في 13 تشرين الثاني 2018، أقرّ مجلس النواب اللبناني  قانون الأشخاص المفقودين والمخفيين قسريا، الذي ينص على إنشاء “الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسرا“، بصلاحيات للتحقيق في حالات الاختفاء القسري وفي الحصول على المعلومات وتوثيقها والإشراف على عمليات تحديد أماكن دفن الرفات واستخراجها والتعرف عليها وتسليمها للأقارب، كما أنه يكرس الحق في معرفة الحقيقة لجميع أقارب الضحايا دون تمييز.

هذا التشريع البالغ الاهمية سبقه قبل عامين اقرار قانون انشاء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب، ما اعتبر  امتثالاً ايجابياً ولو متأخراً للبنان في تطبيق مندرجات “البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب”، الذي  ينص البروتوكول على إنشاء آلية وطنية مستقلة لمنع التعذيب، تتضمن زيارات منتظمة لمراكز الاعتقال في البلاد لمعاينة معاملة المحتجزين.بموجب القانون، لا تقتصر أماكن الاحتجاز على السجون ومراكز الشرطة، إنما تشمل أيضا مواقع احتجاز المهاجرين في أماكن مثل الموانئ والمطارات ومراكز الصحة العقلية. ويفترض ان يتمكن العاملون في لجنة الوقاية من التعذيب من مقابلة المعتقلين سرا ودون وجود حراس. ويشترط القانون على السلطات اللبنانية التعاون مع اللجنة وتسهيل عملها.

تنتظر الهيئة الوطنية لحقوق الانسان، التي تم تسمية اعضائها في شهر ايار الماضي، تشكيل الحكومة لاستكمال اصدار مراسيمها الناظمة واقرار موازنتها بما يكفل البدء بعملها باستقلالية وفعالية. في المقابل يتوقع ان يمر وقت طويل قبل تسمية اعضاء الهيئة الوطنية للفقودين والمخفيين قسراً، نظراً للمسار البطيئ الذي تسلكه عادة التسميات والترشيحات من قبل الجهات المعنية لا سيما مجلس القضاء الاعلى ونقابتي المحامين في بيروت وطرابلس وجمعيات حقوق الانسان وجمعيات اهالي المفقودين.

كما اقر مجلس الوزراء في ايار الماضي تشكيل اللجنة الوطنية لاعداد التقارير ومتابعة التوصيات الصادرة عن الاليات الدولية. ولم يصدر مرسوم تسمية اعضائها رغم ان اغلبية الوزارات رشحت مندوبيها.

تحدث هذه التطورات الهامة على الصعيد المؤسساتي في وقت تشهد اوضاع حقوق الانسان في لبنان تراجعاً على العديد من المستويات التي لا بد من التوقف عندها.

على صعيد الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية، لا يزال القضاء يصدر قرارات الاعدام رغم ان لبنان جمد تنفيذ عقوبة الاعدام منذ سنوات. و يوجد 76 محكوما بالاعدام عام 2017 و 61  محكوما عام 2016 . كما يوجد في السجون اللبنانية 6385 سجينا أكثر من نصفهم موقوفين من دون محاكمه، وتعاني السجون من اكتظاظ شديد واوضاع صحية واجتماعية بالغة السوء، حيث تضم الغرف احيانا 35 سجينا وهي تتسع لاقل من عشرة، وينتشر فيها الجرب والقمل والحشرات وغياب النظافة.

رغم مصادقة لبنان على اتفاقية مناهضة التعذيب والبروتوكول الاختياري للاتفاقية وتشكيل الالية الوقائية لمنع التعذيب، فان التعذيب ما يزال يمارس في مراكز التحقيق وهو ما اكدته لجنة مناهضة التعذيب خلال زيارتها لسجون لبنان عامي 2013 و2014 من ان التعذيب ممنهج في السجون اللبنانية. وتشير الى وجود  70 حالة تعذيب في العام 2018، حدث في السجون او في اماكن حجز الحرية المتعددة، وابرز هذه الحالات ما تعرض له الممثل المسرحي زياد عيتاني من تعذيب عندما اوقف من قبل “امن الدولة” بتاريخ 23 تشرين الثاني 2017 قبل ان تبرأه المحكمة من التهم التي وجهت اليه.  ويشير مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب في تقرير صدر مؤخراً ان لبنان خرق اتفاقية مناهضة التعذيب المادة 3 عندما سلم المعارضة التركية ايتن اوزتورك بالقوة للسلطات التركية في مطار بيروت في 8 آذار 2018 رغم ابلاغها الجانب اللبناني بانها معارضة وستتعرض للتعذيب في حال تسليمها، وهو ما حدث فعلا حيث تعرضت للتعذيب بحسب شهادة ادلت بها عبر محاميها.

وكان لبنان قبل في 17 آذار (مارس) عام 2011، عدد من التوصيات التي صدرت خلال الاستعراض الدوري الشامل الذي جرى في تشرين الثاني (نوفمبر) 2010 في مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، ومن إحدى هذه التوصيات قبول طلبات زيارات خبراء الأمم المتحدة إلى البلاد عبر دعوة الإجراءات الخاصة في الأمم المتحدة المفتوحة. واعربت ما يزيد عن 30 منظمة حقوقية في شهر الأول الماضي عن  قلقها  بشأن تقاعس الحكومة اللبنانية  عدد من المقررين الخاصين في الأمم المتحدة الى لبنان. واستقبل لبنان منذ العام 1998 ثمانية مقررين خاصين يعملون ضمن ما يعرف بالاجراءات الخاصة للامم المتحدة، لكن لبنان لا يزال رافضاً لدخول ثمانية من المقررين الخاصين ولجان وفرق الخبراء في الأمم المتحدة الى الاراضي اللبنانية، ابرزها  فريق الأمم المتحدة المعني بحالات الاختفاء القسري، والخبير المستقل المعني بآثار الديون الخارجية وما يتصل بها من التزامات مالية دولية أخرى في التمتع الكامل بجميع حقوق الإنسان، والمقرر الخاص المعني بمسألة الفقر المدقع وحقوق الإنسان، والمقرر الخاص المعني بالسكن اللائق كعنصر من عناصر الحق في مستوى معيشي مناسب، والمقرر الخاص المعني باستقلال القضاة والمحامين، والمقرر الخاص المعني بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة،  المقرر الخاص المعني بالأشكال المعاصرة للعنصرية والتمييز العنصري وكره الأجانب وما يتصل بذلك من تعصب.

وتصاعدت في الآونة الاخيرة عمليات التضييق على الحريات العامة وخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي واستدعاء النشطاء والتحقيق معهم وقد بلغ عددهم ما يقارب 50 ناشطا. ويجب وفق التزامات لبنان باتفاقيات حقوق الانسان منع استدعاء الناشطين دون سبب أساسي كوسيلة للضغط على حرية التعبير، كما يجب جعل قضايا القدح والافتراء والتشهير قضايا مدنية ولا جنائية، وتحديد المفاهيم المتعلقة بالرقابة على المحتوى بدقةٍ، مثل “التشهير” و“القدح” من أجل منع الإساءات في تطبيقها. كما تكاثرت الدعاوى ضد الصحافيين ونشطاء من قبل مسؤولين في الدولة اللبنانية والاعتداء على قنوات تلفزيونية وحجبها عن مناطق لبنانية ومنع اجتماعات حزبية، ومؤخرا صدور تعميم لوزير الداخلية نهاد المشنوق بتاريخ 12 تشرين الثاني 2018 رقم 24 كمحاولة للوصاية على الجمعيات والتضييق على انشطتها، بما يخالف قانون الجمعيات وقرارات مجلس شورى الدولة ذات الصلة.

على صعيد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فشل لبنان في معالجة التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية والبطالة والفقر عملا بالتزامات خطة عمل 2030 حول التنمية المستدامة. على هذا النحو، ينبغي إعتماد نموذج تنموي جديد يقوم على المقاربة الحقوقية وعلى استراتيجيات وطنية تؤدي الى الانتقال من الإقتصاد الغنائمي الريعي غير المنتج الى إقتصاد حقيقي منتج، يعتمد على قطاعات ذات قيمة مضافة مولدة لفرص العمل اللائق ووضع استراتيجية وطنية واضحة لمحاربة الفقر، وإصلاح النظام الضريبي لمعالجة التفاوت والحدّ من تأثيره على الفقراء والفئات المتوسطة. كما يجب استخدام الموارد المتاحة بالكامل لضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتخصيص الموارد المادية (في الموازنة) لتوفير الخدمات والحقوق الأساسية وضمان الوصول إليها والقدرة على تحمل تكلفتها من دون تمييز؛

جميع المعطيات تشير الى التردي الخطير في الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتعاظم الدين العام، 30% من اللبنانيين تحت خط الفقر، 36% عاطلين عن العمل ومليون ونصف مليون يعيشون ب 4 دولار في اليوم و 8%  يعيشون في فقر مدقع.

كما ينبغي معالجة الفجوات الموجودة في نظام الحماية الاجتماعية، واعتماد نظام شامل على أساس المقاربة الحقوقية انطلاقا من أرضيات الحماية الاجتماعية، على أن تشمل ايضا اللاجئين والنازحين والعمّال المهاجرين. وقد يساهم إصلاح النظام الضريبي بتأمين الإيرادات اللازمة لتمويل نظام الحماية الاجتماعية الشامل، فضلا عن تحفيز النمو الاقتصادي التضميني والعادل الذي سيؤدي بدوره إلى توليد المزيد من الإيرادات ووظائف لائقة ومستدامة، فتساهم في تعزيز نظام الحماية الاجتماعية منها ضمان الشيخوخة والمعاش التقاعدي. كما على لبنان التصديق على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 102 بشأن المعايير الدنيا للضمان الاجتماعي وتطبيق التوصية رقم 202 بشأن أرضية الحماية الاجتماعية.

ويتوجب على السلطات اللبنانية التدقيق في التدابير المتاحة لمعالجة ارتفاع تكلفة الخدمات الصحية والتفاوت النوعي بين المرافق الصحية العامة والخاصة. ينبغي أيضاً إنشاء نظام تغطية صحية (أولية) شاملة لكل المواطنين والمقيمين، لا سيما للفئات الضعيفة/المهمشة من السكان، بما في ذلك المسنين والأشخاص ذوي الإعاقة والعاطلين عن العمل والعمال المهاجرين والمزارعين واللاجئين والموظفين في القطاعات غير الرسمية.  وتحسين النظام التعليمي من خلال تحسين نوعية التعليم العام وتغيير المناهج ومعالجة التفاوتات في المناطق الريفية وتسجيل اللاجئين السوريين في المدارس وضمان التعليم المجاني والإلزامي لجميع الأطفال. كما يجب تخفيض ومراقبة أقساط المدارس الخاصة وتحييد النظام التعليمي وضمان استقلاليته عن السياسة. فضمان الحق في التعليم يخفف من مخاطر عمل الأطفال، الذي ينبغي أيضا أن يُعالج وفقا لالتزامات لبنان بموجب اتفاقية حقوق الطفل، ومن خلال استراتيجية واضحة يتم تحديدها.

لائحة التوصيات بتحسين اوضاع حقوق الانسان تشمل ايضاً، سحب التحفظات عن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لضمان كافة حقوق النساء في: إعطاء الجنسية اللبنانية لعائلاتهن في حال الزواج من أجنبي كما هو الحال بالنسبة للرجال. يجب أيضًا تبني قانون مدني وموحد للأحوال الشخصية يرتكز على المساواة التامة بين الجنسين، وذلك من أجل التصدي لممارسات العنف التمييزية وغير العادلة ضد المرأة بموجب القوانين الحالية، بما في ذلك قوانين الزواج والطلاق وحقّ الوصاية والميراث. وإلغاء جميع الأحكام التمييزية في قانون العقوبات اللبناني وفي قانون “حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري” التي قد تسمح بأي شكل من أشكال العنف ضد المرأة، بما في ذلك جرائم الشرف والاغتصاب الزوجي والزواج المبكر. وتعديل قانون العمل اللبناني لإلغاء كافة الأحكام التمييزية ضد المرأة والمصادقة على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 183 بشأن حماية الأمومة. وتقويض المرتكزات الثقافية للتمييز والعنف ضد المرأة التي يروجها الفكر البطريركي الذكوري كذلك مكافحة الإستغلال الجنسي. ويزداد الظلم والتمييز ضد المرأة بانتزاع اطفالها بالقوة كما تكرر في حالتين خلال تشرين الثاني 2018 استنادا الى قوانين المحاكم الشرعية،  وتزويج القاصرات المدمر للاسرة والطفولة.

كما ينبغي إصدار قوانين ومراسيم خاصة بالقانـون رقم 164 تاريخ 24/8/2011 حول جريمة الاتجار بالأشخاص، حيث أنه قانون عقابـي بامتيـاز فهـو نـص علـى العقوبـات التـي يتعـرض لهـا مـن ارتكـب الجـرم لكـن لـم يلحـظ أيـة اجـراءات حمايـة للضحايـا حتـى عندمـا أعطاهـا وصـف الضحيـة. الحمايـة الوحيـدة التـي أقرهـا كانـت للشـهود، لكنهـا بقيـت مشـروطة بعـدم اعتـراض المدعـى عليـه المشـتبه بـه عليهـا، ما يستدعي: التأكد من أن ضحية الاتجار لا تُعامَل كمجرم: عبء الإثبات على عاتق السلطات وليس الضحية، ضمان حق الضحية في المشاركة في العملية القانونية، التي يمكن أن تتطلب إصدار تصريح إقامة، والحاجة إلى آليات واجراءات أكثر صرامة لحماية هوية الضحية.

على صعيد حقوق الاشخاص ذوي الإعاقة، ينبغي التصديق على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وضمان تنفيذ الإستراتجية الوطنية لإدماج الأشخاص ذوي الإعاقة بفعالية، وتطبيق القانون 220/2000 الذي يتم اعتماده جزئيًا بسبب نقص المعلومات حول الحقوق والخدمات. من الضروري أيضًا الالتزام بكوتا 3% بتوظيف الأشخاص ذوي الإعاقة في قطاعي الرسمي والخاص. وعلاوة على ذلك، ينبغي أن يعالج لبنان التقصير في التجهيز الهندسي لتسهيل العملية الانتخابية للأشخاص ذوي الإعاقة، فضلاً عن تجهيز المباني العامة والخاصة ذات الاستخدام العام.

 

ولا يزال لبنان ممتنع عن التصديق على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم واتفاقيات منظمة العمل الدولية ذات الصلة بالأخص رقم 97، 143 و 189 من أجل ضمان الحماية من كافة أشكال التمييز المرتبطة بعملهم وإلغاء نظام الكفالة؛

أما على صعيد  الحق في العمل فينبغي التنفيذ الكامل لقانون العمل وتعديله وفقا للمعايير الدولية (ظروف عمل لائق وفوائد متساوية وتوظيف متساوي وغير تمييزي)، بالأخص التصديق على اتفاقية العمل الدولية رقم 87 بشأن حرية التنظيم وإلغاء جميع القيود على العمل النقابي في القطاعين العام والخاص للعمال اللبانيين والمهاجرين. وكما يجب إنشاء آلية مراقبة لمنع الإنتهاكات، وتطوير آليات مجالس العمل التحكيمية لضمان إصدار الأحكام بفترة زمنية قصيرة. ويشمل الإصلاح أيضا معالجة الفجوة بين الجنسين، ومنح اللاجئين الفلسطينيين واللاجئين الآخرين الحق في الضمان الاجتماعي وممارسة جميع المهن.

في الخلاصة ينبغي تنفيذ تدابير صارمة للمراقبة والشفافية وللتأكد من تنفيذ جميع حقوق الإنسان السياسية والمدنية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية المنصوص عليها بالقانون بشكل عادل وكامل وفقاً للمعايير والالتزامات الدولية، واقرار القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد وفقا للمعاهدة الدولية لمحاربة الفساد بما في ذلك قانون حماية المبلغين لضمان الشفافية والمساءلة.

 

Pin It on Pinterest

Share This