ينعقد اليوم الإثنين في 15 تشرين الأول (أكتوبر) في بيروت إجتماعا لعدد من الجمعيات والحركات والتجمعات والتحالفات البيئية المهتمة بالكيماويات، وخصوصا اتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق، تحضيرا للمؤتمر الوطني، الذي سيعقد يوم الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) 2018، وذلك بدعوة من منظمة “إينوديف” INNODEV و”التحالف العالمي لطب أسنان خال من الزئبق” World Coalition for Mercury-Free Dentistry، للمنطقة العربية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

يأتي تنظيم هذا الحدث، من ضمن حملة وطنية، تشكل استمرارا للحملة التي انطلقت في العام 2013، والتي تهدف إلى تعزيز المعرفة عند كل المعنيين في لبنان، بأهمية العمل على تطبيق اتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق، ونشر الوعي عن مخاطر الزئبق ومركباته باعتباره ملوثا كونيا، عالي السمية، وذلك لحماية البيئة والصحة البشرية من هذه المخاطر.

جرى التوقيع على اتفاقية ميناماتا في العام 2013 خلال مؤتمر دبلوماسي عقد في اليابان، ودخلت حيز النفاذ في 16 آب (أوغسطس) 2017. صدق عليها لبنان في 13 تشرين الأول (أوكتوبر) 2017. عقدت الإتفاقية المؤتمر الأول للأطراف COP1 في شهر أيلول (سبتمبر) 2017، وتتحضر لعقد مؤتمرها الثاني COP2 في الشهر القادم، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2018.

دلت متابعاتنا والدراسات والتقارير، التي وضعناها عن وضع الزئبق في لبنان، على أن قطاع العناية الصحية، من مستشفيات وعيادات ومراكز طبية، لا يزال يستعمل أجهزة قياس تحتوي على الزئبق، ولو بشكل أقل مقارنة مع السابق. ودلت أيضا على أن قطاع طب الأسنان هو أكثر القطاعات استخداما للزئبق، وذلك في حشوة الملغم الزئبقي Amalgam، التي يطلق عليها خطأً إسم “رصاصة” أو “رصرصة”، في حين أنها سبيكة معدنية تحتوي على 50 بالمئة زئبق. إن أكثر المعرضين للزئبق في عيادات ومراكز طب الأسنان هم الأطباء أنفسهم، والممرضات والمساعدين لهم في العيادات والمراكز، إضافة طبعا للمرضى، الذين يحملون حشوات من الملغم الزئبقي Amalgam في أسنانهم. ولذلك نرى أن كل دول العالم تسعى إلى الحد من استعماله، وصولا للتخلص الكامل من استعماله في طب الأسنان، وذلك لعدة أسباب:

أولها، بسبب سميته العالية في كل أشكال وجوده، وقدرته على التنقل بين كل أوساط البيئة، واستقراره وثباته فيها، وقدرته على التراكم الحيوي في أنسجة الكائنات الحية، مثل الأسماك وثمار البحر، وبالتالي يدخل السلسلة الغذائية للإنسان ويهدد الصحة البشرية، إضافة لقدرته على تلويث كل أوساط البيئة، هواء وتربة ومياها وبحرا وسلسلة غذائية. لكل ذلك، اعتبر الزئبق من قبل الأمم المتحدة للبيئة “ملوثا كونيا”، أي أنه ملوث على مستوى الكرة الأرضية برمتها Global Pollutant.

ثاني هذه الأسباب، إن التلوث بالزئبق المستعمل في طب الأسنان يعتبر تلوثا هاما على المستوى العالمي. فقطاع طب الأسنان يستهلك 10 بالمئة من كل استعمالات الزئبق في العالم، أي بمعدل 362 طن سنويا، وهذه الكمية هي أكبر من كمية الزئبق المستعمل في قطاع صنع أجهزة القياس، وأجهزة المراقبة، والأجهزة الكهربائية والإلكترونية، وفي مجال صناعة المصابيح ووسائل الإضاءة الموفرة للطاقة. هذا ما دفع منظمة الصحة العالمية لأن تقول في تقريرها في العام 2011، “يقدر بأن هناك كمية كبيرة من الزئبق يجري إطلاقها في البيئة نتيجة استعماله في حشوة الأسنان”.

الزئبق عالي السمية في كل أشكال وجوده، وهو يتحول في البيئة إلى مركبات عضوية شديدة السمية. فهو سم عصبي، يؤثر على الجهاز العصبي المركزي والمحيطي، وله تأثيرات على الجهاز الهضمي والجلد، والهرمونات، والجهاز المناعي والرئتين والكليتين، وهناك معطيات على أنه يسبب أو يساعد على ظهور الأمراض السرطانية.

إن بدائل الزئبق في ترميم الأسنان متوفرة منذ سنوات، فهي سهلة الإستعمال كما الملغم الزئبقي، ولكنها تمتاز عليه بأنها تحمي الأسنان من التسوس، وتحافظ على الأسنان، وصديقة للبيئة، وهي متوفرة في كل الأسواق.

البدائل الخالية من الزئبق هي قيد الاستعمال منذ أكثر من خمسين عاما، وجرى التأكد من خصائصها وسلامة استعمالها. وبنتيجة التجربة الطويلة، هناك عدة أنواع من البدائل واسعة الاستعمال اليوم في مختلف بلدان العالم، وهي:

  • الكمبوسيت Composites،
  • متماثرات الزجاج Glass ionomers
  • السيراميك Ceramic

نظرا للسمية العالية للزئبق ولاعتباره ملوثا خطيرا على البيئة، ونظرا لكون بدائل ترميم الأسنان الخالية من الزئبق فعالة ومتاحة بأسعار معقولة بشكل متزايد، نرى العديد من دول العالم، النامية، والناشئة، وليس فقط المتطورة، قد حققت بالفعل التخلي الكامل عن استعمال الملغم الزئبقي لترميم الأسنان، والعديد منها قد حقق تقدما كبيرا في تخفيض هذا الاستعمال على طريق التخلص الكامل منه.

يتضمن نص اتفاقية ميناماتا في الملحق (أ) في النقطة الثانية، ضرورة التخفيف التدريجي من استعمال الملغم الزئبقي في طب الأسنان. وهذا يضمر، أن التخفيف التدريجي هو مرحلة تمهيدية للوصول إلى التخلص النهائي من استخدامه.

نحن نرى، وفي معرض التحضير لمؤتمر الأطراف الثاني، الذي سيعقد الشهر القادم، أنه قد آن الأوان لدفع هذا النص في الاتفاقية لكي يصبح أكثر قوة، بحيث يتم إقرار منع استخدام الملغم الزئبقي عند الأطفال ما دون عمر الخامسة عشرة، وعند الأمهات الحوامل والمرضعات، كخطوة أولى في مسيرة التقدم التدريجي نحو التخلص الكامل من استخدام الزئبق في طب الأسنان. ونقترح أن يدخل هذا المنع حيز النفاذ بدءا من 31 كانون الأول (ديسمبر) 2020.

سوف يشهد العام 2020 تخلصا نهائيا من تصنيع واستعمال عدد كبير من المنتجات المحتوية على الزئبق، ومنع تداولها في التجارة الدولية، تتضمنها النقطة الأولى من المرفق (أ) للإتفاقية. في هذا السياق، نحن نرى الحاجة لأن يتحضر لبنان، واقتصاده ومستورديه، وكل قطاعاته التي تستعمل هذه المنتجات وتتداول بها، للحظة التخلص النهائي المتوقعة في العام 2020، وأن يتهيأ لاستعمال البدائل الموجودة فعلا في الأسواق العالمية. نعتقد أن هذا يتطلب جهدا من كل المعنيين، في الوزارات والقطاعات الاقتصادية والمجتمع المدني لتحقيق هذا الإنتقال بسلاسة وبشكل كامل، حماية لبيئة لبنان وصحة شعبه.

يدا بيد، وزارات ومؤسسات حكومية، وهيئات القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، لنضع بلدنا واقتصادنا وبيئتنا وصحتنا على طريق التطبيق الفعال لاتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق، حماية للبيئة والصحة البشرية في لبنان.

* نائب رئيس “التحالف العالمي لطب أسنان خال من الزئبق” للمنطقة العربية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

Pin It on Pinterest

Share This