ليس مقبولا الإستمرار بالسكوت على كارثة “الأسبستوس” في لبنان. فهي شكَّلت على مدى السنين الماضية سببا مباشرا لتعرض عمال معمل الإترنيت في الهري – شكا، شمال لبنان، وعائلاتهم وعموم سكان المنطقة، بل يمكننا القول عموم العابرين على أوتوستراد بيروت – طرابلس، لألياف الأسبستوس الموجودة في بيئة العمل وعلى ألبسة العمال والمنتشرة في هواء المنطقة.

ربما يقول البعض، ممن لا يعرفون الكثير عن هذه المادة ومخاطرها، أن معمل الإترنيت قد أقفل منذ سنوات طويلة، ولكننا نقول لكل من يعنيه الأمر، من المواطنين والمهتمين والمسؤولين، أن المخاطر الصحية الكبرى لا تزال جاثمة على قلوبنا جميعا. فالمعمل، الذي شكل على مدى سنوات تشغيله وسنوات ما بعد إقفاله موقعا ملوثا بالأسبستوس، هدد ويهدد بمخاطره الكبيرة الصحة العامة، لا يزال موقعا ملوثا يحتاج إلى خطة محكمة لمعالجته وإزالة احتمالات الخطر المستمرة، المتأتية عن كميات المواد والمنتجات المحطمة المخزنة في موقع المعمل المقفل. وكذلك أيضا المتأتية عن المكب، الذي كان يستعمله المعمل خلال فترة تشغيله، والذي لا نعرف اليوم عنه شيئا، ولا المصير الذي آل إليه، حيث كان يقع في أرض على الجهة اليمنى لطريق طرابلس باتجاه بيروت، حوالي 200 متر قبل نفق شكا.

ألأسبستوس، أو الأميانت، أو الحرير الصخري، هي مادة طبيعية، تتكون من ألياف صغيرة جدا ومتناهية الصغر، عند دخولها إلى الرئتين عن طريق التنشق، تسبب سرطان الرئة وسرطان الميزوثليوما (غشاء الرئتين)، والأسبستوز، وهي كلها أمراض خبيثة وخطيرة ومميتة. استعملت هذه المادة في كل أشكال وجودها، بشكل واسع في الصناعة كمادة عازلة للحرارة، وكمادة مساعدة على لحمة الخلائط الإسمنتية وغير الإسمنتية، ودخلت في تركيب العديد من المنتجات. ولكن ما معروف لدى الكثيرين، استعمالها الواسع في ما يسمى “الإترنيت”، أو الإسمنت المقوى بالأسبستوس، حيث يتم إضافتها للإسمنت لإكسابه ميزات ميكانيكية وفيزيائية وصلابة هامة. صنع منها السقوف والألواح وأنابيب نقل المياه والصرف الصحي والعديد من المنتجات الأخرى. ودخلت في صناعة ألواح مكابح السيارات، وعوازل الأفران وعوادم السيارات وغيرها.

إن السمية المسرطنة لألياف الأسبستوس جعلت من كل استعمالاته خطرا حقيقيا على الصحة البشرية، مما دفع العديد من دول العالم لمنع استعماله، ووضع قيود صارمة على المنتجات التي تحتويه. بقي الكريزوتيل Chrysotile، وهو ما يسمى بالأسبستوس الأبيض، الذي أصرت الدول المنتجة على الإستمرار بإنتاجه وإدخاله في العديد من المنتجات، تحت ذرائع واهية بأنه أقل خطرا من الأسبستوس الأزرق أو الكروسيدوليت  Crocidolite، والأسبستوس البني أو الآموسيت Amosite، الذين منعا من الإستعمال منذ أكثر من عقدين.

إتفاقية روتردام، وهي واحدة من الإتفاقيات الكيميائية الثلاثة، المتعلقة بتطبيق إجراء الموافقة المسبقة عن علم على مواد كيميائية ومبيدات في التجارة الدولية، تهتم بتصنيف المواد الكيميائية الخطرة لإخضاعها لإجراءات هذه الآلية، بهدف تقاسم المسؤولية بين الدول في استيراد المواد الخطرة. تعقد هذه الإتفاقية، أواخر هذا الشهر وبداية شهر أيار (مايو) المقبل في جنيف، مؤتمرها التاسع. يشكل موضوع الأسبستوس وإدخال الأسبستوس الأبيض أو الكريزوتيل إلى لائحة الملحق الثالث، أي لائحة المواد الكيميائية عالية الخطورة، واحدا من أهم المواضيع على جدول أعمال المؤتمر. تم إدراج هذا المسألة مرفقة بمشروع قرار بشأنه، بعد أن مهد لذلك قرار كندا، وهي من أكبر البلاد المنتجة والمصدرة للأسبستوس، اعتبار الكريزوتيل، إسوة بالأنواع الأخرى من الأسبستوس، مادة عالية الخطورة، وموافقتها على وقف إنتاجه وإقفال مناجمه.

سيتم بحث مشروع القرار المدرج في وثيقة المؤتمر التاسع UNEP/FAO/RC/COP.9/10/Add.1، في النقطة 5 (ب) من جدول الأعمال. وأهم ما في هذه الورقة المراجعة الدقيقة والحاسمة والموثقة للأدلة الصارمة المتعلقة بسمية هذه المادة، وتسببها لسرطان الرئة والميزوثيليوما.

تقدم الإتحاد الأوروبي مع كل من استراليا وتشيلي بهذه الورقة المشتركة المبنية بالكامل على أسباب المخاطر الصحية البشرية، التي يمثلها الأسبستوس بكل أشكاله، وبشكله الأخير المتبقي لاتخاذ قرار منعه و إخضاعه لأقسى إجراءات الحد من استعماله. تؤكد هذه الورقة الهامة، على أن كل أشكال الأسبستوس يمكنها التسبب بسرطان الرئة وغشاء الرئتين والأسبستوز. وأهم ما في هذا السياق التأكيد على أنه لا يوجد حد للتعرض يمكن تحديده يكون تحته الأسبستوس آمنا، ولا يسبب مخاطر الإصابة بالسرطان. إذن، إن التعرض للأسبستوس يحمل خطر التسبب بالسرطان بمعزل عن تركيزه في الهواء، أي حتى مع التراكيز متناهية الصغر.

يمكن التعرض للأسبستوس عبر الهواء أو الماء أو الغذاء أو التعرض المهني للعمال وعائلاتهم. يمكن للعامة أن يتعرضوا أثناء تصنيع وإنشاء وتفكيك والتخلص من المواد والمنتجات المحتوية على الأسبستوس، أو عبر تلوث بيئي والتعرض البيئي لألياف الأسبستوس.

توصي الورقة المقدمة إلى المؤتمر التاسع للاتفاقية، والمرفقة بمشروع القرار، أن يتم جمع كل المواد الموجودة في المشاغل وأماكن العمل ونفايات الأسبستوس من قبل شركات مرخصة ومتخصصة بإدارة النفايات الخطرة، ونفايات الأسبستوس الخطرة، والتخلص منها بطرق سليمة وآمنة بيئا وصحيا.

تصنف الجهات الدولية للمواد المسرطنة الأسبستوس باعتباره “مادة مسرطنة من الفئة الأولى”، أي مادة مسرطنة مثبتة عند الإنسان.

لبنان دولة طرف في اتفاقية روتردام، وفي العديد من الإتفاقيات الكيميائية الدولية. ويمكن له الإستفادة من كثير من البرامج الدولية لتمويل معالجة المواقع الملوثة عالية الخطورة، حيث يعتبر موقع معمل الإترنيت في الهري – شكا، شمال لبنان، أكثرها خطورة على الإطلاق، وأكثرها تهديدا لصحة المواطنين، ليس فقط في المنطقة المحيطة بالموقع، بل لنطاق أوسع بكثير، ويهدد الصحة العامة بمخاطر لا يمكن تقبلها.

إن الدول المنتجة للأسبستوس والمصدرة له، وخصوصا تلك التي كان يستورد منها معمل الإترنيت سابقا، تتحمل مسؤولية قانونية ومعنوية وأخلاقية عن كل ما سببه من ويلات على العاملين وعائلاتهم وعموم سكان المنطقة ومن وفيات وحالات مرض، هي مستمرة مع استمرار هذا الموقع على حاله، موقعا ملوثا لم تتم معالجته بعد.

ندعو الحكومة، ولا سيما وزير البيئة، ووزير الصحة العامة، أخذ هذا الأمر على أعلى درجات الجدية والإلحاح، وإدراج خطة معالجة هذا الموقع على أعلى سلم أولويات العمل.

نضم صوتنا إلى أصوات كل العاملين على هذه القضية الوطنية الهامة، وخصوصا هيئة حماية البيئة في شكا، التي تحمل هذا الملف بكل أبعاده بجدية ومثابرة، مطالبين معالجة كارثة التلوث بالأسبستوس في لبنان دون أي تأخير أو مماطلة.

Pin It on Pinterest

Share This