قبل أن يعلنَ الربيع قدومه تطل بواكيره لتعلن انبعاث الحياة وتجددها مع دورة الفصول، في اليابسة كما في البحر، ويأتي الدفء كأنه صنو الحياة، يطوق الأرض بفرح غامر، حتى الشمس تبدو حاضرة بألق وجمال، فيما نرى كل الكائنات يستدرجها تناسل أشعتها بحلة ربيعية، وما تحمل معها من فيض أمل يضفي حيوية استثنائية على أنقاض رتابة الشتاء.

وفي هذه الفترة من كل عام، تطالعنا بحرا كائنات تترصد الدفء، ولكن بعضها يظل زائرا غير مرغوب فيه، ولا سيما قناديل البحر، هذه الكائنات الهلامية التي يأنف منها مرتادو البحر ويهابون لسعاتها.

وفي هذا السياق، تم رصد أعداد كبيرة من قناديل البحر عند شاطئ مدينة صور وجوارها، وقد وثقها البعض بالصور وشرائط الفيديو، ما مكننا من معرفة نوعها، علما أن مثل هذا الأمر لا يجب أن يتسبب بخوف، فالقناديل جزء من منظومة إيكولوجية تآلفنا معها في الماضي ولا نهابها اليوم، ولكن الأمر يتطلب القليل من الانتباه، تجنبا للسعات نحن في غنى عنها.

نور الدين

 

وللإطلال على هذه الظاهرة، أشار رئيس “الأكاديمة البحرية للغوص” حسين نور الدين لـ greenarea.me إلى أنه “نادرا ما شاهدت هذا النوع من قناديل البحر”، لافتا إلى أنه “سجلت اليوم (الخميس) أعداد كبيرة منه في بحر صور”.

وقال: “استغربت شكله ولونه وهذا ما استوقفني لألتقط فيديو له لمعرفة نوعه خصوصا وأن بحرنا شهد دخول الكثير من الأسماك والكائنات البحرية الغازية”.

 

باريش

 

وفي اتصال مع أخصائي البيولوجيا البحرية وعلوم البحار البروفسور ميشال باريش، أكد لـ greenarea.me أن “هذا النوع من قناديل البحر يعرف باسم Pelagia noctiluca، وقد سمِّيَ بهذا الاسم ويعني باللاتينية (ضوء البحر الليلي)، وذلك بكونه كائنا بحريا لديه القدرة على التوهج في الظلام”.

وقال باريش: “هو أحد الأنواع الأصلية المتواجدة في بحر لبنان، وظهوره في هذا الوقت ليس بغريب، ولكن أعداده قليلة قياسا لانتشار نوع آخر من القناديل يعرف باسم Rhopilema nomadica (كثير الترحال) يظهر عادة في الصيف، ومجموعات قليلة منه في الشتاء، إلا أن هذا النوع الأخير بدأ يظهر في وقت مبكر ويرحل في وقت متأخر، وقد لوحظ هذا الأمر خلال السنوات الماضية”.

وأشار باريش إلى أن “قناديل البحر تنتمي إلى مجموعة (القارصات) ولسعتها تكون سامة أحيانا، تسبب ألما يشبه ألم الحروق واحمرارا يدوم ساعات عدة”، وقال: “تختلف الإصابة من شخص إلى آخر بحسب حساسية الشخص وعدد الخلايا اللاسعة التي أصابته”.

 

الواخز البنفسجي

 

تجدر الإشارة إلى أن هذه القناديل التي شوهدت في بحر صور تظهر عادة في هذه الفترة من السنة، تعرف باسم “الواخز البنفسجي”، وعلى المواطنين الانتباه منه لكن دون خوف، وهو من القناديل اللاسعة وتسبب لسعته ألماً كبيراً، فضلا عن أنها قد تترك ندوبا على الجلد.

وقد اكتشف هذا القنديل البيولوجي فرانكو بيرون أثناء رحلة نابليون إلى مصر عام في العام 1775، وفي بداية الثمانينيات من القرن الماضي كان قنديل الواخز البنفسجي يتواجد بكثرةة في كافة أنحاء البحر الأبيض المتوسط، غير أن هذه الوفرة شهدت انخفاضا في بداية التسعينيات ولمدة عشرة اعوام قبل أن يؤدي ارتفاع درجة حرارة مياه المتوسط في عام 2003 إلى ارتفاع مستويات ظهور هذا القنديل، وأصبح وجوده ثابتاً في غرب البحر المتوسط.

ويمكن التعرف على قنديل Pelagia noctiluca من خلال لونه المائل إلى البنفسجي، وما يميزه خروج أربعة أذرع طويلة من الفم، كما تحيط بمظلة القنديل التي يصل قطرها احيانا إلى 10 سم ثمانية لوامس طويلة.

 

Pin It on Pinterest

Share This