افتتح أمس الأحد في 2 كانون الأول (ديسمبر) 2018 المؤتمر الـ 24 للإتفاقية الإطارية لتغير المناخ، في كاتاوايس – بولندا، في منطقة من أكثر مناطق مناجم الفحم الحجري تلوثا في أوروبا. يستمر المؤتمر حتى 14 كانون الأول (ديسمبر)، حيث يعتبر المؤتمر الدولي الأكثر أهمية منذ مؤتمر باريس في العام 2015.

في هذا المؤتمر سوف يتفاوض المجتمعون بهدف وضع منظومة إجراءات وقواعد لتطبيق إتفاقية باريس 2015، في ظروف عالية الصعوبة والتعقيد، إزدادت تفاقما مع انسحاب الإدارة الأميركية من هذه الإتفاقية، مما يجعل من تحقيق هذه الهدف أمرا على درجة عالية من الصعوبة.

ينعقد هذا المؤتمر، في وقت لا تزال غازات الدفيئة تحقق أرقاما قياسية جديدة في الإرتفاع سنة بعد سنة. وإذا ما استمرت بالإرتفاع على هذه الوتيرة، سوف يصل إرتفاع الإحترار الكوني إلى 3-5 درجات مئوية حتى نهاية هذا القرن، على خلاف الأهداف، التي يجهد العالم لتحقيقها في حصر هذا الإرتفاع في حدود 1.5 – 2 درجة مئوية.

إن الجدية في التعامل مع ظاهرة التغير المناخي تتطلب اتخاذ إجراءات حازمة للحد من استثمار كل أنواع الوقود الأحفوري، حيث أن الإستمرار بالعجز عن التخفيف الفعلي في استخدام الوقود الأحفوري، سوف يؤدي إلى استمرار إرتفاع الحرارة الكونية بشكل كبير.

من المهم جدا أن نضع حد لارتفاع الحرارة الكونية لا يتجاوز 2 درجة مئوية كحد أقصى. ومن الأكثر أمانا والأكثر فائدة أن يكون هذا الحد 1.5 درجة مئوية، لكي نتفادى الظواهر المناخية المتطرفة، وارتفاع مستوى البحار، وخسارة أنواع نباتية وحيوانية إضافية، التي بدأ العالم يشهدها بقوة في كثير من مناطقه.

في اتفاقية باريس 2015 تعهدت دول العالم أن تعمل على تحقيق حد 2 درجة مئوية لارتفاع الحرارة الكونية حتى نهاية القرن، ولكن تحقيق هذا الهدف الكبير يتطلب تخفيضا جذريا في استعمال الوقود الأحفوري، الذي يعتبر السبب الرئيس لظاهرة الإحترار الكوني وتغير المناخ.

تشير بعض النماذج، التي يدرسها الباحثون في شؤون تغير المناخ، إلى أنه حتى ولو نفذت كل الدول إلتزاماتها ووعودها وأهدافها المعلنة حيال تخفيف إنبعاثات غازات الدفيئة، فإن حدا من 3 درجات مئوية لارتفاع الحرارة الكونية سوف يتحقق. وهذا سوف يترافق مع استمرار الأحداث المتطرفة للطقس، التي تؤدي إلى كوارث وخسائر إقتصادية كبيرة، ولا سيما في قطاعي الزراعة والصحة.

إن الإرادة السياسية الصلبة والحازمة وحدها تمكن الدول من استخدام أدواتها السياسية والتقنية والإقتصادية لتحقيق التغيرات الجذرية المطلوبة في الإقتصاد العالمي، وفي قطاع إنتاج الطاقة على وجه الخصوص، مع ما يرتبط به من تعديلات جذرية تطاول سياسات الإنتاج والإستهلاك، بما يؤمن حدا لارتفاع درجة الحرارة الكونية إلى 1.5 درجة مئوية فقط. هذا ممكن حقا، ولكن السؤال الكبير والمقلق يبقى مطروحا، هل ستتمكن الحكومات والأطراف الأخرى المتفاوضة اليوم على مقربة من مناجم الفحم الحجري في بولندا من إحداث هذا التغيير؟

إن سياسة وضع المزيد من الضرائب والرسوم على استهلاك المشتقات النفطية، كخطوات معزولة عن سياق التغيير الجذري المطلوب في بنية الإقتصاد، وبنية قطاع إنتاج الطاقة بالدرجة الأولى، عبر التحول الكامل إلى مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة، ستبوء بالفشل حتما، لأنها تضع العدالة المناخية بمواجهة العدالة الاجتماعية، وهذا خطأ استراتيجي فادح.

 

Pin It on Pinterest

Share This