إلحاقا بمقالتينا الأولى والثانية تحت نفس العنوان، نستكمل مناقشتنا لغياب التفكير الاستراتيجي في اعتماد المحارق لبيروت ولبنان. سنناقش في هذه المقالة الثالثة اعتراضنا على خيار المحارق على المستوى الثاني، المتعلق بعدم توفر أي من الشروط الضرورية لإقامة المحارق على الإطلاق في لبنان، بعد أن ناقشنا في المقالة الثانية اعتراضنا على خيار المحارق على المستوى الأول، المتعلق بعدم سلامة الخيار السياسي الاستراتيجي باعتماد المحارق لإدارة نفايات لبنان.

في البداية، لا بد من التأكيد على أن محارق النفايات، الكبيرة منها والصغيرة، تشكل تحديا كبيرا يرتبط بمخاطر كبيرة جدا على البيئة والصحة العامة، ويثير اعتبارات عالية الأهمية من الناحية التقنية والاقتصادية والمالية والتشريعية والمؤسسية والتطبيقية. ولذلك على أي صاحب قرار يتصدى لاعتماد المحارق في مقاربته لمعالجة الأزمات المتتالية لإدارة النفايات، أن يدرس كل تلك الأبعاد، وأن يتحقق من توفر كل الشروط الضرورية، قبل السير بهذا التوجه الخطير جدا على سلامة البيئة وأمان الصحة العامة والمال العام.

وفق متابعاتنا لسياسات واستراتيجيات العديد من دول العالم، المتقدمة صناعيا منها، وتلك التي لا تزال في طريق النمو، نجد أن هناك توجيهات عامة عالمية تساعد على مواجهة المسائل المرتبطة باعتماد المحارق في استراتيجيات إدارة النفايات. تتضمن هذه التوجيهات شروطا ينبغي أن تكون محققة قبل الحديث عن اعتماد هذه التقنية، التي تمثل مخاطر بيئية وصحية ومالية عالية.

إن واحدا من أهم شروط التطبيق الناجح للإستعانة بالمحارق في إدارة النفايات يتمثل بوجود نظام مستقر ومجرب وناضج لإدارة النفايات، يرتكز على نظام للجمع المنفصل ومعالجة مختلف أنواع النفايات. هذا الشرط غير متوفر في لبنان، حيث تتخبط الحكومات اللبنانية والبلديات والمجتمع ككل في ارتباك كبير، بعيد كل البعد عن نظام إدارة يرتكز على الجمع المنفصل والمعالجة. فواقع الحال، أن الحكومة أو أي وزارة معنية بملف النفايات لم تتخذ، في أي يوم من الأيام، قرارا أو خيارا يجعل من الفرز من المصدر وجهة رسمية ملزمة. بل بقي هذا الأمر حبيس مبادرات محدودة الفعالية، على مستوى مبادرات بعض الجمعيات والبلديات والأحياء الصغيرة وبعض الأفراد، دون أن يتحول إلى منظومة محتضنة من سياسات وخيارات الدولة. بل أكثر من ذلك، في كثير من التجارب، كان نظام الجمع والنقل المعتمد من الشركات، الملتزمة وفق دفاتر شروط وضعتها الدولة، يُفشِل كثيرا من المحاولات، التي انطلقت للفرز من المصدر، فتأتي الشاحنات لتعيد “خبصها” في تجهيزاتها الضاغطة، وتفسد كل الجهود المضنية، التي تكون قد بذلت لإطلاق هذه المبادرات. مثلٌ حديثٌ على ذلك، ما رأيناه مؤخرا في فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي لكميون في بيروت يعيد “خبص” ما كان قد وضع في مستوعبات منفصلة تنفيذا لمفهوم الفصل من المصدر.

إن نظام الجمع والنقل، الذي تعتمده الشركات المتعهدة، وفق دفاتر شروط تضعها الدولة، ممثلة بمجلس الإنماء والإعمار والبلديات واتحادات البلديات، في كل مناطق لبنان، يعتمد شاحنات الضغط، إن هي تنقل إلى مكبات عشوائية، أو إلى مراكز للفرز والمعالجة، لا فرق. وهنا قمة الإستهتار واللَّامسؤولية عند كل المشاركين في هذه المهزلة البشعة، حيث أن “خبص” النفايات وضغطها في شاحنات الجمع ونقلها إلى مراكز الفرز والمعالجة يجعل من مهمة هذه المراكز مهمة مستحيلة، وتتطلب جهودا مضنية مقابل فعالية محدودة جدا في نسبة فرز وتعريب وفصل المكونات، تمهيدا لتدويرها ومعالجتها.

تتطلب المحارق تغذيتها بأنواع محددة من النفايات، تلبي الحد الأدنى من مواصفات التركيب والقيمة الحرارية. إن النفايات الغنية بالمكونات العضوية وبكمية الماء فيها، وكذلك الغنية بالمواد الصلبة غير القابلة للحرق، هي نفايات غير ملائمة لخيار المحارق. هذه هي النفايات الصلبة المنزلية اللبنانية، تحتوي على حولي 60-63 بالمئة منها مكونات عضوية، التي تحتوي على 70 بالمئة ماء، وتحتوي على حوالي 14-15 بالمئة مواد صلبة غير قابلة للحرق، من معادن وزجاج وسيراميك ورمل وحجارة. وتحتوي فقط على حوالي 23-25 بالمئة ورق وكرتون وبلاستيك، هي وحدها الحاملة لقيمة حرارية متوسطة، ولكن هي نفسها موارد ثانوية للتدوير في المصانع اللبنانية. أمام هذا التركيب لنفايات لبنان، يكون مجرد الحديث عن الحرق عملية هذيان حقيقية.

وإذا نظرنا بعين الإحترام والإعتبار لهرمية إدارة النفايات، التي تشكل عماد الاستراتيجية الأوروبية لإدارة النفايات، أي اعتبار الأولوية والأفضلية للتدوير على التدمير إن بالطمر أم بالحرق، لسقط البحث في خيار الحرق لنفايات لبنان سقطة لا قيام له بعدها.

على ضوء القراءة الموضوعية والدقيقة لتركيب نفايات لبنان، وأولويات وأفضليات التدوير على التدمير للموارد التي تتكون منها، ماذا يبقى من مكوناتها يختزن الحد الأدنى المطلوب من القيمة الحرارية الكافية لإطلاق واستمرار عملية الحرق؟ عمليا لا شيء يذكر، وبالتالي فإن القيمة الحرارية الحقيقية لنفايات لبنان هي بعيدا دون الحد الأدنى المطلوب، المقدر بـ7 ميغاجول/كلغ. ولذلك نحن نؤكد، أنه إذا ما ذهبوا لحرق نفايات لبنان سيكون عليهم ضخ كميات هائلة من الفيول إلى غرف الاحتراق، لإطلاق عملية الاحتراق واستمرارها وللحفاظ على درجة الحرارة ما فوق 850 درجة مئوية.

تولِّد المحارق كميات كبيرة جدا من الملوثات عالية الخطورة على الصحة البشرية والبيئة. إن التحكم بهذه الملوثات الخطيرة يتطلب وضع وتشغيل وصيانة تجهيزات معقدة لمكافحة التلوث، ويتطلب إدارة دقيقة وعالية التأهيل، ويتطلب أيضا تخلصا سليما من المواد السامة المتولدة عن عملية الحرق، من رماد متطاير ورماد القاع، في مطمر صحي مجهز خاص باستقبال النفايات الخطرة.

هذا كله غير متوفر في لبنان، لا البنية التحتية الهندسية الضرورية من مطامر صحية خاصة لاستقبال النفايات السامة، التي تنتجها محارق النفايات، ولا القدرات البشرية المؤهلة لإدارة هذا النوع من المنشآت عالية الدقة التقنية وعالية المخاطر. أما القول بأن الأجانب سوف يشغلون ويديرون محارق لبنان، ويصدِّرون النفايات السامة إلى الخارج، هذا قول لا يُطَمئنْ أحدا من اللبنانيين الغارقين في آثار وانعكاسات إهمال الدولة وتلكؤها وعجزها عن التحكم بمخاطر صناعية وغير صناعية، هي أقل بكثير من تلك، التي ترافق عمل محارق النفايات.

ومن جهة أخرى، هذا يرتب كلفات باهظة جدا، لا يرى المواطن اللبناني ضرورة لإثقال كاهله بها، ولا لمزيد من الضرائب، لا على سعر البنزين ولا على سعر خدمات الإتصالات ولا على فاتورة الكهرباء، المثقلة أصلا بكثير من الضرائب والرسوم.

وأخيرا وليس آخرا، إن محارق النفايات تتطلب بنية تشريعية ومؤسسية متكاملة، تبدأ بآلية وشروط الترخيص، مرورا بلوائح المقاييس والمواصفات للتحكم بالتلوث، وصولا لهيكليات المراقبة والرصد والمتابعة والتقييم، وللتجهيزات المخبرية القادرة على القيام بكل تلك العمليات. ناهيك عن آليات إلزام الإمتثال بالتشريعات، وقدرة إدارات الدولة على تنفيذها، لتفادي مخاطر المحارق الكبيرة على الصحة البشرية والبيئة والمال العام.

هل تشاور أصحاب مشروع اعتماد المحارق مع اللبنانيين؟ وهل أبدى اللبنانيون موافقتهم على هذه المغامرة الخطرة؟ وهل وافقوا على تحمل كلفتها الباهظة، التي تقدر بمليارات الدولارات كبنية إنشائية، ومئات ملايين الدولارات سنويا ككلفة تشغيل وصيانة؟ هل وافق اللبنانيون على تحمل ضرائب ورسوم جديدة لتمويل مشاريعكم المجنونة باعتماد محارق النفايات؟

على ضوء كل ما تقدم، نحن نرى أن كل الشروط الضرورية للبحث في احتمال اعتماد المحارق في لبنان، هي غير موجودة على الإطلاق. وبالتالي، إن الإصرار على السير في هذا الخيار يشكل مغامرة كبرى، واستهتارا لا يحتمل بصحة اللبنانيين وبيئتهم ومالهم العام، لن يسكتوا عنه ولن يقبلوا به وسيواجهونه بكل الوسائل المشروعة.

 

 

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This