوسواس قهري سياسي، يجعله يُصر على لعب دور السمسار، مُعتبراً كل شيء على هذا الكوكب عبارة كسلعةٍ، يفتح لها مزاداً تُباع فيه وتُشرى، ذلك بعد أن فشل فشلاً ذريعاً في لعب دور شرطي العالم، حيث أرهقه صبر الإيراني، وصمود الشعب السوري، ولم يعد يعره الصبي الكوري(الشمالي) أية أهميةٍ، و بعد أن أفقده القيصر الروسي وزنه كزعيم لسياسة القطب الواحد، وتحدته الصين مراراً.

ويبقى السؤال: هل ستُرضي عملية القرصنة هذه، رغبة ترامب الجامحة بتحويل شعوب المنطقة الى سلعٍ، يُسمسر عليها خدمةً لــ”اسرائيل”؟، أم أننا سنشهد عمليات قرصنةٍ للإنسانية، وإن بأشكالٍ جديدة؟

 

Pin It on Pinterest

Share This