حقق اليوم الأخير من مؤتمرات الإتفاقيات الدولية الكيميائية، في إطار الأمم المتحدة للبيئة، إنجازا هاما تمثل في إخضاع تصدير النفايات البلاستيكية المختلطة والملوثة لنظام المراقبة لاتفاقية بازل، الذي يتطلب الموافقة المسبقة لبلدان الإستيراد قبل تحقيق عمليات التصدير.

هذا القرار الهام كان مدعوما من 187 دولة مشاركة في مؤتمرات الإتفاقيات الكيميائية، التي عقدت في جنيف، المدينة السويسرية، بين 29 نيسان (إبريل) و10 أيار (مايو) 2019. وعملت من أجل تحقيقه بقوة وتفاني كل المنظمات غير الحكومية المشاركة بصفة مراقب، وفي مقدمتها منظمة آيبن IPEN – International Pollutants Elimination Network، التي نعتز بالعمل في صفوفها تحت شعار “من أجل عالم خال من السموم”. وكذلك المنظمة العالمية المتخصصة بمتابعة ومراقبة تطبيق اتفاقية بازل لحركة انتقال النفايات في التجارة الدولية، المشروعة وغير المشروعة، “شبكة العمل من أجل بازل Basel Action Network BAN”، وغيرها الكثير من مجموعات المجتمع المدني من كل قارات الأرض، والمناضلة من أجل العدالة البيئية، والإقتصاد الدائري المتميز بالأخلاق عبر العالم.

كان متوقعا أن يشهد العالم “تسونامي” من تصدير النفايات البلاستيكية المختلطة والملوثة والمحتوية على مواد خطرة، وبمجملها غير قابلة لإعادة التدوير، من الدول الصناعية المتقدمة في أميركا وكندا والإتحاد الأوروبي واليابان وأستراليا ونيوزيلندا والبرازيل باتجاه البلدان النامية في إفريقيا وآسيا، ومنها لبنان، تحت عناوين مضلِّلة، تارة من أجل إعادة التدوير، وطورا من أجل إنتاج الطاقة، حيث يكون مصيرها الحقيقي في المكبات العشوائية، أو في المحارق، التي تنشر التلوث عالي الخطورة في الجو والأرض والمياه والسلسلة الغذائية.

كانت الصين لسنوات طويلة تستورد نسبة كبيرة جدا من مجمل نفايات التغليف والنفايات البلاستيكية للدول الصناعية في العالم. هذه النفايات المستوردة كان معظمها ملوثا وغير قابل لإعادة التدوير، مما أدى إلى تلويث مناطق واسعة جدا من الأراضي الصينية، شملت المدن الكبرى والمناطق الريفية أيضا. في الأول من كانون الثاني (يناير) 2018، إتخذت الصين قرارا بمنع استيراد هذه النفايات، معتمدة سياسة جديدة حيال المعايير البيئية وتخفيف مصادر التلوث. منذ هذا التاريخ دخلت “صناعة تصدير النفايات” في أزمة كبيرة، ظهرت بشكل بارز مع أزمة تصريف النفايات في “معهد الصناعات التدويرية Institute of Scrap Recycling Industries ISRI”، الذي غيَّر وجهة آلاف المستوعبات المحملة بالنفايات البلاستيكية، الآتية من أوروبا وأميركا الشمالية، إلى البلدان الآسيوية مثل الهند وتايلاند وماليزيا وأندونيسيا. هذه البلدان، إضطرت بسرعة أن تمنع استيراد هذه النفايات، بعدما لمست حجم الكارثة البيئية والصحية، التي تسببها.

في جلسات المؤتمرات في جنيف، جهدت الولايات المتحدة الأميركية، وهي ليست عضوا طرفا في اتفاقية بازل بشأن النفايات الخطرة، مع الأرجنتين والبرازيل، لإخضاع الإتفاقية لمصالح “معهد الصناعات التدويرية” والصناعة البلاستيكية والكيميائية الحاضرة في المؤتمر. كل هذه الجهود باءت بالفشل، وتمت الموافقة على القرار بالتسوية، موجهة صفعة كبيرة للولايات المتحدة ومجموعتها، التي عملت بقوة على إفشاله.

إن الولايات المتحدة الأميركية هي الخاسر الأكبر من إقرار إخضاع تصدير النفايات البلاستيكية المختلطة والملوثة إلى نظام مراقبة اتفاقية بازل، ونظام الموافقة المسبقة للبلدان الموردة إليها تلك النفايات. وذلك يعود لكون الولايات المتحدة ليست عضوا في الإتفاقية، وأنظمة اتفاقية بازل تمنع الإتجار بالنفايات بين الدول غير الأعضاء في الإتفاقية والدول الأعضاء فيها. وبالتالي إن أي تصدير بعد اليوم للنفايات من الولايات المتحدة الأميركية إلى البلدان النامية العضوة في الإتفاقية، سوف يعتبر إتجارا غير مشروع.

وكذلك الإتحاد الأوروبي سوف يكون ممنوعا عليه أن يصدَّر نفايات بلاستيكية مختلطة وملوثة إلى البلدان النامية، وضمنا لبنان، حيث أن الإتحاد الأوروبي كان قد منع تصدير النفايات الخاضعة لمراقبة إتفاقية بازل إلى البلدان النامية.

منذ تاريخ 10 أيار 2019، تاريخ إقرار المؤتمر 14 لاتفاقية بازل، قرار إخضاع تصدير النفايات البلاستيكية المختلطة والملوثة لنظام مراقبة الاتفاقية، ونظام الموافقة المسبقة من الدولة المستقبِلة، سوف يكون ممنوعا على الولايات المتحدة الأميركية تصدير نفاياتها هذه إلى البلدان النامية العضوة في الإتفاقية، تحت طائل اعتبار هذا التصدير إتجارا غير مشروع، مصنفا جريمة بيئية وفق القانون الدولي، ويلزم دولة التصدير على استرجاعها على نفقتها فورا. وستكون مضطرة للتعامل مع نفاياتها داخليا، وهذا ما سيساعد على دفع مجمعاتها الصناعية الكبرى للتخفيف من توليد النفايات البلاستيكية، وبالتالي التخفيف من عبء التلوث بالبلاستيك عبر العالم.

إنه قرار عالي الأهمية، حيث جعل من غير المشروع تصدير الولايات المتحدة لنفاياتها البلاستيكية إلى البلدان النامية، وجعل أيضا من غير المشروع تصدير الإتحاد الأوروبي لهذه النفايات من بلدانه إلى البلدان النامية.

إنه قرار عالي الأهمية، حضَّرته وتقدمت به حكومة النرويج، تفاديا لـ”تسونامي” تصدير النفايات البلاستيكية الخطرة، المختلطة والملوثة وغير الصالحة لإعادة التدوير، من الدول الصناعية إلى البلدان النامية.

إنه قرار عالي الأهمية لأنه سيتيح للبلدان النامية، وضمنا لبنان طبعا، أن تعرف مسبقا بكل شحنات النفايات المنوي تصديرها إليها، ويعود لها سياديا قرار الموافقة أو الرفض.

نعم أصبح للبلدان النامية حق الرفض المسبق لأية شحنة مشبوهة لنفايات مختلطة أو ملوثة، أو لأي نفايات ترى سلطاتها أنها تشكل خطرا على البيئة والصحة العامة، أو أنها لا تلبي مصالحها في أي وجه من الوجوه.

إن هذا القرار، منذ هذه اللحظة، يرتِّب مسؤوليات كبيرة على حكومات البلدان النامية، وسلطاتها المعنية بتطبيق إتفاقية بازل.

وعندنا في لبنان، هذا القرار الهام، يرتب مسؤوليات كبيرة على وزارة البيئة، باعتبارها السلطة المختصة بتطبيق إتفاقية بازل، وباعتبارها جهة الإتصال الوطنية لهذه الإتفاقية، وزيرا وخبراء ومعنيين على كل المستويات الإدارية والفنية، ترتقي إلى أعلى المسؤوليات الوطنية، حفاظا على بيئة لبنان وصحة شعبه، لهذا الجيل والأجيال القادمة.

هذا القرار الهام، يضعنا جميعا أمام مسؤولياتنا الوطنية لحماية بيئة بلدنا وصحة شعبنا، مطالبين السلطات المختصة بإشراك فعال وجدي للمنظمات غير الحكومية المعنية والمتابعة تاريخيا لاتفاقية بازل، وممثلي المجتمع المدني، وبأعلى مستوى من الشفافية والإشهار والعلانية في تطبيقه من قبل كل الجهات المسؤولة والمعنية في لبنان، بدءا من وزارة البيئة، مرورا بأجهزة الجمارك في كل مداخل العبور البرية والبحرية والجوية، وصولا إلى الأجهزة الأمنية الساهرة على أمن اللبنانيين وسلامتهم.

 

Pin It on Pinterest

Share This