هذا التقرير عالي الأهمية بشأن الوقود البديل-المتطلبات والتحديات، وضعه “إئتلاف إدارة النفايات” في لبنان. وهو يشكل وثيقة بالغة الأهمية لجميع المعنيين في لبنان، خاصة وأنه تظهر على الساحة اللبنانية شركات ومروجين لتقنيات غير مكتملة الوضوح في وقت لم توضع بعد البنية التشريعية الكاملة والمؤسسية والرقابية، وفي وقت لم توضع بعد استراتيجية وطنية واضحة المعالم ومبنية على الرؤية الحديثة لإدارة النفايات. هذا التقرير يشكل دليلا أوليا عن كل ما يتعلق بالوقود البديل وأنواعه وشروط تصنيعه ومواصفاته وشروط استخدامه

عادةً ما يشير الوقود المشتق من النفايات (Refuse Derived Fuel: RDF) أو أي من المصطلحات التالية: الوقود البديل والمواد الخام (Alternative Fuel and Raw Materials: ARF) والوقود الصلب المسترد (Solid Recovered Fuel: SRF) إلى الجزء المفروز من النفايات وذات الطاقة الحرارية العالية.

بشكل عام، يتم التفريق في بعض البلدان، خاصةً الأوروبية منها، بين ال RDF أو النفايات المنزلية أو الصناعية أو التجارية غير المتجانسة الناتجة عن المعالجة الميكانيكية-البيولوجية للنفايات والتي تتضمن بحسب لائحة النفايات الصادرة عن الاتحاد الأوروبي المواد التالية: الورق والكرتون، المعادن، البلاستيك، الزجاج، الخشب، الأقمشة والمطاط. يمكن أن يحتوي ال RDF على مواد خطرة وهو عادةً يستخدم كوقود بديل في محارق النفايات المجهزة بأنظمة لضبط الملوثات. أما ال SRF فيتم تحضيره حصراً من النفايات المنزلية غير الخطرة ويخضع لمواصفات معينة لاستعماله في المنشآت الصناعية على سبيل المثال مصانع الاسمنت.

يتم إنتاج SRF وفقًا لنظام إدارة الجودة المحدد في EN 15358 SRF – أنظمة إدارة الجودة – متطلبات خاصة لتطبيقها على إنتاج أنواع الوقود الصلبة المستردة ويجب أن تتوافق مع المواصفات الواردة في EN 15359 “SRF – المواصفات والفئات”.

 

وفيما يتعلق باعتماد الوقود البديل وحرقه في مصانع الاسمنت في لبنان نفصل في ما يلي المتطلبات والتحديات لاعتماد هذا الحل على المستوى الوطني مع الأخذ بعين الاعتبار الأمور التالية: نوعية النفايات، الإطار والمتطلبات القانونية والمالية والاقتصادية والآثار البيئية والقدرة التشغيلية.

 

أولاً: نوعية النفايات

تعتمد تركيبة النفايات الصلبة بشكل عام على مصادرها، ومواسم السنة، وأنماط حياة وسلوكيات السكان المحليين. تحتوي النفايات الصلبة الخام على نسبة عالية من الرطوبة، وطاقة حرارية منخفضة، ومحتوى عالي من الرماد. لهذه الأسباب، فإن استخدام النفايات الصلبة الخام كوقود أمر صعب وغير مرغوب فيه.

تتطلب المعالجة المشتركة (Co-processing) أو حرق الوقود البديل الناتج عن النفايات في المصانع كمصانع الاسمنت تركيبة نفايات متجانسة نسبياً مع خصائص محددة للتحكم بعملية الاحتراق. من هنا الحاجة إلى عمليات المعالجة الأولية المختلفة (المعالجة المسبقة) لتحويل النفايات إلى ما يسمى بالوقود الصلب المسترد (Solid Recovered Fuel: SRF).

يمكن أن يسبب وجود نسب عالية من الكلور والمواد الهالوجينية أو الزئبق في النفايات مشاكل تشغيلية و بيئية للمصانع التي تستعملها كوقود. لذلك فإن وجود البلاستيك المصنوع من البولي-فينيل كلورايد (PVC) على سبيل المثال في الوقود البديل ليس مناسباً للمعالجة المشتركة. من هنا الحاجة إلى تحديد معايير لخصائص الوقود البديل.

تعتمد الحاجة إلى معايير الجودة للوقود المشتق من النفايات، سواء كانت SRF أو RDF ، على المكان الذي سيتم استخدامه فيه.

 

توضع معايير الوقود البديل بناءً لثلاثة مواصفات رئيسية:

  1. المواصفات الاقتصادية: الخصائص التي تؤثر على اقتصاديات استخدام الوقود:
    • الطاقة الحرارية (من المفضل أن تكون بين 10 و15 كيلوجول/الكلغ)؛
    • محتوى الكتلة الحيوية (biomass)؛ و
    • نسبة الرطوبة.

هذه المواصفات تحدد قيمة هذا الوقود وأي حوافز اقتصادية ممكن اعتمادها.

  1. المواصفات التقنية: الخصائص التي تؤثر على أداء منشأة الحرق:
    • محتوى الكلور الذي يسبب التآكل واتساخ أو انسداد أجزاء أفران الحرق.
    • محتوى الرماد الذي يؤثر على درجات حرارة الذوبان والتلبيد.
    • الحجم الذي يؤثر على النقل / الفراغات ومستويات التلقيم للأفران.

يجب أن تكون المنشأة مصممة لقبول الوقود بهذه المواصفات.

  1. المواصفات البيئية: الخصائص التي تؤثر على الانبعاثات والأثر البيئي:
    • مستويات الزئبق؛
    • مستويات الكادميوم؛ و
    • المعادن الثقيلة الأخرى.

إن عدم الالتزام بالمواصفات البيئية قد يؤدي إلى انبعاثات ضارة إذا لم يتم ضبطها بشكل سليم.

 

في لبنان، نجد أن النفايات الخطرة وغير الخطرة، المنزلية والصناعية والتجارية والطبية والزراعية ونفايات المسالخ والردم كلها ممزوجة ببعضها دون أي فرز من المصدر وتنقل في معظم الأحيان بشاحنات ضاغطة مما يصعب فرزها في المعامل بفعالية جيدة. هذا الواقع يزيد احتمال تلوث الوقود البديل بمواد خطرة ويصعب الحصول على نوعية جيدة بمواصفات تسمح باستخدامه في مصانع الاسمنت.

 

ثانياً: الأثر البيئي

ينتج عن إنتاج الاسمنت ملوثات هوائية من بينها الغبار وأكاسيد النيتروجين (NOx) وثاني أكسيد الكبريت (SO2)  والديوكسينات والفيوران وأكاسيد الكربون (CO, CO2 ) والمركبات العضوية المتطايرة والغازات الحمضية مثل كلوريد الهيدروجين (HCI) وفلوريد الهيدروجين (HF) ومعادن ثقيلة. من المهم جداً أن لا يزيد حرق الوقود البديل هذه الملوثات. من هنا على معامل الاسمنت ضمان التجهيز السليم لضبط الملوثات ولتلقيم الوقود البديل مباشرةً في الأقسام ذات درجة الحرارة العالية من الأفران. كما على هذه المعامل الالتزام بمبادئ معينة كتلك التي أوجزتها اتفاقية بازل (2012)، أو مجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة (2014)، أو GTZ / Holcim (2006) عند استخدام الوقود البديل. إضافةً إلى ذلك فإن اختيار نوعية النفايات المناسبة ونقلها وتخزينها بشكل مناسب وكذلك تحويلها إلى وقود بديل هو أمر بالغ الأهمية للحد من الآثار البيئية. يجب المراقبة المستمرة وفحص المنتجات النهائية من الأسمنت لاحتمال نضح المعادن الثقيلة إليها قبل استخدامها في المباني أو الطرق أو المنشآت الأخرى.

على المستوى الوطني، يجب النظر إلى تجهيزات هذا المعامل وقدرتها على ضبط الملوثات الناتجة عن حرق هذا النوع من الوقود .إن الأداء البيئي لمعامل الاسمنت مشكوك بأمره والأهالي المحيطين بهذه المعامل بشكوى مستمرة من تلوث الهواء الناتج عنها. كما أن وزارة البيئة تطبق مبدأ المراقبة الذاتية مع هذه المعامل فكيف نثق بأدائها البيئي وبالتزامها بالمعايير البيئية في ظل سوء المراقبة والمحاسبة وتطبيق القوانين؟ من ناحية أخرى، يجب تأمين قبول أهالي المناطق المحيطة بمعامل الاسمنت لهذه العملية علماً أنهم يقومون بشكل دوري بمظاهرات واعتراضات بسبب التلوث الناتج عنها.

 

ثالثاً: الجوانب التشغيلية

يتطلب الاستخدام الآمن والمسؤول للنفايات اختياراً دقيقاً لنقاط التغذية/التلقيم في نظام الحرق وكذلك التحكم التشغيلي الشامل وفقًا لخصائص وحجم النفايات المحددة. يجب ألا يؤثر تطبيقه سلباً على عملية الحرق المستمرة أو جودة المنتج أو الأداء البيئي للمنشأة. لذلك ، يجب التأكد من نوعية النفايات ومعدل التغذية/التلقيم. يجب إجراء مراقبة دقيقة لعمليات التسليم ومن نوعية الوقود البديل. يجب تدريب الموظفين التنفيذيين تدريباً كافياً وفقاً للاحتياجات المحددة ولطبيعة النفايات. يجب أن تكون برامج الصحة والسلامة متطورة جداً في المنشأة وأن يتم تدريب العمال على التعامل مع هذه النفايات والتحضير لحالات الطوارئ في حال حصول أي خلل. من هنا ضرورة تقييم الجوانب التشغيلية وتجهيزات وقدرات معامل الاسمنت الموجودة في لبنان قبل اتخاذ قرار المعالجة المشتركة والشروع بتطبيقها.

 

رابعاً: الجوانب القانونية

إن وجود الإطار التشريعي المناسب هو شرط أساسي ومسبق للنجاح في تطبيق المعالجة المشتركة في معامل الاسمنت. يجب تحديد معايير الانبعاثات والمواصفات الفنية للمعالجة المشتركة بالإضافة إلى آليات عمليات الترخيص والمراقبة والمحاسبة. وبسبب التعقيد التقني العالي للمعالجة المشتركة، فهي تتطلب مراقبة مستمرة وعمليات تفتيش منتظم من قبل السلطات المسؤولة كما تتطلب وجود موظفين مؤهلين ومجهزين بشكل كاف للقيام بعمليات المراقبة. كيف ستتم عملية المراقبة في لبنان في ظل انعدام تطبيق القوانين وضعف القدرات البشرية التقنية في وزارة البيئة والسلطات المحلية وغياب أجهزة القياس والمختبرات المجهزة لفحص بعض أنواع الملوثات الخطرة مثل الملوثات العضوية الثابتة؟ هل يمكن الاعتماد على المراقبة الذاتية المطبقة حالياً في معامل الاسمنت؟ كيف يمكن الوثوق بأداء معامل تراقب نفسها؟

 

خامساً: الجوانب الاقتصادية

الهدف الرئيسي لمشغل مصانع الأسمنت الذي يستثمر في التجهيز للمعالجة المشتركة هو تقليل كلفة استعمال الوقود والمواد الخام. وهذا يعني أن قرار الاستثمار يعتمد على أسعار السوق المتقلبة للبتكوك والمواد الخام أو غيرها من الحوافز الاقتصادية. وكلما ارتفعت تكاليف الوقود أو المواد الخام، كلما كان الاستثمار أكثر جاذبية. إن كلفة المعالجة المشتركة للوقود البديل في أوروبا تقدر بين 19 و 40 يورو للطن. كما يجب الأخذ بعين الاعتبار كلفة النقل والترخيص والفحوصات التي تختلف بين بلد وآخر ودراسة الجدوى الاقتصادية من تطبيق هذا الخيار قبل اعتماده.

 

المبادئ العامة للمعالجة المشتركة للنفايات في مصانع الأسمنت (GTZ / Holcim 2006)

المبدأ الأول يجب أن تحترم المعالجة المشتركة هرمية النفايات:

·         يجب ألا تعيق المعالجة المشتركة جهود التخفيف من إنتاج النفايات، ويجب عدم استخدام النفايات في أفران معامل الإسمنت إذا توفرت طرق أفضل لاستردادها من الناحيتين البيئية والاقتصادية.

·         يجب اعتبار المعالجة المشترك جزءاً متكاملاً من الإدارة الحديثة للنفايات، حيث أنها توفر خياراً بيئياً لاسترداد الموارد من أجل إدارة النفايات.

·         يجب أن تتوافق المعالجة المشتركة مع الاتفاقات البيئية الدولية ذات الصلة، أي اتفاقيتي بازل واستكهولم.

المبدأ الثاني يجب تجنب الانبعاثات الإضافية والآثار السلبية على صحة الإنسان:

·         لمنع أو الحد من الآثار السلبية للتلوث على صحة الإنسان والبيئة، يجب أن لا تزيد الانبعاثات في الهواء، على أساس إحصائي، عن تلك الناتجة عن صناعة الأسمنت باستخدام الوقود التقليدي.

المبدأ الثالث يجب أن لا تتغير جودة ونوعية الاسمنت المنتج:

·         يجب أن لا يتحول المنتج (الكلنكر، والاسمنت) إلى مصرف أو بؤرة للمعادن الثقيلة.

·         يجب ألا يكون للمنتج أي تأثير سلبي على البيئة بالاستناد إلى اختبارات الترشيح، على سبيل المثال.

·         يجب أن تسمح نوعية الاسمنت بالاسترداد بعد انتهاء عمره.

المبدأ الرابع يجب أن تكون المعامل التي تعتمد المعالجة المشتركة مؤهلة لذلك:

·         يجب أن يكون لدى المعامل سجلاً جيداً من الالتزام بالقوانين والمعايير البيئية وتوفير المعلومات ذات الصلة للعامة والسلطات المختصة.

·         يجب أن يكون لدى المعامل القدرات البشرية والعمليات والأنظمة التي تبين الالتزام بحماية البيئة والصحة والسلامة.

·         يجب أن تلتزم المعامل بجميع القوانين والتشريعات والمعايير المعمول بها.

·         ﻳﺠﺐ أن ﺗﻜﻮن المعامل ﻗﺎدرة ﻋﻠﻰ اﻟﺘﺤﻜﻢ ﻓﻲ اﻟﻤﺪﺧﻼت وضبط اﻟﻌﻤﻠﻴﺎت ﻣﻦ أﺟﻞ نجاح المعالجة المشتركة.

·         يجب أن تضمن الشركات علاقات جيدة مع العامة والجهات المعنية الأخرى في خطط إدارة النفايات المحلية والوطنية والدولية.

المبدأ الخامس يجب أن يأخذ تطبيق المعالجة المشتركة في الاعتبار الظروف الوطنية:

·         يجب أن تعكس الإجراءات المتطلبات والاحتياجات الخاصة بكل بلد.

·         يسمح التنفيذ التدريجي بتعزيز القدرات المطلوبة وإنشاء الترتيبات المؤسسية لضمان نجاح العملية.

·         يجب أن تترافق المعالجة المشتركة مع تحسينات أخرى في قطاع إدارة النفايات في البلد.

 

خلاصة:

تتمثل الأهداف الرئيسية لإدارة النفايات الصلبة وتنظيم إعادة تدويرها وإعادة استخدامها واستردادها بالتالي:

  • منع أو تخفيف المخاطر والأضرار على البيئة والصحة العامة؛
  • استرداد الموارد وتحقيق فوائد بيئية واقتصادية واجتماعية واتخاذ خطوة على الطريق نحو مستقبل مستدام.

 

بحسب تقرير ” الآفاق العالمية لإدارة النفايات ” تشير الدلائل إلى أنه في البلدان متوسطة أو منخفضة الدخل، ربما تكون تكاليف سوء إدارة النفايات على المجتمع والاقتصاد أكثر من 5 إلى 10 أضعاف ما يمكن أن تكلفه الإدارة السليمة لهذا القطاع. من الأوفر إدارة النفايات الآن بطريقة سليمة بيئياً بدلاً من تنظيف “أخطاء الماضي” في السنوات القادمة.

من الضروري دراسة الخيارات المعتمدة من ناحية نوعية النفايات، الإطار والمتطلبات القانونية والمالية والاقتصادية والآثار البيئية والقدرة التشغيلية وإجراء دراسات تقييم الأثر البيئي الاستراتيجي للسياسات والأثر البيئي للمشاريع قبل اتخاذ القرارات وبدء التنفيذ. حتى اليوم وبغياب نظام إدارة متكاملة للنفايات يعتمد هرمية إدارتها ووضع الإطار التشريعي والقانوني ودرس الأداء البيئي والتجهيزات المتوفرة والقدرات البشرية والتشغيلية لمعامل الاسمنت والجدوى الاقتصادية للمعالجة المشتركة نحن غير قادرون على اعتماد هذا الخيار.

تقرير صادر عن ائتلاف ادارة النفايات

Pin It on Pinterest

Share This