إذا ما استمر الحال على ما هو عليه اليوم، فلن يمضي وقت طويل حتى يفقد لبنان غناه الطبيعي وتنوعه البيولوجي، مع ما يعني ذلك من “إرباك” يطاول سائر النظم البيئية، بحرية وبرية، ولن يكون ثمة أعداء طبيعيون للحشرات والآفات الزراعية، ولن يكون هناك توازن بين الكائنات في محيطنا الحيوي، وستكون الغلبة للخنازير البرية بعد انقراض الذئاب والضباع المخططة (الضبع المخطط يقضي على صغار الخنازير أو الخنانيص)، ولن يعود ثمة طيور مقيمة، والعابرة تتقلص أعدادها وبدأت تغير مسارات هجرتها.

ونعيش اليوم بعضا من مظاهر هذا “الإرباك”، والوقت ما زال متاحا لاستدراك القادم من مخاطر، والأمر لا يتطلب أكثر من التشدد بتطبيق القوانين ومعاقبة المعتدين على بعض ثروة لبنان التي تعتبر الأغنى عالميا بهذه الثروة من حيث المساحة وعدد الكائنات وهو يتفوق بذلك على بلدان تكبره مساحة بأضعاف مضاعفة.

النباتات العطرية والرحيقية

كما أن التنوع البيولوجي لا يقتصر على الكائنات البرية فحسب، وإنما يطاول أيضا الثروة النباتية وقد بدأت تتراجع لحساب التوسع العمراني، فضلا عن استباحة هذه الثروة من قبل مواطنين لا يتوانون عن اجتثاث النباتات من الجذور دون مراعاة لسبل ديمومتها، ولا سيما الرحيقية والعطرية منها، ما يؤدي إلى اندثارها.

فقبل أيام صادر نواطير الأحراج والبساتين التابعين لبلدية بينو – قبولا في منطقة عكار، كمية من نبات القصعين (المريمية)، موجهين انذارا للمعتدين بتنظيم محضر ضبط في حال تكرار فعلتهم.

وأكدت البلدية انها “ستستمر في ملاحقة المعتدين على كل النباتات الحرجية خاصة القصعين والزعتر، التي تتعرض لإستنزاف خطير يهدد وجودها، نتيجة الاعتداءات المتكررة منذ سنين طويلة، وان البلدية لن تتهاون اطلاقا في ملاحقة المعتدين”.

وهذا مثال عن تعديات تطاول أيضا مختلف النباتات العطرية البرية كالآس والريحان والزعتر البري وغيرها مما يستفاد منه في الاستطباب والعطارة.

الضبع المخطط

ما استوقفنا في هذا المجال، عودة التعدي على الضباع المخططة خلال وبعد العاصفة “نورما”، ذلك أن هذه الكائنات تدنو من الأحياء السكنية بحثا عن الغذاء، وغالبا ما تتجه نحو مكبات النفايات العشوائية، خصوصا وأن الضباع المخططة لا تصطاد فرائسها، وإنما هي من الحيوانات القمامة، وتلعب دورا أساسيا في الحفاظ على البيئة.

وبحسب مصدر متابع، فإن منطقة عكار شمالا يسجل فيها قتل ضبع كل أسبوع، فضلا عن مناطق أخرى، وقد وصلنا فيديو صادم يظهر فيه ضبع مخطط تم قتله في منطقة البقاع، وأشارت الناشطة في مجال الرفق بالحيوانات غنى نحفاوي لـ greenarea.me إلى أن “هذه الواقعة حدثت في في بلدة النبي شيث”، إلا أن نحفاوي لم “تتمكن من التوصل لمعلومات إضافية”، وطالبت من “المواطنين التعرف على المعتدي لإجراء المقتضى القانوي”.

واستغربت نحفاوي كثرة هذه التعديات التي تستهدف الحياة البرية، ولا سيما خلال الأيام الأخيرة وبشكل خاص الضباع، ولكنها أشارت إلى أنه “بعد البحث والتواصل مع معنيين في المنطقة، توصلنا لصورة تبين الشخص الذي قام بإطلاق النار على الضبع، من سلاح حربي، ولم نتمكن بدورنا من معرفة هويته”

عامل نظافة دون أجر

مع توالي مثل هذه الحوادث، لا بد من التصدي لظاهرة قتل الضباع، أي الحيوان المسؤول عن تنظيف البيئية الطبيعية التي يعيش الانسان بين ظهرانيها من الحيوانات النافقة، بدلا من أن تتحول مرتعا للحشرات والأمراض، ولا بد كذلك من الصتدي للموروثات الشعبية حول الضبع اللبناني المخطط، علما أن الضبع لا يهاجم الانسان حتى وان كان في حالة جوع شديد إلا دفاعا عن النفس، وهو عامل نفايات موجود في الطبيعة ويعمل من دون أجر لمصلحته الانسان وبيئته.

في الماضي البعيد كان الضبع ينبش المقابر، ولذلك عمد الانسان إلى وضع الحجارة والصخور فوقها، ومن وجهة نظرنا فهذه مسألة لا يمكن تقبلها، أما بالنسبة للضبع، فهو كائن أوجده الله ضمن نظام متكامل مهمته تنظيف البيئة التي يعيش فيها من الحيوانات النافقة، وهو لا يميز في هذا المجال بين جيفة حيوان وجثة إنسان، هو يقوم بوظيفة محددة لها مردود مهم جداً على الانسان والبيئة التي يعيش فيها. فالضبع قادر على التهام الحيوانات النافقة وهو بذلك يرفع عن الانسان ضررها كمصدر للأوبئة والأمراض والروائح، ومن هنا فهو يعتبر حلقة مهمة في نظام أوجده الخالق.

وعلى الدولة التشدد في ملاحقة كل من يقتل ضبعا ومحاسبته، وبعض المناطق اللبنانية بدأت تواجه تبعات قتل الضباع مع ازدياد عدد الخنازير البرية التي تخرب الأراضي الزراعية واضطرار المزارع الى ترك بساتينه تبور.

 

Pin It on Pinterest

Share This