يُراهن البعض، على أنَّ الإنسحاب الأميركي من سوريا باتَ وشيكاً،  لا بل وحتميٌّ، في حين يُشكِّك الرُّوس بجديَّةٍ فائقةٍ، في قرار الرئيس “ترامب” بسحبِ قواتهِ من سوريا، آخذين بعين الإعتبار تاريخ الكَذِبِ الأميركي في هذا الشَّأن (بدؤوا احتلالهم لفيتنام تحت شعار “الإستشارة العسكريّة” للأصدقاء المحليّين، فيما سمى “هاري ترومان” حربه المُدمِّرة ضد كوريا الشماليّة “عمل شرطة”، وقد قرروا خلال 17 عاماً،  30 مرة الانسحاب من افغانستان، غير أنّهم لا يزالون هناك)، والصراعات الكبيرة في الدولة العميقة في واشنطن، هذه الجديَّة الروسيَّة تقابلها جدية الأميركي في البحثِ عن بدائل الوجود العسكري المباشر على الأراضي السورية، “حيث أشار “ترامب” وإنّ بشكلٍ غير مباشرٍ، الى حِرصِه على إبقاء التنظيمات الكردية الإنفصالية(حليفته)  على قيدِ الحياةِ في الشمال السوري، حيث  قال أنه مستعد  لتدمير تركيا إقتصادياً، إذا هاجمت الأكراد (حلفائه)، وربما يُراهن على بقاء الفرنسي .

 

المُستَعمِّر الأميركي، لن يخرج من سوريا، خالي الوِفَاضِ، دونَ هدية ثمينة، ولذلك سيعمل على إيجاد شكل من أشكال السيطرة، ربما إقتصادياً (عقوبات إقتصادية، حصة من كعكة إعادة الإعمار أو إستثمارات عبر شركات دولية تديرها واشنطن سراً) . وربما سيبقون على وجودهم العسكري ولكن عبر وسطاء (مرتزقة) فيأخذون باقتراح طرحه مؤسس شركة “بلاك ووتر” Black water ، “إريك برينس” (ضابط البحرية الأميركي السابق، والمستشار الخاص فى البيتِ الأبيض فى عهد “جورج بوش” الأب، والمقرب جداً من الإنجيليين المتطرفين)، بحيث يستخدمون متعاقدين عسكريين خاصيّن (جيوش مأجورة)  للتموضع مكانِ  القوات  الأميركية النظامية.

ونقلت صحيفة “ذي إندبندنت” البريطانية عن برينس، أن استخدام المتعاقدين سيسمح للرئيس دونالد ترامب، بالوفاء بوعده الانتخابي بإنهاء “الحروب الأبدية”.مؤكداً أن المتعاقدين يمكنهم حماية حلفاء الولايات المتحدة ومواجهة النفوذ الإيراني بعد الانسحاب.

وتُعد شركة “بلاك ووتر” Black water  المسؤول الأول عن جرائم الحرب في العراق، وعن انتهاكات حقوق الإنسان التي حصلت في سجن “أبو غريب”، وهي المساهم الأكبر في حرب اليمن منذ بدء عملية “عاصفة الحزم”، والدّاعم الأساسي للمجموعات الإرهابية في الحرب السّورية، وصاحبة دور كبير في حروب البوسنة وتدريب الجيش الكرواتي، وفي انقلابات عسكرية في الكثير من الدّول الأفريقيّة، كما أوكلت السعودية إليها تنفيذ حملة الإعتقالات الشهيرة، والتي طالت عدداً من الأمراء والوزراء ورجال الأعمال، هذا عداكِ عن  خدماتها الإستخبارتية الجمة لوكالة الإستخبارات المركزية منذ حرب الفيتنام، ضمن برنامج سرّي عُرف باسم “العمليات السوداء”،وليس سراً أنها تتعاون بشكل قوي وعميق مع الموساد الإسرائيلي.

 

عملياً، سوريا اليوم أمام إحتمال، وارد جداً،  ألا وهو أن يقبل “ترامب”  الخيار الذي طرحه، صاحب شركة “بلاك ووتر” Black water ، فتملأ مجموعات مرتزقة مقاتلين أقل ما يُقال فيهم أنهم مجرمي حرب، الفراغ الذي ستتركه القوات الأميركية، في الشمال وشمال الشرق السّوري، هذا في حال انسحابها المفترض، وعليه سيكون السوريون في مواجهة مرتزقة، يلعبون دور السجَّان والمحقِّق المتوحش مع أهل البلد الأصليين(على غرار ما حصل في سجن ابو غريب)، ويغتالون من يشاؤون، ويقدمون الحماية والحراسة الكافية لشركات دولية متخخصة ستأتي لنهب ثرواتنا السطحية والباطنية (المنطقة التي سينسحب منها الأميركي تحوي أراضٍ زراعيةٍ خصبة، غنية جداً بالبترول والمياه).

وسيخرج يوماً ما هؤلاء المرتزقة “بلاك ووتر” Black water  دون أدنى حساب أو مساءلة، عن جرائمهم أو التحقق من قانونية الثروات الطائلة التي جنتها هذه الشركات ومشروعيتها ومصادرها. وذلك على أعتبار أنَّ قادة التحالف الدولي الاستعماري سيفبركون لها ، قبل إدخالها الأراضي السوري، مخرجاً قانونياً يعفيها من أية ملاحقة قانونية على المستوى الأممي، كما حدث في العراق حينَ وقَعَ السفير الأميركي في العراق “بول بريمر”،عام 2004، قرار سلطة الإئتلاف رقم (17)، والذي بموجبه منح الحصانة لكلِ ( المرتزقة ) المتعاقدين مع شركات الحماية الأمنية العاملين لحساب قوات متعددة الجنسيات، ماجعلهم لا يخضعون لأيّة ملاحقات قضائية بشأن تصرفاتهم.

 

في كل حروبها عندما كانت الولايات المتحدة وحلفائها المستعمرين، يشعرون انهم بدؤوا بالغرقِ في مستنقع الخسائر، كانوا يستعينون بالمرتزقة (من “بلاك ووتر” وغيرها) لتقليل خسائرها من الجنود النظاميين، ولضمان حماية المسؤولين والمؤسسات الحساسة (مكاتب الاستخبارات وغيرها)، كما تسعى جاهدة، تحت شعارات إعادة الإعمار الرنانة، الى تحويل شركات القتل والنهب المنظم الى شركات مقاولات.

لكن هيهات من تكرار سيناريو العراق في سوريا، فهذهِ شامة الدنيا وعمود السماء.

 

 

 

 

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This