الفرز من المصدر، والفرز في المراكز المتخصصة يشكل المدخل الضروري للإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة المنزلية، السليمة بيئيا والآمنة صحيا ومعقولة الكلفة، التي ندعو إليها منذ ثلاثة عقود.

ليس القول بالفرز منطلقا من تقليد لتجارب متفاوتة النجاح تحقق هنا أو هناك، داخل لبنان وخارجه، بل هو يرتكز على درس تحليلي لطبيعة وتركيب نفايات لبنان، التي إن أقدمنا على فرز المواد العضوية على الأقل منها في مصدر تولد النفايات، نكون بهذه الخطوة قد أرسينا مسارا للإدارة المتكاملة، سهل المتابعة ويوصل بكفاءة عالية إلى استرداد النسبة الأعلى من الموارد، التي تتكون منها النفايات.

لماذا نعيد هذا الكلام للمرة الألف، ونرى ذلك لا يزال ضروريا، ولن يصيبنا الملل من تكراره؟ لأن الرؤية القديمة، التي تعتبر النفايات “كتلة من المرفوضات مطلوب التخلص منها” تناسب من يحقق مئات ملايين الدولارات سنويا عبر عقود الكنس والجمع والكبس والطمر، والآن ذاهبون إلى استبدال الطمر بالحرق، الأعلى كلفة للإنشاء والتشغيل والصيانة، وسيكون بالطبع أعلى كلفة على البيئة والصحة العامة لما تشكله محارق النفايات من مصدر فظيع للتلوث بالإنبعاثات عالية السمية والخطورة، وبالرماد المصنف نفايات خطرة، ويتطلب إدارة خاصة للتخلص السليم بيئيا منه.

ولذلك شهدنا على مدى ثلاثة عقود ولا زلنا نشهد، تدخلات وممارسات ووضع عصي لعرقلة وإفشال أي محاولة جادة لإطلاق الفرز من المصدر. حيث نرى أن قوى ترتبط بأشكال متعددة ومختلفة بمصالح من يجني مئات الملايين من الخيارات المدمرة للبيئة والصحة العامة، والمستنزفة للمالية العامة وأموال البلديات، تقوم بهذا الدور بفعالية، مما أدى ويؤدي إلى إفشال مبادرات الفرز من المصدر وإظهارها بأنها غير قابلة للنجاح، وهذ طبعا غير صحيح على الإطلاق.

إن نجاح الفرز من المصدر له شروط تحققه الضرورية، وهم يعملون على عدم إنضاج هذه الشروط أو تشويهها وإفراغها من فعاليتها وقوة دفعها باتجاه تحقيق الأهداف الحقيقية للفرز، أي تدوير أعلى نسبة من الموارد، ومعالجة وتصنيع المكونات العضوية بأعلى فعالية ممكنة، بما في ذلك تصنيع الكومبوست، أو توليد البيوغاز وإنتاج الطاقة (الهضم اللاهوئي).

لم تسلم شعارات الفرز من المصدر من محاولات الإحتواء من قبل وزراء بيئة سابقين لمسايرة مطالبات البيئيين بها، وللسير بها كي تصب في طاحونة الطمر والحرق، أي استراتيجيات من تنهمر في جيوبهم أموال عقود النفايات وإدارتها.

إذا ما تابعنا كميات النفايات كيف تتنامى في لبنان، لوجب القول بضرورة وضع سياسات تخفيف النفايات، ولا سيما بعض المكونات صعبة الإدارة والمعالجة، والتي يشكل بعضها أزمة عالمية حقيقية، مثل المنتجات البلاستيكية ذات الإستعمال لمرة واحدة، وبعض أنواع مواد التغليف.

إن مسألة تخفيف كمية النفايات والتقليل من بعض مكوناتها ليست مسألة تتم بالتثقيف والتوعية فقط، بل هي تتطلب سياسات وقرارات تتعلق بالإنتاج والاستيراد والاستهلاك، ذات طابع اقتصادي ومالي وجمركي وإداري تضعها الدولة، حكومة وبرلمانا، لسن القرارات والمراسيم والقوانين بشأنها، كما نرى في كثير من الدول المتقدمة والنامية على السواء.

افتتح وزير البيئة الحالي نشاطه بإعلانه تأييد وتبني الفرز من المصدر. هذا جيد بالطبع، ولكن لكي يكون هذا التأييد والتبني فعالا، لا بد من أن يتحول إلى مدخل لاستراتيجية إدارة متكاملة للنفايات، سليمة بيئيا ومعقولة الكلفة، تتجه نحو تحقيق الفرز من المصدر، لتستكمل بنظام جديد للجمع والنقل يستبعد استخدام شاحنات الكبس والضغط. ويستلزم تشغيل مراكز الفرز والمعالجة، التي بنيت وجهزت بهبات من الإتحاد الأوروبي في كل المناطق، وهي ذات قدرة استيعابية توازي كل كميات النفايات المتولدة في لبنان. ويتطلب أيضا تطوير عمل وفعالية مراكز المعالجة الهوائية لإنتاج كومبوست عالي الجودة من النفايات العضوية المفروزة من المصدر. ومن جهة أخرى، إن هذا المنطق يستكمل بتطوير وتشجيع مراكز المعالجة بالهضم اللَّاهوائي، باعتبارها قادرة على استقبال المكونات العضوية للنفايات الصلبة المنزلية يضاف إليها الوحول المتولدة عن عمل محطات معالجة المياه المبتذلة والمسالخ دون العظام وأسواق السمك والخضار، وذلك لتوليد البيوغاز، وبالتالي توليد الطاقة الأنظف.

هل يضمر وزير البيئة، المتحمس جدا للفرز من المصدر هذا المسار الإستراتيجي لإدارة النفايات؟ أم أن المحارق، التي تحضِّر لها بلدية بيروت والقوى السياسية كلها تقريبا في مجلس الوزراء والبرلمان، سوف تطيح بمشروعه للفرز من المصدر؟ محارق النفايات، التي إن تحققت أدت إلى نسف كامل للحديث الجدي عن الفرز ورفع فعالية التدوير واسترداد الموارد والمعالجة والتحويل، وحماية البيئة والصحة العامة وحفظ المال العام.

Pin It on Pinterest

Share This