ليس ثمة ما يشي بأننا ماضون نحو محاربة الفساد على مستوى مؤسسات وإدارات الدولة، باستثناء ما شهدناه ونشهده على صعيد “المصلحة الوطنية لنهر الليطاني”، هنا بدأت أولى المواجهات الجدية لاجتثاث الفساد من الجذور في مسار معاكس لواقع ارتضيناه بكل مساوئه وفضائحه وما ينجم عنهما من كوارث، وهنا أيضا نعرف الحد الفاصل بين العمل المؤسساتي وبين مافيا المؤسسات، بين التحديث والتطوير من جهة، والروتين القاتل والفوضى والاستنتساب من جهة ثانية.

لم تعد قضية الليطاني منفصلة عن مسار وطني عام، ونحن جميعا أمام امتحان ومواجهة غدا معها الليطاني قضية وطن ومستقبل دولة، وغدونا نحن جميعا أمام تحد، فهل يعيدنا النهر العابق بإرث جمالي ونضالي إلى جادة الصواب ونكون أوفياء لحاضر أبنائنا ومستقبلهم؟

نتمسك في هذه المرحلة بتجربة “المصلحة الوطنية لنهر الليطاني” باعتبارها “بارومتر” نرصد من خلاله منسوب الفساد في بنية الدولة، من يدعم ويؤازر الإجراءات الجادة لاستعادة

هذا المعلم الطبيعي يرفع مستوى التفاؤل، ومن يعاند ويخالف فيشدنا إلى حضيض الفوضى، ومن هنا غدا الليطاني مدخلا لمواجهة الفساد في جسد الدولة الواهن، إن نجحت التجربة سنجد أن في مقدورنا السمو والارتفاع نحو مراتب الحداثة والتطور المؤسساتي والإداري وحفظ المال العام وحماية ما بقي من هيبة الدولة.

جلسة المحاكمة الأولى

في هذا السياق، يبدو التحدي الأكبر ماثلا الآن حيال مدى التزام المصانع الملوثة بالقوانين المرعية الإجراء، ودور القضاء في تصويب الواقع القائم بشكله الفضائحي، والأهم ألا يكون ثمة صيف وشتاء تحت سقف واحد، وأن ينأى السياسيون والمعنيون بالتبليغات من القوى الأمنية عن هذا الملف تاركين للقضاء أن يقول كلمته الفصل، وهنا واجب الجميع في مواجهة تبعات الفساد الذي استطال واستشرى خلال العقود السابقة.

في ملف هذه القضية، انعقدت جلسة المحاكمة الأولى في السادس من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، غير أن قاعة المحكمة بدت شبه خالية نسبة إلى عدد المصانع الملوثة والمدعى عليها، لكن المفاجأة كانت عندما بدأ مُباشر المحكمة بتلاوة أسماء أصحاب المصانع ومؤسساتهم ولم يكن هناك سوى أربعة فقط من أصل 31 مصنعاً ومؤسسة، هذا على الرغم من مرور شهر كامل من تاريخ الادعاء، فيما لم تتم محاكمة ممثلي المؤسسات الأربع، بعد أن طلب أصحابها أو وكلاؤها الإستمهال للإطلاع على الملف وتقديم الدفوعات الشكلية.

وكان لافتا للانتباه خلال هذه الجلسة تقدم “المصلحة الوطنية لنهر الليطاني”، بواسطة وكيلها القانوني المحامي علي عطايا، بشكوى مباشرة مع اتخاذ صفة الادعاء الشخصي بوجه الجهات المدعى عليها أمام القاضي المنفرد الجزائي. وطلبت المصلحة من القاضي إصدار القرار

باتخاذ تدبير احترازي معجل يقضي بإقفال محل (مصنع) الجهة المدعى عليها الملوثة قبل صدور الحكم، وذلك لمنع تفاقم الضرر الناتج عن نفاياتها وصرفها الصحي لحين التوقف عن التسبب بالضرر والتلوث، وفقاً لصراحة نص المادة 73 و10)3 من قانون العقوبات.

وأرجئت جلسة 6 تشرين الثاني (نوفمبر 2018 إلى تاريخ 18/12/2018، وحددت جلسات محاكمة للدفعة الثانية من الشكاوى بتاريخ 15/11/2018.

الملوّث يدفع

ولم تكتف المصلحة بذلك فحسب، وإنما طالبت بإلزام الجهة المدعى عليها “بدفع مبلغ مئة مليون ليرة لبنانية كتعويض عن العطل والضرر المرتكب وفقاً لنص المادة 138 من قانون العقوبات – على قاعدة الملوّث يدفع – التي ثبت قيامها بالتسبب بالتلوث مع العلم أنها مستمرة حتى الساعة بالتسبب به على أن يصدر في متن الحكم قرار بتعجيل قسم من التعويض المطالب به من قبل المدعية (المصلحة الوطنية لنهر الليطاني) وفقاً لصراحة نص المادة 202 من قانون العقوبات

وتضمنت دعوى المصلحة طلباً يقضي بـ “نشر الحكم الذي سيصدر عن القضاء وفقاً لنص المادة 135 من قانون العقوبات التي أعطت للقاضي الحق بنشر الحكم في جريدة أو عدة جرائد على نفقة المحكوم عليه بناء على طلب المدعي الشخصي، وذلك حفاظاً على الشفافية وتمكيناً للمواطنين من الاطلاع على الحكم الذي سيصدر في ملف متعلق ومرتبط بقضايا الرأي العام”.

وأكدت مصلحة الليطاني، على لسان رئيس مجلس إدارتها، المدير العام الدكتور سامي علوية، أنها ستتقدم بشكاوى مماثلة بوجه كافة المؤسسات التي ستحال أمام القضاء المنفرد الجزائي بموجب ادعاء النيابة العامة”.

الملوثون والجلسة الثانية

وقد أرجئت المحاكمات إلى الجلسة الثانية التي ستنعقد في 18 و20 الجاري، ومن المفترض أن يمثل أمام القضاء ممثلون وأصحاب 36 مصنعا ومؤسسة، ليحاسبوا على “جرائم الاعتداء على البيئة والمياه المنصوص عنها في القانون 77/2018 والقانون 444/2002 والقانون 64/1988، والمواد 749 و748 و210 من قانون العقوبات”.

أما الجهات المدعى عليها، وفقا لقائمة المصلحة، فهي: شركة نايف قساطلي، شركة توماس كروز، طوني يوسف التنوري، إسكندر شديد، جوزف الخوري، جان سعادة، علي مصطفى البزال، أنطوان شحادة، عادل السروجي، شركة ميكاتيل كاميكالز، الشركة اللبنانية للصناعات الغذائية، شركة ديبال، شركة سكاف، شركة حسن ومحمود اليمن، كريم سهيل حداد، شركة يوسف غروب، إبراهيم بعلبكي، شركة الكرام، شركة قيصر عطا، شركة ج. آغري دايري، خليل وردة (الشركة اللبنانية للتخمير والتقطير)، شركة سيدر غروب، أنطوانيت المعلوف، عباس حسين مبارك، نجيب عمر العلي، جيلبير المعلوف، ربيعة منير حرب، شركة مؤسسة جرجورة عيد وأودلاه، شركة التن للتعهدات، شركة التنمية الزراعية، شركة ألفا انتر فود، جورج بطرس أبو ملهب، غسان الطبعوني، شركة ماستر شيبس، شركة ماريتا للبطاطا المجلدة، حبوبة فخري منصور.

إنفاذ القانون

ويبقى السؤال المطروح حاليا، هل سيمثل هؤلاء في الجلسة المرتقبة؟ وهل ستسلك الأمور طريقها القانوني المفترض، تبليغا ومواكبة؟ أم أننا سنكون أمام حاجة ملحة لتحرك شعبي أمام القضاء وسائر مؤسسات الدولة المعنية لتذكير بالقيام بدورها الذي استقالت منه في حدود كبيرة؟

وثمة أسئلة نتوقع أن تتضح في مسار المحاكمة، أخذا في الاعتبار أن جرائم عدة موصوفة مرتكبة، “أعدمت” نهر الليطاني بالتلوث والفوضى والتسلط لسنوات طويلة، وما تزال قائمة دون إجراءات وتدابير رادعة، وكل الخوف أن نكون أمام واقعة واجهت الرئيس الأسبق لـ “المصلحة الوطنية لنهر الليطاني” النائب ناصر نصرالله، عندما تقدم بإخطارات إلى النيابة العامة في 2000، وتضمنت أسماء المؤسسات الملوثة والمخالفة، ليأتي الرد بعد ثمانية عشر سنة من الانتظار أي في العام 2018.

بالانتظار، ستكون الأنظار شاخصة إلى جلستي 18 و20 الجاري، ليس لجهة إنفاذ القانون ومحاكمة المرتكبين فحسب، وإنما لنتيقن أن في الإمكان اجتثاث شأفة الفساد، من بوابة الليطاني إلى كل لبنان، لننتظر ونرَ؟!

Pin It on Pinterest

Share This