هذه السلطة السياسية للنظام الطائفي المذهبي التي تحكم البلد، ولا سيما في الثلاثة عقود الأخيرة، قد أوصلت سياساتها البلد إلى ركام أو تكاد.

بيئة لبنان وموارده الطبيعية، وهي الثروة الحقيقية للشعب اللبناني عبر التاريخ والحاضر والمستقبل، تشهد دمارا منهجيا على كل الصعد. فتلوث البحر والهواء والموارد المائية السطحية والجوفية والتربة والسلسلة الغذائية يصل إلى درجات يتهدد معها الأمان الصحي لجيلنا والأجيال قادمة. والتدهور البيئي عبر استنزاف موارد الغابات والجبال من خلال انتشار المقالع والكسارات والمرامل دون احترام لمخططات توجيهية، أو للحد الأدنى من المعايير البيئية، المتعلقة بشروط اختيار الموقع وشروط الإستثمار وشروط إعادة التأهيل.

هل يكون كافيا في هذا المجال أن يدفع المستثمرون المبلغ المرقوم لأصحاب الشأن من أجل إصدار وتجديد المهل الإدارية، خلافا لكل أنظمة استصدار التراخيص القانونية؟ ولا زلنا حتى الآن لا نعرف بالضبط إن كانت هذه المبالغ، التي ترقى إلى 200 ألف دولار لكل مهلة إدارية، هي رسوم تدخل إلى خزينة الدولة أم هي خوات ورشاوى تدخل إلى جيوب بعض الأزلام والمحاسيب؟

تلوث نهر الليطاني وبحيرة القرعون قد استحال كارثة وطنية بعمقها وشمولها واتساعها وآثارها الكارثية على الإقتصاد الوطني، وفي المقدمة منه الإقتصاد الزراعي لمئات ألوف اللبنانيين القاطنين في حوضه، وكذلك على الأمان الصحي لعموم السكان، حيث تشهد بعض القرى والبلدات ارتفاعا مخيفا لعدد حالات الإصابة بالأمرا ض السرطانية والأمراض المزمنة الأخرى.

لقد أصبح معروفا أن تدفقات الصرف الصحي وتدفقات النفايات السائلة الصناعية غير المعالجة، أو التي لم تخضع لعمليات معالجة فعالة وكافية، إلى النهر وروافده وحوضه، وسوء إدارة النفايات الصلبة، وسوء استخدام الأدوية والأسمدة الزراعية، تشكل الأسباب الرئيسة لكارثة تلوث الليطاني الوطنية.

هل يمكن بعد كل ذلك أن يكون مقبولا التساهل مع الملوثين؟ هل يمكن أن يكون مقبولا تمديد المهل والتمادي في التلكؤ عن اتخاذ كل الإجراءات الرادعة بحق الملوثين؟ هل يمكن أن يكون مقبولا أن يصم المسؤولون عن تلويث النهر وروافده وحوضه آذانهم، متكئين على دعم وحماية بعض الأوساط السياسية النافذة؟

وإذا تحرك القضاء للقيام بواجبه لردع ومحاسبة الملوثين تقوم الدنيا ولا تقعد؟

هل يظن البعض أنهم أوصياء على القضاء بعدما استباحوا كل سلطات وإدارات ومؤسسات البلد؟

من قال أن نواب الأمة هم أوصياء على القضاء؟ أو هم معنيون بالإشراف على أعماله؟ أو التدخل بها بأي شكل من الأشكال؟

هذا تجاوز غير مقبول في كل المقاييس، ولا شيء أو عذر أو حجة تبرر التدخل في عمل القضاء، وممارسة الضغوط عليه، لصالح أي كان وفي أي قضية كان.

ماذا أبقيتم من البلد ومؤسساته؟ إرفعوا أيديكم عن القضاء، فهو الجدار الأخير في هذا الركام الفظيع.

 

Pin It on Pinterest

Share This