لا تصنف العاصفة “نورما” من العواصف القوية، التي من المتوقع حدوث نماذج عنها، إن لم يكن هذا العام، ففي الأعوام القادمة. ولكنها كانت كافية، بل أكثر، للكشف على كل عورات السلطة الحاكمة للبلد، وحكوماتها وبرلماناتها ومؤسساتها وإداراتها ومجالسها، وحتى سلطاتها الرقابية بكل تنوعها.

محاصصة في كل شيء، وتوزع للمشاريع على مراكز القوى في السلطة، عبر الأجهزة الإدارية والمجالس الملحقة بها. وعبر الأتباع والأزلام من المتعهدين، الذين يحتكرون الإلتزامات، بآليات متفاوتة، ولكنها كلها تلتف على الأنظمة، إما بطرق مباشرة عبر التلزيمات بالتراضي، وإما بأشكال غير مباشرة أصبحت معروفة وممجوجة، عبر التهرب من إخضاعها لآليات المناقصات القانونية الشريفة، أو عبر تنفيذ شكلي لمتطلباتها.

كل الوزارات والإدارات والمجالس والمؤسسات العامة في لبنان لا تلتزم بالقوانين والمراسيم والأنظمة والقرارات والمعايير. بل تخالفها في معظم الحالات، إما بتجاهلها، وإما بابتداع آليات مخالفة لها عبر مذكرات، أو ممارسات إدارية غير نظامية.

لا تخطيط في لبنان، ولا وضع استراتيجيات ولا سياسات عامة في أي قطاع من القطاعات. وما يسمونه أحيانا سياسة في قطاع معين، على سبيل المثال، السياسة الصحية، ما هي إلا مجموعة ممارسات منفصلة وغير متناسقة، ولا تشكل مجتمعة سياق متكامل من الإجراءات والمسارات تؤدي إلى تحقيق أهداف استراتيجية واضحة، رفع الأمان الصحي للشعب اللبناني وتخفيف المخاطر الصحية التي يتعرض لها.

فإذا سألنا اليوم، على إثر الفضائح التي كشفتها “نورما” الناعمة نسبيا، في البنية التحتية، وفي إدارة الموارد الطبيعية، وفي قطاع النقل، والتنظيم المدني، وبالتالي العمران والتمدد والتوسع والسياسة الإسكانية، وفي السياسات البيئية والحفاظ على ثروة لبنان الحقيقية، المتمثلة بموارده الطبيعية، وحمايتها من كل أنواع التلوث ومصادرها.

هل سيتم إعادة النظر الشاملة بكل سياسات السلطة السياسية، حكومة وبرلمانا ووزارات ومؤسسات ومجالس وسلطات رقابة؟

هل يستشعر القابضون على سلطة القرار في لبنان مدى الظلامة، التي يقترفونها بحق لبنان واللبنانيين، وبحق مستقبل أجيال شعبنا؟

هل أدرك اللبنانيون اليوم مدى الفساد وعدم الأهلية، التي أظهرتها الإدارات والوزارات والمجالس التنفيذية والفنية، التي تهدر وتنهب أموال اللبنانيين على مدى عقود تحت عناوين التنمية الوهمية، التي يطبلون لها في طول البلاد وعرضها؟

وماذا لو اكتشف اللبنانيون اليوم أن كل مشاريع البنية التحتية على هذه الدرجة من الهشاشة والضعف وسوء الجودة وقلة التنظيم، ومخالفتها لأبسط قواعد ومعايير الإنتظام والجودة؟

وماذا يعني ذلك؟ يعني بكل بساطة، الغش المرعي رسميا من قبل الدولة ومنفذي مشاريعها. أي بصراحة، نهب المال العام تحت مظلة تنفيذ المشاريع، دون الإلتفات إلى جدواها وإلى مطابقتها لمعايير جودتها، وإلى تحقيق الهدف منها في التنمية المستدامة الحقيقية وتحسين الخدمات وجودة حياة الناس.

هل نستمر في بناء الأوتوسترادات والجسور دون تحقيق أي خطوة باتجاه بناء نظام فعَّال للنقل العام؟ يقولها الخبراء الإستراتيجيون، إن معالجة أزمة السير وما يترتب عنها من خسائر على الإقتصاد الوطني وعلى صحة المواطنين، لا يمكن حصرها بمد الطرقات وتوسعتها، لأن ذلك يتحول فورا إلى عامل تحفيز لمزيد من السيارات، أي إلى إعادة إنتاج أزمة السير من جديد. إن الحل الحقيقي لأزمة السير يكمن في اعتماد سياسة نقل وطنية، ترتكز على وضع وتطوير نظام للنقل العام، للبضائع والركاب، متنوع ومتطور وعلى درجة مقبولة من جودة خدماته وأدائه.

هل نستمر في الركون إلى مجلس الإنماء والإعمار، وهو المسؤول الفني الفعلي عن الكوارث، التي نشهدها مع كل زخة مطر من إنهيار للبنية التحتية والتلويث وتعريض صحة وحياة الناس للمخاطر؟

هل نستمر في هذه الفوضى، والعشوائية دون تخطيط وطني، ودون تنسيق بين مسارات التنمية في مختلف القطاعات، تقوم بها وزارة للتصميم والتخطيط، كاملة الأوصاف والتنظيم والبنية الإدارية والتشريعية والبشرية؟

هل نستكين للفشل الذريع، عالي الكلفة المالية والبيئية والصحية، الذي يثبته مجلس الإنماء والإعمار كل يوم على مدى عقود، على حساب التنمية المستدامة الحقيقة، وانتقال البلد من خراب إلى خراب؟

كتب كثيرا عن الفشل التخطيطي والتنفيذي والفني لنماذج متعددة من المشاريع التنموية، التي يحتكرها مجلس الإنماء والإعمار، وتلك التي تنفذها بعض الوزارات والإدارات، في قطاع الصرف الصحي، وفي قطاع إدارة النفايات، وفي قطاع الطرق والأوتوسترادات والجسور، وفي تنفيذ كل المشاريع الكبرى والصغرى في كل المناطق اللبنانية.

كتب كثيرا عن التجاوزات القانونية وتجاهل الإلتزام بالقوانين والمراسيم والأنظمة، وفي المقدمة منها قانون حماية البيئة 444 للعام 2002، ومرسوم التقييم البيئي الإستراتيجي للسياسات والخطط والاستراتيجيات، وتقييم الأثر البيئي والإجتماعي للمشاريع العائدة للقطاعين العام والخاص والمشتركة أيضا.

كتب كثيرا عن ما يرافق المشاريع، التي ينفذها مجلس الإنماء والإعمار، والوزارات والإدارات، من تجاوز للآليات القانونية والأنظمة الضابطة لدفاتر الشروط والمناقصات والتلزيمات، والإخلالات الكبيرة في الإئتمان على حسن إنفاق المال العام. إضافة إلى ما يعتريها من مكامن ضعف فني وسوء تنفيذ هندسي، وخلل في تطبيق معايير المراقبة والتحقق من جودة المنجزات قبل استلامها.

هل يصح أن يكمل البلد على هذا النحو من السياسات والإدارة والتطبيق؟ هل يقبل اللبنانيون أن يستمر بلدهم مكشوفا ومنهوبا ومستنزفا، يتعمق ويتوسع فيه التخريب والتدهور يوما بعد يوم؟

علينا إعادة النظر في كل شيء، وإلَّا ذاهبون حتما إلى الإنهيار.

 

Pin It on Pinterest

Share This