لماذا نثير كل هذا الإعتراض والتخوف مما يجري في الإتفاقيات الكيميائية الدولية، وما يواكبها من تعديلات جوهرية على تشريعاتنا الوطنية حيال استيراد النفايات الخطرة، ولا سيما منها النفايات البلاستيكية؟

نحن نلاحظ من خلال متابعاتنا الحثيثة والمستمرة أن تغيرات كبيرة وعميقة تحدث في العالم، منذ توقف الصين عن استيراد 56% من النفايات الصناعية ، ولا سيما البلاستيكية من كل البلدان الصناعية، في أميركا وكندا والإتحاد الأوروبي وأستراليا واليابان وغيرها. فمنذ أواسط العام 2018 بدأت تطرح تعديلات خطيرة جدا على بعض الضوابط التقنية لاتفاقيات بازل بشأن إدارة النفايات الخطرة وانتقالها عبر الحدود (أي الإتجار بها بين الدول)، واتفاقية ستوكهولم بشأن الملوثات العضوية الثابتة الأكثر سمية على الإطلاق بين كل المواد الكيميائية. الملوثات العضوية الثابتة  POPs واسعة الإستعمال في الزراعة والصناعة، والتي تدخل في صناعة المنتجات البلاستيكية كمواد مثبطة للهب Flame retardants وفي الصناعات الإلكترونية وصناعة السيارات وغيرها الكثير من المنتجات. بعض هذه المواد يتولد دون قصد خلال بعض العمليات الصناعية وعمليات حرق النفايات في محارق، حتى في أحدثها وأكثرها تطورا تكنولوجيا.

مع رفع حد احتواء المواد والنفايات لمواد خطرة لكي تصنف نفايات ومواد خطرة، من 50 جزء من مليون إلى 10000 جزء من مليون (إقتراح الإتحاد الأوروبي لتعديلات على اتفاقية بازل للنفايات الخطرة) وإلى 1000 جزء من مليون (تعديلات على اتفاقية ستوكهولم للملوثات العضوية الثابتة)، نتوقع أن يشهد العالم “تسونامي” حقيقي لتصدير ملايين الأطنان من النفايات الصناعية، وفي المقدمة منها نفايات بلاستيكية ملوثة بالمواد الكيميائية الخطرة، وتحتوي على مواد مصنفة في عداد الملوثات العضوية الثابتة، القديمة منها والجديدة، كانت تصنف نفايات خطرة قبل هذه التعديلات، وبالتالي يمنع تصديرها الشرعي إلى الدول النامية، ومنها لبنان. وستصنف بعد هذه التعديلات نفايات غير خطرة، وبالتالي سيتم تصديرها إلى الدول النامية ومنها لبنان، دون أن تخضع لآليات إتفاقية بازل وضوابطها.

من اللافت للإنتباه لدينا، نحن المتابعين لهذه القضايا، أن هذه التعديلات المقترحة من الإتحاد الأوروبي، والمؤيَّدة من كل الدول الصناعية، قد واكبها تعديلات عميقة وخطيرة في التشريعات اللبنانية أيضا، تجلى ذلك بعدد من مواد قانون إدارة النفايات، الذي أقر مؤخرا، رقم 80 تاريخ تشرين الأول 2018.

إذن، التحضيرات جارية على قدم وساق، أوروبيا وعالميا ولبنانيا، للدخول في عصر محارق النفايات القادرة على استيعاب آلاف الأطنان من النفايات البلاستيكية الأوروبية. وهذا أيضا يمكننا قراءته بوضوح في قروض وشروط وضغوط مؤتمر “سيدر” الذي تعتبره الحكومة اللبنانية خطا أحمرا لمصالح القوى الفاعلة فيها.

لماذا نحن نرفع الصوت الإعتراضي والتحذيري العالي جدا ضد كل هذه المتغيرات، ولا سيما على المستوى اللبناني؟ لأننا نتابع مخاطر انبعاثات وملوثات محارق النفايات في العالم، الصناعي والنامي على حد سواء، ورمادها السام، الذي يصل إلى نسبة 30% من وزن النفايات الداخلة إلى الحرق، وليس كما يقول المضلِّلون أنه في حدود 3% فقط.

تتوالى الدراسات من مناطق مختلفة من العالم. بعد الصين وتشيكيا والدانمرك وألمانيا والفيلبين، نشر مؤخرا تقرير جديد عن دراسة على الملوثات العضوية الثابتة، في بيض الدجاج في غانا وعدد من الدول الإفريقية، في محيط محرقة للنفايات البلاستيكية والنفايات الإلكترونية  (التقرير نشر منذ أيام في شهر نيسان – إبريل 2019).

إذن، ما نتخوف من حصوله في المستقبل القريب في لبنان، البلد الصغير، والمتميز بظروف مناخية وطوبوغرافية مميزة، لناحية قرب الجبال العالية من شاطيء البحر مما يولد حلقة دائرية للإنبعاثات في الجو بين البحر والبر، وتراكمها وتخفيف تشتتها، ويتميز أيضا بكثافة سكانية عالية جدا، خصوصا في المناطق الساحلية حيث يعيش 75% من الشعب اللبناني، أن يصبح وجهة مشروعة لاستيراد النفايات البلاستيكية والإلكترونية لدول الإتحاد الأوروبي، القريبة لنا في إقليم المتوسط، والتي تنخرط بنشاط في عملية “سيدر”، إقراضا واشتراطا وضغوطا.

ما نتخوف منه، ونحذر اللبنانيين من حصوله في المستقبل القريب جدا، أن يدخل الديوكسين والفوران، والملوِّثات العضوية الثابتة البرومية والكلورية شديدة السمية، وعالية الإستقرار والثبات الكيميائي، والقابلة للتراكم الحيوي، في منتجات السلسلة الغذائية، من منشأ حيواني ونباتي. أن تدخل هذه السموم الشديدة مع فطور الصباح في طبق “الأومليت”، أو مقبِّل العجة، أو ربما في حلوى عيد ميلاد الأحبة في “التارتا” و”الكيك”. وسوف تدخل أيضا، مع طبق الأسماك الشهي، لا فرق إن كان مشويا أو مقليا، أو نيئا على موائد اللبنانيين الشهية.

لا للمحارق، لألف سبب وسبب، لنؤكد المخاطر، التي نتحدث عنها مدعومة بالدراسات والتقارير التي نتابعها عبر العالم.

ندعو اللبنانيين أن يحملوا قضية صحتهم وصحة أطفالهم وأجيالهم الطالعة بأيديهم، وأن لا يعهدوا بها لهذه السلطة السياسية، التي لا يهمها إلا مصالحها المباشرة، وعلى حساب كل شيء. وأن ينخرطوا بقوة في مواجهة ما يُحضَّر للبنان من محارق للنفايات، ومن تعديلات تشريعية في القوانين، بما يسمح ويسهل استيراد النفايات البلاستيكية الخطرة فعلا، والمموهة بالتعديلات المخزية لإخفاء خطورتها، خدمة لمصالح فئات صناعية احتكارية تسعى لحل أزمة التخلص من نفاياتها على حساب صحة شعوب البلدان النامية، ومنها لبنان.

 

Pin It on Pinterest

Share This