لم نكن نتصور أن حصانة ومناعة بعض النواب قد أصابتها الهشاشة إلى هذا الحد، وأنها قابلة للسقوط أمام أول امتحان لحملها أمانة الدفاع الصلب والعميق عن مصالح ناخبيهم في أحياء بيروت المختلفة، في الأشرفية وغيرها.

يبدو أن حملات التسويق بكل الوسائل المتاحة، بما فيها التضليل واسع النطاق في الإعلام، وفي “الكليبات” الاستعراضية البايخة، وفي تنظيم المؤتمرات المعلبة، وضيقة هامش الإستماع والتحمل للرأي الآخر، تحت عناوين كاذبة، مثل “تعزيز الحوار” بشأن إدارة النفايات في لبنان، التي كشفت عن طبيعتها التسلطية والتضليلية والقمعية بسرعة كبيرة، كانت محل ذهولنا، واستغراب الكثيرين من أصحاب الرأي الحر في لبنان.

حملات التسويق للمحارق مستمرة، على اعتبارها ترياق معالجة أزمات لبنان المتلاحقة في إدارة النفايات، التي ما هي إلا تعبير عن فشل سياسات الحكومات والبرلمانات المتعاقبة في إدارة هذا الملف. هذه الحكومات والبرلمانات، لم تر القوى النافذة فيها، في ملف النفايات إلا “دجاجة تبيض ذهبا”، على حساب بيئة لبنان وصحة شعبه وماله العام.

يبدو أن أسلوب تنظيم رحلات تسويق بعض أنواع الأدوية، التي دأبت عليه بعض الشركات المنتجة والمسوقة، لبعض الأطباء والصيادلة، وعقد المؤتمرات وحفلات العشاء والترفيه، داخل لبنان وخارجه، قد جرى تعميمه على رحلات سياحة المحارق وإدارة النفايات، تحت عناوين التعرف على تجارب بعض البلدان الأوروبية في تشغيل محارق للنفايات بتقنيات عالية ومتقدمة. ووصل الأمر برئيس بلدية بيروت إلى تنظيم رحلات سياحة المحارق، لإقناع نواب المناطق، التي أظهرت الدراسات والأبحاث العلمية الجادة، بأنها ستكون من أكبر ضحايا الملوثات السامة، التي سوف تطلقها محرقة بلدية بيروت، التي يعد البيروتيين واللبنانيين بتشغيلها قريبا.

إذا كنا نغفر لبعض العاملين في مجال العمل الأهلي مشاركتهم في أنشطة وزيارات سياحية مماثلة، تحت عنوان التعرف على تجارب البلدان الأوروبية في مجال إدارة النفايات، فإننا لا يمكن أن نغفر لنواب الأمة الإنزلاق إلى هذا التبسيط المخيف في التعامل مع أكثر أزمات البلد ضغطا على كل عناصر وأوساط البيئة، وعلى الصحة البشرية التي تشهد انهيارا كبيرا منذ 2015، تاريخ انفجار أزمة النفايات وحتى اليوم، بالترافق مع اشتداد أزمة النفايات والحلول المؤقتة والفاشلة، التي تقاس كلفتها بمئات ملايين الدولارات دون جدوى.

المحارق في أوروبا، التي تعمل وفق أحدث وأرقى التقنيات، وأكثر أنظمة الرقابة تقدما وصرامة، ما هي إلا حلقة في نظام الإدارة المتكاملة، وفي ظل استراتيجية على درجة عالية من الوضوح والدقة. وفي سياق سياسة إدارة نفايات محددة أهدافها، ومسارات تحقيق هذه الأهداف، تحت آليات رقابة ومتابعة شديدة الإنتظام، في ظل نضج للتشريعات البيئية الناظمة لعمل هذه المنشآت، عالية الخطورة على الآمان والسلامة البيئية والصحة. وفي ظل اكتمال مؤسسي لمؤسسات الإدارات المسؤولة عن المتابعة والرصد والرقابة والتحكم، وفي ظل قدرة متنامية على فرض تطبيق التشريعات والمعاير والمقاييس، تحت طائلة التشدد في تنفيذ العقوبات الرادعة، وصولا حتى الإقفال الكامل، وهذا ما يحصل فعلا هذه الأيام لعشرات، بل لمئات المحارق غير القادرة على الإلتزام في العديد من بلدان أوروبا.

هذه المحارق في أوروبا، تعمل في ظل “توجيه أوروبي” European Directive خاص بمحارق النفايات، وفي ظل “توجيهات أوروبية” عديدة لإدارة النفايات، التي تتضمن الرؤية والاستراتيجية والأهداف، وتتضمن السياسة العامة حيال التعامل مع النفايات، وفق تحديد دقيق للأولويات والأفضليات يختصرها الهرم الأوروبي لإدارة النفايات. وفق هذا الهرم، إن التخفيف من تولد النفايات يشكل أولوية مطلقة، تساعد على تحقيقه سياسات وقرارات ومراسيم تتخذ على مستوى الحكومات والبرلمانات والبرلمان الأوروبي. فالقرار الذي صوت عليه البرلمان الأوروبي منذ أيام، والمتعلق بمنع إنتاج واستعمال المنتجات البلاستيكية ذات الإستعمال الواحد، يعتبر نموذجا واضحا عن كيف يتم تحقيق استراتيجية التخفيف، وليس بإلقائها بخفة على البلديات والمجتمع الأهلي والنشطاء البيئيين، كما هي الحال مع سياسات القصور والفشل في لبنان. يأتي بعده التدوير من حيث الأهمية، فهو متقدم كل الخيارات الأخرى، يليه معالجة المكونات عبر إخضاعها لعمليات بيولوجية فيما يتعلق بالمكونات العضوية، أو بعمليات تصنيع وتحويل بالنسبة إلى المكونات الأخرى، وكل هذا تحت عنوان استراتيجي كبير هو أفضلية استرداد قيمة الموارد عبر إعادة إدخالها كموارد ثانوية في الدورة الإنتاجية. ويأتي في آخر سلم الأولويات الحرق، تحت عنوان استرداد القيمة الحرارية (الطاقة) لمكونات غير قابلة للتدوير والتصنيع وغنية بالقيمة الحرارية، والطمر يأتي في آخر آخر سلم الهرم الأوروبي للإدارة المتكاملة للنفايات.

إن التشريعات الأوروبية، والرؤى الأوروبية ذات العلاقة بسياسات واستراتيجيات إدارة النفايات، تضع لائحة طويلة من الشروط الواجب توفرها لكي يصبح البحث في إنشاء وتشغيل المحرقة ممكنا ومقبولا. واحد من أهم هذه الشروط هو احتساب الأثر التراكمي لتلوث الهواء. كيف لنا في لبنان، حيث تلوث الهواء في العاصمة ومحيطها والمدن الكبرى، حتى في المناطق الجبلية بعد انتشار مئات المكبات العشوائية المشتعلة، يصل إلى مستويات عالية جدا تفوق المعايير العالمية بعشرات، وأحيانا بمئات وألوف المرات. كيف في بلد كهذا، يتسبب تلوث الهواء فيه بانهيار حقيقي في مستوى الأمان الصحي، أن يفكر بعض مسؤوليه، وبعض نواب الأمة فيه، بزرع محارق للنفايات، سوف تزيد الطين بلة، وسوف يؤدي ارتفاع مستوى التلوث التراكمي للهواء فيه إلى مخاطر غير مسبوقة.

نحن ندعو إلى قراءة عميقة ودرس منهجي للسياسة الأوروبية في إدارة النفايات، والتعرف العلمي الحقيقي بمسارات هذه السياسة وميلها العام والأهداف، التي تحققها تباعا عبر السنوات. إن قراءة لتغير نسب الخيارات المعتمدة في إدارة النفايات في 28 بلد أوروبي، على امتداد العشرين سنة الأخيرة، بينت بوضوح كامل بأن الميل العام، الذي يتحقق سنة بعد سنة، هو في زيادة مضطردة لنسبة التدوير والمعالجة والتصنيع، وانخفاض تدريجي مضطرد لنسبة النفايات الذاهبة إلى الحرق وإلى الطمر.

إذن من يريد التعرف بعمق ومسؤولية على التجربة الأوروبية، عليه القيام بمثل هذه الدراسات والأبحاث والتمحيصات، لا أن يقوم بزيارة سياحية إلى محرقة تعمل في هذه الدولة الأوروبية أو تلك، وكأن هذه المحرقة هي ترياق الحل لكل الأزمات. إن هذه البلدان تصل اليوم إلى تقليص نسبة الحرق إلى ما دون الـ 20 بالمئة، في حين 80 بالمئة يتم تدويرها ومعالجتها وتصنيعها وتحويلها. وهي تسعى، وهذا السعي يتحقق سنة بعد سنة، إلى تخفيض تدريجي لنسب الحرق والطمر، وزيادة نسب التدوير والمعالجة والتصنيع والتحويل.

فيا نواب لبنان، نطالبكم بأن تكونوا أثقل من سواح محارق، بدعوة من هذا المروِّج أو ذاك، بل ندعوكم إلى درس معمق للتجربة الأوروبية في وضع وتطبيق سياسات واستراتيجيات إدارة النفايات. ونطالبكم بأن تصوغوا التشريعات الملائمة، التي تليق بالشعب اللبناني. ليس قانون النفايات، الذي أقر مؤخرا نموذجا على ما نطالب به. فهذا القانون الضعيف والمفكك لا يحمل رؤية ولا استراتيجية ولا سياسة واضحة الأولويات والأهداف. وهو يشكل استمرارا لحالة الفوضى، التي تتيح للمستفيدين أن يستمروا في تخريب بيئة لبنان، وتهديد صحة شعبه، ونهب ماله العام تحت عنوان إدارة النفايات، وهذه المرة ننتقل من تحت “دفة” المطامر إلى “مزراب” المحارق، ولا شيء جوهري مقبل على التغيير. بل بالعكس تماما، فالمخاطر على تلويث بيئة لبنان ستصبح مع المحارق أكبر بكثير. والمخاطر الجدية على الآمان الصحي للشعب اللبناني ستصبح أكثر تهديدا وأشد فتكا مع المحارق. ونهب المال العام سيأخذ حجما أكبر بكثير من السابق مع خيار المحارق الأكبر كلفة، في الإنشاء والتشغيل والصيانة.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This