تشكل الإطارات المطاطية الخارجة من الخدمة نفاية صلبة كبيرة الحجم وكثيرة العدد. وهي بذلك تتحول إلى مشكلة ضاغطة على البيئة في كل بلدان العالم، نظرا لملايين الأطنان، التي تخرج من الخدمة كل عام.

في لبنان، مع الازدياد الكبير في عدد المركبات الآلية، من سيارات صغيرة ومركبات كبيرة وشاحنات وجرارات ومركبات مختلفة الحجم والإستعمال، يقارب عدد السيارات العاملة في لبنان المليون وخمسماية ألف سيارة، وهذا العدد بازدياد مضطرد سنويا.

إذا اعتبرنا أن متوسط عمر دولاب السيارة 3 – 4 سنوات، فيكون عدد الإطارات الخارجة من الخدمة يتراوح بين مليون وخمسماية ألف ومليوني إطار سنويا، يضاف إليها ما يتولد من إطارات خارجة من الخدمة عند مؤسسة الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى. هذه الأرقام هي كبيرة جدا بالنسبة للبنان، البلد الصغير بمساحته وعدد سكانه. وبالتالي، فإن نفايات الإطارات المطاطية الخارجة من الخدمة تشكل ثقلا بيئيا كبيرا في ظل الأزمة المتمادية لإدارة النفايات، واستمرار الممارسات غير المستدامة في إدارة ملف النفايات الصلبة عموما، والإطارات المطاطية الخارجة من الخدمة بشكل خاص.

إن أي مهتم بسلامة البيئة وأمان الصحة العامة في لبنان، من كل المواقع، الرسمية والأهلية غير الرسمية، لا يمكنه أن يتجاهل ثقل مشكلة معالجة نفايات الإطارات والتخلص السليم بيئيا منها. ولذلك، لبنان بحاجة ماسة إلى وضع نظام لإدارة هذا النوع الخاص من النفايات الصلبة، وتخفيف الأثر البيئي والصحي الناتج عن الرمي العشوائي والطمر والحرق العشوائي غير المراقب لكميات الإطارات الخارجة من الخدمة سنويا.

هناك عدة مقاربات للتعامل مع نفايات الإطارات.

  • المقاربات غير البيئية وغير المستدامة، تتمثل بالرمي العشوائي، حيث نراها مرمية جنب الطرقات، وفي المكبات العشوائية وفي أماكن مختلفة. وتتمثل أيضا بطمرها في المطامر النظامية.

الرمي العشوائي والطمر، حتى ولو كان يتم في مطامر نظامية، هي ممارسات غير مستدامة، وتسبب عددا كبيرا من المشاكل البيئية والصحية. فمن جهة، تحتل الإطارات حيزا كبيرا جدا من حجم المطمر أو المكب. ومن جهة أخرى، تشكل مياه غسل الإطارات بمياه المطر مياه رشح ملوثة بالمعادن وبمواد كيميائية بترولية ضارة للبيئة وملوثة للتربة. إن مياه رشح المطامر، التي تستقبل نفايات الإطارات المطاطية هي مياه ملوثة بمواد سامة تشكل خطرا حقيقيا على أحياء الأوساط المائية (البحر والأنهار والبحيرات). وتشكل أيضا مخاطر حقيقية لحدوث حرائق عشوائية تطلق في الهواء ملوثات عالية الخطورة على الصحة البشرية والبيئة. ويعتبر إطفاء حرائق الإطارات المطاطية عملية صعبة جدا. وبالتالي إن طمر نفايات الإطارات، لا يعتبر إدارة مستدامة ولا ممارسة مقبولة بيئيا.

  • المقاربات المقبولة بيئيا، هناك مقاربات تهتم بتدوير وإعادة استعمال الإطارات الخارجة من الخدمة في مجالات عديدة. من هذه المقاربات، إعادة التلبيس (التجديد)، والتدوير، والتحويل إلى فيول سائل. واحدة من أهم المقاربات والطرق للإستدامة البيئية تكمن في تحويل مطاط الإطارات إلى فيول.
    • يعتبر تدوير الإطارات المطاطية ممارسة سليمة، ولكن نظرا لكبر كمية نفايات الإطارات المتولدة سنويا، لا يمكن للتدوير أن يكون المقاربة الوحيدة القادرة على معالجة كل الكميات والتخلص السليم منها. إن الكمية الكبيرة للإطارات تشكل مشكلة من الناحية البيئية والإجتماعية والمالية على المستويين الوطني والعالمي. هناك صعوبات كبيرة بتوفير التمويل لتدوير كل الكميات المتولدة. لا بد من اعتماد كل المقاربات المقبولة بيئيا للتعامل مع الكميات الكبيرة جدا من الإطارات الخارجة من الخدمة سنويا، وبالنظر أيضا إلى الآثار البيئية والصحية الكبيرة للمارسات غير المستدامة والإدارة غير السليمة لهذا لنوع الخاص من النفايات الصلبة.
    • إعادة تجديد الإطارات الخارجة من الخدمة وإعادة استعمالها، تعتبر هذه الممارسة جزءا من حل مسألة التخلص السليم بيئيا من الإطارات الخارجة من الخدمة، ولكنها لا تكفي للتعامل مع كل الكميات المتولدة من هذه النفايات الصلبة ذات الخصائص والميزات الخاصة.
    • يمكن استعمال بعض كميات الإطارات المطاطية الخارجة من الخدمة في مجالات استيعاب الصدمات والإرتجاجات، وفي بعض الخلائط مع الإسمنت في أعمال البناء، ولا سيما في أساسات البناء، وكذلك في مد الطرق ممزوجا مع الإسفلت.
    • يمكن أيضا استعمال الإطارات المطاطية الخارجة من الخدمة في مجال استرداد الطاقة، نظرا للقيمة الحرارية العالية للمواد التي تتكون منها، وهي تشكل مصدرا هاما لإنتاج الفيول المشتق من الإطارات Tire Derived Fuel (TDF). بالمقارنة مع الفحم الحجري، تشير الكثير من الدراسات إلى أن الإطارات المطاطية هي أقل تلويثا للبيئة، وأن أنسب صناعة لاستعمالها هي صناعة الإسمنت، نظرا لخصوصيات تكنولوجيا صناعة الإسمنت. ويتم حرقها مع الفحم الحجري في بعض البلدان للإستفادة من قيمتها الحرارية العالية ولتخفيف مستوى التلوث الكبير، الذي يحدثه الفحم الحجري.
    • يتعبر تدوير الإطارات المطاطية الخارجة من الخدمة أيضا مقاربة مقبولة بيئيا، وذلك لتحويل المادة اللدائنية، التي يتكون منها مطاط الإطارات إلى أنواع جديدة من اللدائن لتصنيع منتجات جديدة مختلفة، أو لاسترداد المطاط نفسه.
  • التحويل إلى فيول سائل، يتم ذلك بواسطة عمليات التحويل الكيميائي – الحراري Thermo-chemical conversion processes. وترتكز هذه العمليات على إنتاج مواد كيميائية من نفايات الإطارات المطاطية الخارجة من الخدمة. تشمل هذه التقنيات العمليات التالية:
    • الحرق Incineration، وهي عملية تحويل المواد العضوية للإطارات المطاطية إلى طاقة عبر تدميرها بالحرق في وسط غني بالأوكسجين. يتولد عن هذه العملية كميات كبيرة جدا من الملوثات الغازية والجزيئات الصغيرة ومتناهية الصغر والرماد، وكلها ملوثات عالية المخاطر على البيئة والصحة العامة، تتطلب وضع وتشغيل تجهيزات إدارة التلوث وتنقية الغازات ومعالجتها.
    • التغييز Gasification وهي عملية تحويل كيميائي – حراري على درجات حرارة عالية بوجود قليل من الأوكسجين، بحيث تتحول المادة العضوية للإطارات المطاطية إلى خليط من الغازات يسمى (الغاز المخلق أو سينغاز Syngas) مع قليل من المواد مثل الماء والفحم.
    • التسييل الهيدرو – حراري Hydrothermal liquefaction، ما يميز هذه العملية أنها تتم تحت ضغط عالي جدا، وفي هذه الحالة ليس هناك داع لتجفيف المواد ونزع الماء والرطوبة منها. الفيول السائل الناتج عن هذه العملية يكون سيء النوعية ويحتوي على نسبة عالية من الماء والمتبقيات الأخرى.
    • الإنحلال الحراري (البيروليز) Pyrolysis:

عملية البيروليز هي تحويل المواد العضوية للإطارات المطاطية تحت حرارة عالية وضغط عادي أو منخفض، بحضور أو عدم حضور مواد محفزة. ما يميز هذه العملية أنها تتم في وسط خال كليا من الأوكسجين، وهذا يعني أن عملية التحول الكيميائي – الحراري هي ليست حرقا، بل هي مختلفة كليا عن عملية الحرق من حيث شروط تحققها، ومن حيث منتجات التحول المتولدة عنها. ولهذا السبب هناك ضرورة لتجفيف الإطارات قبل إدخالها إلى المفاعل، حيث أنه من غير الملائم وجود الماء خلال عملية البيروليز. يمكن تعريف البيروليز بأنه عملية تكسير للجزيئات اللدائنية الكبرى larger molecules إلى جزيئات صغيرة smaller molecules. العمليات التي تتم خلال البيروليز هي التالية: التكسير الحراري Thermal cracking، والتحلل الحراري Thermolysis، وتفكك اللدائن Depolymerisation.

من حيث المبدأ إن تقنية البيروليز ليست حديثة بل يعود تاريخها إلى ما قبل 5 آلاف عام مع تصنيع الفحم. يرتبط نوع وكمية المواد التي تتكون نتيجة عملية البيروليز بظروف تحقق العملية، وحجم المواد الداخلة، ودرجة الحرارة ووتيرة ارتفاعها، ودرجة حرارة تكثيف المواد الطيارة. عمل الباحثون على تطوير هذه التقنية لإنتاج الفيول من مواد مختلفة، ولا سيما المواد اللدائنية المرتكزة بتكوينها على المشتقات البترولية. تم تطوير هذه التقنية لتصبح صديقة للبيئة بسبب ضعف الإنبعاثات المتولدة عنها، إلا في حالات تسرب وتنفيس من التجهيزات. إن عملية الإنحلال الحراري للمواد العضوية المكونة للإطارات المطاطية، التي تتم مع البيروليز هي عملية معقدة، ويمكن النظر إليها على أنها عمليات مكونة من مرحلتين: في البداية، تتكون الأبخرة للمواد الطيارة، ويليها عمليات التكسير الحراري على درجات حرارة أعلى. (عملية التكسير الحراري تعني  تكسر الجزيئات الكبيرة Large molecules إلى جزيئات صغيرة  Small molecules، وتفاعل هذه فيما بينها في حالة بخارية وغازية على درجات حرارة عالية لتكوِّن أحيانا مواد جديدة، ليس بالضرورة كانت موجودة على نفس الحالة في المواد الداخلة).

حققت تقنية البيروليز نجاحا في مجال معالجة اللدائن المرتكزة في تكوينها على مركبات هيدروكربونية (بترولية)، مثل المخلفات البلاستيكية والمطاطية، كل على حدة. ونجحت أيضا تجارب جمع المخلفات البلاستيكية والمطاطية سوية في ظروف محددة لدرجات الحرارة والضغط ووجود المحفزات. أما التجارب المخبرية لخليط من النفايات الصلبة بما فيها المكونات العضوية النباتية والحيوانية، لا تزال لم تحقق نتائج مقبولة، وبالتالي لم تتحول تقنية البيروليز بعد إلى تقنية ملائمة لمعالجة نفايات متعددة التركيب، وتحتوي على الماء أو الأكسجين في تركيبها الكيميائي، وبالتالي هي لا تزال تقنية غير ملائمة لمعالجة خليط النفايات الصلبة المنزلية، ولا سيما الغنية جدا بالمكونات العضوية عالية الرطوبة ومحتوى الأوكسجين.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This