استكمالا للمقالة السابقة، التي تحمل نفس العنوان، نشير إلى أننا، في محاكماتنا لمسألة اعتماد المحارق لبيروت ولبنان، وكل القضايا البيئية الأخرى، نستند إلى فكر استراتيجي، هو وليد تفكير بيئي فلسفي نما في لبنان، ويجد امتدادات له على مدى البلدان العربية والعالم. من رواده الأوائل والكبار، المفكر اللبناني والفيلسوف البيئي والصحافي حبيب معلوف، الذي يساهم بفعالية في بناء بنية رؤيوية وسياسية واستراتيجية لقضايا البيئة، منطلقة من وحدة العالم بمكوناته الفيزيائية والكيميائية والحيوية وكائناته الحية، ومن مباديء عامة يبنى عليها كل تحليل لاستقراء المناهج السليمة في إعادة بناء الإقتصاد والإجتماع والثقافة والحضارة العالمية، وعلى مستوى كل بلد ومجتمع.

بناء على كل ما تقدم وما تضمنته المقالة السابقة، سوف نناقش اعتراضنا على خيار المحارق على مستويين:

المستوى الأول، عدم سلامة الخيار السياسي الاستراتيجي باعتماد المحارق لإدارة نفايات لبنان، في هذه المقالة (2).

والمستوى الثاني، عدم توفر على الإطلاق أي من الشروط الضرورية لإقامة المحارق في لبنان، في مقالة ثالثة (3) قادمة.

نحن نقول بعدم سلامة الخيار السياسي الاستراتيجي لاعتماد المحارق في لبنان، لأن النفايات بنظرنا، هي موارد ثانوية علينا وضع منظومة الإدارة المناسبة لاسترداد قيمتها، توفيرا لهدر الموارد الطبيعية، وتوفيرا للطاقة، ولاسترداد جزءا من كلفة إدارتها السليمة بيئيا والآمنة صحيا. ما نقول به هو في توافق تام مع فلسفة الحفاظ على البيئة بمواردها، وحماية أوساطها من التلوث، الذي تتسبب به خيارات الطمر الكلي والحرق الكلي (أو شبه الكلي لـ 90 بالمئة من النفايات).

إن طمر النفايات وحرقها هو تحقيق خسارة مزدوجة. من جهة هي هدر لقيمة الموارد الثانوية، التي تتكون منها النفايات، ومن جهة أخرى كلفة الطمر والحرق العالية على البيئة وعلى الصحة العامة وعلى الإقتصاد والمال العام.

إن خيار رمي النفايات في المكبات العشوائية وفي المطامر، الذي اعتمدته الحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ مطلع التسعينات حتى اليوم، أدى في الواقع إلى تلويث كبير للهواء والتربة والمياه السطحية والبحر، وإلى تدمير للمنظومة البيئية البحرية في مناطق عديدة من الشاطيء اللبناني. وأدى أيضا إلى هدر مئات ملايين، وربما مليارات الدولارات، على هذا القطاع، دون تحقيق نجاحات استراتيجية في إدارته. بل بقي ولا يزال يشكل أزمة مستمرة وضاغطة على كل المجتمع اللبناني وبيئته وصحة اللبنانيين ومالهم العام، ولكنه أدى، من جهة أخرى، إلى ملء جيوب العديد من المستفيدين من أتباع الفئات النافذة في السلطة السياسية.

إن الذهاب اليوم إلى خيار اعتماد محارق النفايات، هو أيضا مسار يتعارض كليا مع السياسة السليمة المفترضة حيال إدار النفايات. إن حرق النفايات هو على تعارض كامل مع استرداد الموارد الثانوية، أي تدويرها وإعادة إدخالها في الدورة الإنتاجية، توفيرا للموارد الأولية وللطاقة، وللتلوث البيئي والهدر. والحرق هو كما الطمر تماما يشكل خسارة مزدوجة، من جهة خسارة وتدمير للموارد، ومن جهة أخرى تسديد كلفات عالية جدا للقيام بهذا التدمير. كلفات مالية كبيرة، وكلفات عالية على المجتمع والإقتصاد، مرتبطة بالتلوث البيئي والتدهور الصحي والخسارة الاقتصادية.

إن التفكير الاستراتيجي السليم والعقلاني، يدعونا إلى بحث كل هذه المسائل، وحسابات الربح والخسارة على كل المجتمع، باقتصاده وبيئته وصحته وماله، وتحديد الخيارات السليمة على ضوء ذلك.

من أهم المسائل التي ينبغي علينا طرحها ومناقشتها والبت بها، هي تحديد الهدف الرئيسي والأهداف الثانوية لهذه الرؤية والسياسة والاستراتيجية، على ضوء التركيب الحقيقي لنفايات لبنان ونسب مكوناته. وبالتالي تقرير ما هي الأولويات والأفضليات في حلقات إدارة النفايات، التي تتوافق مع تحقيق الأهداف. هل تكون الأولوية والأفضلية لتدوير الموارد، التي تتكون منها النفايات والقابلة لاسترداد القيمة، عبر إعادة إدخالها في الدورة الإنتاجية كموارد ثانوية؟ أم الأفضلية لحرقها وتدميرها وتحويلها إلى رماد وغازات ملوثة وبضعة سعرات حرارية قليلة، سوف نضطر لحرق أضعاف وزنها من الفيول الأحفوري لتحقيقها؟ هذا سؤال استراتيجي على غاية بالأهمية، من طرحه وناقشه وقرير الخيارات السليمة حياله، على مستوى الحكومة والبرلمان ومؤسسات الدولة والمجتمع بهيئاته ومنظماته على كل المستويات؟

إن تكوين نفايات لبنان يختلف، من حيث تناسب المكونات، عن نفايات البلدان الصناعية. ففي لبنان تصل نسبة المكونات العضوية إلى 63 بالمئة، وتحتوي هذه المكونات على 70 بالمئة ماء. والمكونات الغنية بالقيمة الحرارية لا تتجاوز الـ 23 بالمئة (ورق وكرتون ومواد بلاستيكية). ولذلك، إن القيمة الحرارية الدنيا لنفايات لبنان لا تلبي الحد الأدنى المطلوب للبحث أصلا في خيار الحرق، كخيار مطروح على الطاولة، فكيف إذن يتحدثون عن استرداد للطاقة؟

إن الحديث عن استرداد الطاقة من نفايات لبنان هو كذبة كبرى، هدفها تضليل الرأي العام، وابتزازه بما يعانيه من ذل مع التقنين القاسي للطاقة الكهربائية.

إن نفايات لبنان، بتركيبها، ونسب مكوناتها، وخصوصا نسب الموارد الحاملة للقيمة الحرارية، وهي نفسها المطلوب تدويرها وإعادة إدخالها في الدورة الإنتاجية، ستتطلب لكي تحترق إدخال كميات كبيرة جدا من الفيول، لإطلاق عملية الحرق، ولاستمرارها، وللمحافظة على درجة حرارة الحرق فوق 850 درجة مئوية.

أنتم سوف تنتجون بضعة ميغاوات من الكهرباء، ولكن بكلفة باهظة جدا، وهذه الكهرباء في الحقيقة متأتية عن كميات الفيول الكبيرة، التي ستضطرون لاستخدامها في المحارق، وليس من نفايات لبنان الفقيرة جدا جدا بالطاقة.

هكذا تسقط كل الإدعاءات التي يقولون بها بشأن الإدارة المتكاملة. فتدوير الموارد هو في تعارض تام مع مشروع الحرق، فكيف ستكون المحرقة جزءا من بنية الإدارة المتكاملة؟ إن قدرات المحارق التي يخططون لإقامتها تتجاوز مجموع ما ينتجه لبنان من نفايات بكثير. إذن، عن أي إدارة متكاملة تتحدثون؟ وهل في نيتكم استيراد نفايات من أوروبا لحرقها في محارق لبنان؟ وتعريض الشعب اللبناني لمخاطر هذه التقنية، التي تتطلب قدرات رفيعة جدا لإدارتها والتحكم بالتلوث والسموم التي تنتجها، ولإدارة الرماد السام الذي يتولد عنها؟

نحن نقول بأولوية المحافظة على الموارد الطبيعية، واسترداد قيمتها عبر تدويرها في الحلقة الإنتاجية، لما لذلك من نفع كبير على الصناعة اللبنانية، باعتبارها قطاعا منتجا للقيمة المضافة الحقيقية، وعمادا للإقتصاد الوطني، وتشغيل اليد العاملة واستحداث فرص عمل جديدة. وبالتالي لا لحرقها وتدميرها وتحويلها إلى ملوثات وبقايات خطرة على البيئة والصحة العامة، بكلفة عالية جدا، وبمستوى عالٍ جدا من المخاطر على كل المجتمع.

نرتكز في نظرتنا الاستراتيجية حيال النفايات إلى اعتبارها موارد علينا استرداد قيمتها، وهذه النظرة تتوافق مع الرؤية الحديثة في العالم، ومع فلسفة الحفاظ على البيئة وتنمية الاقتصاد الدائري والاقتصاد الأخضر، كمسار هام من مسارات التنمية المستدامة في عالمنا المعاصر.

لكي نحقق هذا الهدف الرئيس باسترداد القيمة، نطرح رؤيتنا لمنظومة متكاملة من إجراءات الإدارة والتنظيم.

من هنا تبرز الحاجة أولا، إلى وضع سياسات وإجراءات وتشريعات، من قبل الحكومة والبرلمان ومؤسسات الدولة، تستهدف تخفيف تولد النفايات في المجتمع. وذلك باستخدام أدوات اقتصادية ومالية للتحفيز والتثبيط، وتشريعات لوضع قيود على انتاج واستيراد واستهلاك سلع محددة، يتولد عنها كميات كبيرة من النفايات صعبة الإدارة، وتشكل سببا لتلوث كبير وخطير للبيئة. إن التخفيف ليس كرة تقذف في وجه البلديات والجمعيات والأفراد، بل هي قرارات ومراسيم وقوانين مطلوب من الحكومة والبرلمان اتخاذها. ويكون دور المجتمع كله، بكل قطاعاته ومنظوماته، مسؤولا عن تسهيل وتيسير تنفيذها، ونشر الوعي حول أهمية الإلتزام بها.

وكذلك الحاجة ثانيا، إلى إرساء نظام لفرز مكونات النفايات من مصدرها. إن الفرز من المصدر ليس شعارا أو لحنا دأب البيئيون على ترداده منذ عقود، بل هو ضرورة تمليها الإدارة المتكاملة للنفايات، وفق رؤية واستراتيجية استرداد قيمة مواردها الثانوية. مع الفرز من المصدر، تنطلق الإدارة المتكاملة بثبات وقوة. ولو تم بداية فصلا بين المكونات العضوية وغير العضوية، والبعض يقول بفرز المكونات العضوية وتلك القابلة للتدوير وكذلك المرفوضات. لا نفاضل بين هذا النظام وذاك، المهم أن يتم الإقرار بالفرز والبدء بتنفيذه من المصدر، والعمل المستمر على زيادة نسب المشاركين فيه من المواطنين والمؤسسات.

إن الجدية باعتماد الإدارة المتكاملة، تشترط اعتماد نظام للجمع والنقل المنفصل لمكونات النفايات المفروزة من المصدر. وكذلك نقل النفايات غير المفروزة، في شاحنات لا تضغط النفايات، إلى مراكز للفرز الآلي واليدوي، تعمل وفق نظام فعال يحقق فصلا كميا ونوعيا للموارد القابلة للتدوير بأعلى نسبة ممكنة، وفصل المكونات العضوية بأنظف درجة ممكنة خالية من الشوائب والبقايا.

الموارد القابلة للتدوير من ورق وكرتون ومعادن ومواد بلاستيكية وزجاج وأخشاب، توضب وتنقل إلى المصانع اللبنانية المتعطشة لها، لإدخالها في حلقاتها الإنتاجية، وبذلك يتحقق استرداد قيمتها.

أما المكونات العضوية، المفروزة من المصدر فهي تشكل موردا هاما لتصنيعه وتحويله، عبر تقنية الهضم الهوائي، إلى “كومبوست” فئة A، وهو منتج يستعمل محسنا للتربة الزراعية، يستورده السوق اللبناني حاليا بعشرات ملايين الدولارات. إن الجمع بين المكونات العضوية للنفايات الصلبة المنزلية والمطاعم وأسواق الخضار مع ما يسمى بالنفايات الخضراء (أي نفايات الحدائق والأحراج) يجعل منتج الكومبوست غنيا بالعناصر المغذية للتربة. إن صناعة الكومبوست هي صناعة تحويلية غير معقدة، ولكنها تتطلب معرفة وخبرة ومراعاة للشروط والمؤشرات، التي تتحكم بعملياتها لكي تتم بنجاح، أسوة بأي عملية صناعية تحويلية أخرى.

أما المكونات العضوية، التي يتم فصلها في مراكز الفرز، تكون صالحة لتصنيع الكومبوست فئة B، حيث يحتوي على بعض الشوائب من نتاتيف بلاستيكية.

هناك حاجة ملحة في لبنان، لوضع وتطوير تشريعات تتعلق بمواصفات الجودة لهذا المنتج، الذي كما أشرنا، يستورده السوق اللبناني من الخارج، تشجيعا لتصنيعه وتحسين جودته، ليلائم متطلبات السوق المحلي والتصدير.

هناك مسار آخر لمعالجة المكونات العضوية من النفايات الصلبة المنزلية، وتصنيعها لإنتاج البيوغاز، عبر تقنية الهضم اللاهوائي، كما معمل النفايات في صيدا وفي بكاسين.

إن تقنية الهضم اللاهوائي تسمح بجمع المكونات العضوية من النفايات الصلبة المنزلية مع نفايات الحدائق ونفايات الملاحم (دون العظام) ونفايات أسواق السمك، مع الوحول الناتجة عن محطات معالجة مياه الصرف الصحي، لتدخل مجتمعة إلى مفاعل الهضم اللاهوائي لتوليد البيوغاز، الغني بالميثان والمستعمل لتوليد الطاقة.

يسألوننا عن المتبقيات، التي يسمونها خطأ “عوادم”، فنقول، مع إرساء وتشغيل هذا النظام المحكم من الإدارة المتكاملة، ستكون كميات المتبقيات قليلة جدا لا تتجاوز الـ 20 بالمئة من كمية النفايات الصلبة المنزلية، وبالتالي، يمكن التخلص النهائي منها في مطامر صحية نظامية، وحينها يكون عمر استخدام المطمر الصحي يقاس بعشرات السنين، وليس كما كانت الحال مع المطامر التي استقبلت 90 بالمئة من النفايات. ومن جهة أخرى، يتم درس مكونات المتبقيات، فإذا كانت تحتوي على مواد غنية بالقيمة الحرارية، يمكن تصنيع وقود بديل منها، بعد التحقق من عدم وجود مركبات كيميائية ومعادن ثقيلة ضارة وملوثة. يكون هذا المنتج متوافقا مع لائحة لمواصفات الجودة، تقارب المواصفات الأوروبية والألمانية تحديدا، تصدرها السلطات المختصة من وزارات البيئة والصناعة والطاقة، وكذلك مؤسسة المقاييس والمواصفات اللبنانية “ليبنور”.

هل في ما نقول تعجيز ما، أو استحالة بالتطبيق؟

نحن نؤكد وجود بنية تحتية، من مراكز لفرز ومعالجة النفايات، ووجود بنية صناعية في لبنان متعطشة لاستيعاب كل كميات الموارد الثانوية من النفايات اللبنانية، بل هي تتمتع بطاقة استيعابية أكبر بكثير. والسوق اللبناني يستوعب كميات الكومبوست من الفئتين A و B في قطاع الزراعة والمشاتل وزهور الزينة. وكذلك الحاجة الملحة للبيوغاز لتوليد الطاقة الأنظف، بدلا من حرق النفايات وتلويث البيئة وتهديد صحة اللبنانيين بأكبر المخاطر، لهذا الجيل والأجيال القادمة.

نحن نؤكد أن هذه الاستراتيجية متمثلة بإرساء هذا النظام من الإدار المتكاملة قابلة للتنفيذ، وتتطلب فقط إرادة سياسية صادقة عند السلطة السياسية في الحكومة والبرلمان والمؤسسات، في التصدي لمسائل البلد التنموية بعقل رجال الدولة الصالحين، بعيدا عن الفساد والهدر وإدارة الظهر للمصالح العامة، في حماية البيئة والصحة البشرية والمال العالم.

في المقالة القادمة (3)، سوف نناقش المستوى الثاني، المتعلق بعدم توفر على الإطلاق أي من الشروط الضرورية لإقامة المحارق في لبنان.

 

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This