حمل مؤتمر الأطراف الرابع عشر للتنوع البيولوجي COP14 المنعقد في شرم الشيخ في جمهورية مصر العربية شعارا طموحا “الاستثمار في التنوع البيولوجي من أجل الإنسان والكوكب”، يمكن أن يشكل خارطة طريق دولية لحماية الأنواع المهددة والحفاظ على النظم الإيكولوجية، ولا سيما تلك التي تعاني الهشاشة ومعرضة لمزيد من التدهور، عبر تكريس مفاهيم الاستدامة وربطها بالمجتمعات وحاجاتها وفق رؤى تراعي كل العناصر الطبيعية وتوفر سبل ديمومتها، وفق معادلات تفرض أن يكون الإنسان فاعلا في حدود تستحضر مثلا شعبيا “لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم”.

هذا المثل الذي جسد في حقبات تاريخية ليست بالبعيدة فلسفة الأجداد في تعاطيهم مع الأرض واستثمار خيراتها في حدود الحاجة، أي بعيدا من اقتصاد السوق وثقافة الاستهلاك التي خربت عالمنا وشوهت وجودنا ودمرت غذاءنا الطبيعي والصحي، وأبعدتنا عن قيم إنسانية لصالح حيتان وكارتيلات المال والشركات المتعددة الجنسيات.

شعارات جميلة… ولكن!

الشعارات الجميلة التي غالبا ما تتصدر المؤتمرات البيئية وتجمع دولا ومنظمات وهيئات من المجتمع المدني، تمثل واجهة لنقاش يستغرق ساعات طويلة ومناقشات تمتد أياما وتخلص كما هي العادة إلى تبني أفكار خلاقة، لكن دون إمكانية تبني آليات لتحقيقها، فعلى سبيل المثال لا الحصر، استعرضت المناقشات في المؤتمر المساهمة في دعم حوار بشأن الإطار العالمي للتنوع البيولوجي لما بعد 2020، في ظل توافق وتكامل قضايا التنوع البيولوجي والصحة مع الالتزامات العالمية للتنمية المستدامة، إضافة إلى سد الفجوة بين العلوم والسياسات وجعلها قابلة للتنفيذ، لكن في المعطى العام، وسط ما نشهد من تدهور في مجال المناخ، واستماتة الحكومات على تقويض مقررات “مؤتمر باريس” مغلبة مصالحها على مستقبل ومصير الكوكب، تغيب أي فسحة تفاؤل، والمسألة لا تقتصر على الولايات المتحدة الأميركية فحسب، مع مضي رئيسها دونالد ترامب في التحرر من التزامات سلفه باراك أوباما، فجلّ الدول الصناعية تماطل في حدود حماية مصالحها، بما فيها الدول المتبنية أساسا لمقررات “اتفاق باريس”، بحيث نشهد عجزا عن مواكبة ما يمكن أن يحقق أهداف هذا الاتفاق.

ومن بين عناوين المؤتمر تسخير التنوع البيولوجي من أجل مستقبل صحي ومرن، وهذا لا يغدو كونه أكثر من شعار، فتجريف الغابات مستمر، والضباب الدخاني يلف مدنا ويعطل فيها دورة الحياة، ليس في دول آسيا فحسب، وإنما في العديد من الدول الأوروبية أيضا، ونسبة الوفيات الناجمة عن تلوث الهواء دفعت بـ “منظمة الصحة العالمية” WHO إلى دق ناقوس الخطر مرارا وتكرارا، وأقصى ما تحقق في شرم الشيخ تمثل في مناقشة المبادرات الناشئة والتركيز على وجود منهج متكامل لتحقيق أقصى استفادة بين الأنظمة البيئية وصحة الإنسان، لكن دون مفاعيل تطبيقية ملزمة للدول والحكومات، وما يمكن استنتاجه في قراءة أولية تقييمية أن المؤتمر تبنى شعارات جميلة… ولكن!

خدمات النُظم الإيكولوجية

ما عاد يكفي التركيز على عرض أفضل الممارسات والأدوات الجديدة لتعزيز التعاون متعدد التخصصات والقطاعات بشأن قضايا التنوع البيولوجي والصحة، إذ لا بد من العمل الجاد على إطلاق مبادرات قابلة للتطوير ولدعم تحقيق حماية الكوكب من التغير البيئي على مستوى العالم، خصوصا وأن خسارة التنوع البيولوجي يمكن أن تنجم عنه آثار خطيرة ومباشرة على صحة الإنسان، لا سيما عندما تصبح خدمات النظم الإيكولوجية غير قادرة على تلبية الاحتياجات الاجتماعية.

وكما هو معلوم يقدم التنوع البيولوجي العديد من خدمات النُظم الإيكولوجية ذات الأهمية البالغة لصحة الإنسان حاضرا ومستقبلا، وهنا لا بد من التأكيد على أن المناخ جزء لا يتجزأ من عمل النظام الإيكولوجي، وصحة الإنسان تتأثر بشكل مباشر وغير مباشر بنتائج الأحوال المناخية في النظامين الإيكولوجيين الأرضي والبحري.

كما يتأثر التنوع البيولوجي البحري بتحميض المحيطات المتعلق بمستويات الكربون في الغلاف الجوي، ويتأثر التنوع البيولوجي الأرضي بتقلب المناخ، كالظواهر الجوية الشديدة (أي الجفاف والفيضان) التي تؤثر تأثيراً مباشراً على صحة النظام الإيكولوجي وعلى إنتاجية سلع وخدمات النُظم الإيكولوجية وتوافرها للاستخدام من قبل الإنسان. أما التغيرات الأطول أمداً في المناخ فتؤثر على استمرارية النُظم الإيكولوجية وصحتها، الأمر الذي يؤثر بدوره على توزيع النباتات والحيوانات وأيضاً المستوطنات البشرية.

ثمة الكثير من القضايا عالجها المؤتمرون في شرم الشيخ، ولكنها تندرج في مقولة “إسمع تفرح جرب تحزن”!

Pin It on Pinterest

Share This