راهنت الدول الاستعماريَّة، ومعها “إسرائيل” على أن الحرب التي  شهِدَتها سوريا، ستُغرق الرُّوس في مستنقع لن يستطيعون الخروج منه، إلاَّ خاسرين منكسرين، كما راهنوا على تقسيم سوريا الى كيانات تتبع كل منها لدولة من تحالف  “سايكس بيكو” الجديد (الولايات المتَّحدة الأميركية، فرنسا وبريطانيا) وذلك بهدفِ تقديم خدمةٍ كبيرةٍ للكيان الصهيونيّ، ولم يكن ليخطر على بال أيٌّ من قادتهم، يوماً، أنْ تسير الأمور على ما تشتهي سفُن الشَّعب السوريّ وأصدقائه(روسيا ، إيران وحزب الله)، الذي أثبت بصموده وبمساعدتِهم، أن لا سوريا إلا سوريا  الواحدة القويَّة والمقاومة.

وعليه وفي سبيل كسر شوكة سوريا، ومحور المقاومة، فقد جنَّدت دول التحالف الإستعماري، كل وسائل الإعلام الغربية والعربية، التي تسبح مع تيَّار العولمة المتوحّشة، النيوليبرالية والإمبرياليَّة العالميَّة، كي تُفبرك الأكاذيب، حول جرائم وهميَّة، تتهم الدولة السوريَّة بارتكابها، جنَّدت ذات الإعلام الذي امتهن فبركة الأكاذيب لتلميع وتجميل جرائم الجيش الأميركيّ، في أكثر من تسعين بلداً حول العالم. فاثناء حرب فيتنام وعلى الرغم من أنّ سجلات البنتاغون لعام 1969، أشارت إلى أن القوَّات الأميركيَّة استخدمت، في الفيتنام، ما يقرب من 130 ألف طنّ من الذَّخيرة شهريَّاً، وإلى أنَّ أعداد جرائم الحرب الموثَّقة التي ارتكبها الجيش الأميركي هناك بلغ 360 حادثة، و تسبَّبوا بمقتل، حوالي 3,8 مليون إنسان، فقد تمَّ تلميع صورة الجيش الأميركي. كما أن الإعلام ذاته، وأثناء الحرب العالميَّة الثَّانية، وصل بهِ الأمرّ الى  وصف الأسرى اليابانيين بــ”الحيوانات، غير آدميّين”، علماً أن القنابل الذرية،التي ألقتها طائرات بلادهم، قتلت  ما يفوق على 240 ألف إنسان في هيروشيما، وناكازاكي.

نعم لقد مارس العديد من الصحفيّين الغربيّين عن عمد، وعلى امتداد سنوّات الحرب السوريَّة، التَّضليل الإعلامي ضد سوريا، فمن مراسل NBC الأميركية ريتشارد إنغل و مذيع CNN أندرسون كوبر، الى مراسل ZDF الألمانية كريستيان زيفرس، وصولاً بالصحفي  في “دير شبيغل” الألمانية  “كلاس ريلوتيوس” ، والذي ُطرِدَ إثر اعترافه بنسج أكثر من 60 قصة من خياله مضللة عن سوريا، صاحب قصة أطفال درعا الشَّهيرة عام 2011.

هذا الصّحافي “الكاذب” اعترف بجريمته تلك وقال: “كلهم كانوا يعلمون أن معظم الاخبار كانت مفبركة”، هذا وقد خصصت مجلة دير شبيغل الألمانية صفحتها الأولى يوم 23 كانون الاول/ديسمبر الفائت، للاعتذار عن اختلاق أحد أبرز صحفييها قصصاً تضمنت تلفيق أخبار عن الأزمة في سوريا واصفة الأمر بالفضيحة وأنه من “أسوأ الأمور التي يمكن أن تحدث لفريق تحرير صحفيّ”.

و لايقل الإعلام المأجور في الحروب، أهميَّةً وخبثاً عن السياسيين وحكام الدّول الاستعماريَّة، فبعد أن يرتكبوا الجريمة ….ماذا؟ ..يعتذرون!!

يعتذرون بعد أن يُدمّرونَ الأُمم ويقتلونَ الأبرياء ويحطمون الإنسان وريث الحضارات، فقد اعتذر الرَّئيس الأميركيّ السَّابق جورج بوش، بعد حرب العراق، عن فشل المخابرات الأميركية في تقديم معلومات صحيحة حول ترسانة “أسلحة الدَّمار الشَّامل” والتي بناءً عليها اتُخذ قرار الحرب على العراق. فكانت النتيجة حرب دامية  أسقطت النظام العراقي وألقت بالعراقيين في دوامة العنف.

كما اعتذرت فرنسا، بعد مضي ستة عقود على الحرب، عن جرائمها في الجزائر وذلك على لسان رئيسها “ايمانويل ماكرون” (الذي أزعجه، مؤخراً، قرار ترامب بسحب القوات الغازيَّة الأميركيّة من سوريا)، حيث سلم الرئيس إعلاناً لأرملة موريس أودان، الشيوعي المؤيد لاستقلال الجزائر الذي فُقد أثره بعد اعتقاله عام 1957، يطلب منها “الصفح” خلال زيارة لها. قائلاً: “من المهم أن تُعرف هذه القصة، وأن يُنظر إليها بشجاعة وجلاء. هذا مهم من أجل طمأنينة وصفاء نفس أولئك الذين سببت لهم الألم (…) في الجزائر وفي فرنسا على حدِّ سواء”.

 

واعتذرت “إيطاليا” من الشَّعب الليبيّ، عن الجرائم التي ارتُكبت على يد جنودها في عهد الإستعمار الإيطاليّ الذي استمر بين عامين 1911 و 1943، يومها، جاء الإعتذار على لسان رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني ، الذي وعد الليبين بتعويضات قدرها خمسة مليارات دولار، تدفع في خلال 25 عاما من خلال استثمارات في البنية الأساسية(مهزلة).

 

واعتذَّر الرَّئيس الألماني “يواخيم جاوك” سنة 2014، عن الجرائم التي ارتكبتها القوَّات النَّازيَّة في اليونان خلال الحرب العالميّة الثانيَّة.

 

لكنْ اِعتذّارالدُّول الإستعماريَّة، لن يعيد ضحايا  الكارثة الإنسانيَّة التي وقعت في نكازاكي وهيروشيما، الى الحياة.

 

اِعْتِذّارهُمْ، لن يعيد الى السكان الأصليّين للقارَّة الأميركيَّة(الهنود الحمر)، أراضيهم وبيوتهم وصداقتهم مع الطَّبيعةِ الأُم، التي نُهبت.

إعْتِذَارهُمْ، لن يمحي من ذاكرة كلّ فلسطينيٍّ، أنْهم دعموا سرَّاً وعلناً ، ولاتزالون، زرع  دولة “إسرائيل”، في قلب الوطن العربيّ.

إعْتِذَارُهُمْ ، لن يُعيد اليمن السَّعيد الى سابقِ عهدهِ، ولنْ ينقذ سبعة عشر مليون يمنيٍّ، مهدَّدين بالمجاعةِ.

إعتذراتهم، لن تُعوِّض ثلاثة ملايين طفل سوريا منعوا، خلال ثمانيةِ سنواتٍ ، من الذهاب الى المدارس، ولن يعيد بناء الانسان الحضاريّ الذي كان يميز الشعب السوريّ.

نعم لقد وصلت الحرب الى خواتيمها الحتميَّة، رغم كل الوجع والالم والقهر، وبدأت سوريا تنهض،  حيث بدأت تتوضح صور الذل في انسحاب الجيش الأميركي، وعودة الدول العربية (الخليجية خصوصاً) الى الفضاء الدبلوماسي السوريّ، وعلى ذلك استشعر قادة العدو الصهيونيّ أنهم خسروا الحرب لامحالة ، وأنَ رهاناتهم ذهبت مع الريح، واعتبروا ذلك تهديداً واضحاً وخطيراً للأمن القوميّ الإسرائيليّ، وتراجُع  لمكانته في كل المنطقة…ربما لو صدَّق الرَّئيس ترامب بقراره بالإنسحاب من الاراضي السُّورية سيتوجَّب عليه، إنسانيَّاً،  تقديم إعتذار شديد الى السوريين جميعاُ، ولكن في السّياسة الاميركيَّة، الإعتذار الكبير سيكون من “إسرائيل” (طفله المُدلَّل)…ومن يعشْ يرى.

Pin It on Pinterest

Share This