في سائر دول حوض البحر الأبيض المتوسط ثمة مراكز علمية متخصصة محددة مهامها لجهة حماية السلاحف، وهذه المراكز تعنى بتوفير الظروف الملائمة للتعشيش، فتمنع أية فعاليات سياحية على الشواطئ، وفي بعض الدول العربية، ولا سيما قطر والإمارات العربية المتحدة تغلق شواطئ بكاملها في سياق خطة تهدف إلى حماية السلاحف، ولا سيما السلحفاة صقرية المنقار Eretmochelys imbricata المهددة بالانقراض في كافة محيطات وبحار العالم.

وتعنى هذه المراكز أيضا بمتابعة ورصد السلاحف من أجل الوقوف على تفاصيل علمية وإعداد دراسات، فضلا عن الاهتمام بالسلاحف المصابة نتيجة اصطدامها بالمراكب وغيرها من الأسباب التي تبقي هذه الكائنات عرضة لحوادث عرضية، فتعالج ومن ثمة يجري إخضاعها للتأهيل قبل إعادة إطلاقها في البحر.

 

سياحة السلاحف

 

أبعد من ذلك، فقد بدأت بعض دول المتوسط تعميم ما بات يعرف بـ “سياحة السلاحف”، تعزيزا للسياحة البيئية أو المستدامة، ففي تركيا على سبيل المثال تنظم رحلات سياحية من أجل مواكبة إطلاق صغار السلاحف، وهذه السياحة خاضعة لشروط خاصة، إذ ثمة مرشدون سياحيون متخصصون، يوجهون السياح لسلوك ممرات خاصة، أي بعيدا من الفوضى.

وبدأت هذه السياحة تلقى رواجا، وتستقطب جمهورا من السياح من مختلف أنحاء العالم، أي أن كثيرا من الدول بدأت في تكريس الاستدامة والإفادة من ثرواتها الطبيعية، وهذا ما يصح أيضا على صعيد سياحة الطيور المهاجرة.

 

جشع رأس المال

 

نورد هذه الأمثلة لنؤكد أن السلاحف في لبنان يمكن أن توظف (بالمعنى الإيجابي) في تعميم سياحة مستدامة، ما يقتضي أولا وقف تمدد الإسمنت على امتداد الشاطئ اللبناني، وحماية ما بقي منه، وهنا لا بد من إطلاق مشروع بالتنسيق مع الوزارات المعنية لتعميم السياحة الشاطئية أبعد بكثير من الترفيه، ولا سيما بين وزارات السياحة، البيئة، الزراعة والدخلية.

لقد آن الأوان أن نقتدي بدول تحترم ثرواتها وتحافظ عليها، ونملك من الإمكانيات ما يتيح لنا البدء في ترسيخ مفاهيم وأفكار جديدة بعيدا من جشع رأس المال الساعي إلى الربح السريع، بمعنى الاستثمار في التنوع الحيوي والحفاظ على ثروات نراها تنحسر وتختفي في ظل غياب التوجهات الخلاقة لرفد الاقتصاد بمقومات أكبر، وبعيدا من النظرة التقليدية التي سادت عقودا طويلة، وشوهت معالمنا ودمرت بيئتنا وطبيعتنا.

 

الوعي والمسؤولية

 

إنتشر على مواقع التواصل خبر وشريط فيديو لسلحفاة بحرية على المسبح الشعبي في مدينة صيدا – جنوب لبنان، وبحسب ما تأكدنا منه في greenarea.me، فإن الخبر نشره أحد المواقع الإلكترونية في مدينة صيدا، وبدا من طريقة صياغته وتقديمه أن المقصود تحقيق سبق صحفي لا أكثر ولا أقل، وهذا ما ينافي الحد الأدنى من الوعي والمسؤولية في التعاطي مع ظاهرة توجه السلاحف إلى الشواطئ في هذه الفترة من السنة من كل عام.

وجاء في الخبر من مصدره، أنه “عثر مساء اليوم على سلحفاة كبيرة على المسبح الشعبي بجانب الملعب البلدي وحاول عدد من المواطنين ارجاعها الى البحر”.

وتابع الخبر أنه “على الفور أرسل عضو المجلس البلدي كامل كزبر وفدا من لجنة البيئة في البلدية لمعاينة الواقعة والاهتمام بالسلحفاة”.

 

مداها الحيوي

 

ما بدا فاقعا أن السلحفاة تحتاج هذه الفترة إلى أن يبتعد عنها الجميع، وإلى إطفاء الأنوار والحد من الحركة والضجيج، لا إعادتها للبحر خصوصا وأنها لم تتطفل على المسبح الشعبي، فهذا مداها الحيوي وجزء من محيطها المطلوب كي تضعها بيوضها وتتكاثر.

في المقابل لا يمكن إلا التنويه بما بذله عضو بلدية صيدا كامل كزبر، ذلك أن همه تمثل في حماية السلحفاة، لكن الأمر كان يتطلب الاستعانة بخبير في مجال السلاحف، ومراعاة جملة من الأمور ولا سيما في هذه الفترة من السنة.

 

Pin It on Pinterest

Share This