نحن بالطبع نكن كل الإحترام للجميع، ولكننا نمارس حقنا الطبيعي في نقاش الخيارات الاستراتيجية بشأن اعتماد محارق النفايات، التي يعلنها المسؤولون، ويخططون لإقامتها في بيروت وكل لبنان، لأن هذه الخيارات تتعلق ببيئة وصحة بلدنا وشعبنا لأجيال وعقود آتية.

أولا، نطمئن السيد رئيس بلدية بيروت بأن المجتمع البيئي والمدني، الذي يمارس حقه في الإعتراض على مشروع المحارق، ليس آتيا من “وراء اللفتة”، أي أنه ليس مجموعة غوغائيين لا يفقهون شيئا بالعلوم المتعلقة بإدارة النفايات وتبعاتها البيئية والصحية. نحن نعتذر مسبقا من الجمهور العام بأننا سنضع التواضع جانبا لدقائق فقط، كي نقول بأن هذا المجتمع البيئي والمدني يتضمن خبراء دوليين وكادرات عالية التكوين العلمي والأكاديمي والخبرة في اختصاصات هندسية وتقنية وطبية وإدارية وتنظيمية، في مجالات العلوم المتعددة، التي تتداخل في موضوع حماية البيئة من المخاطر، المرتبطة بالتقنيات والخيارات لإدارة النفايات، وكل الملفات الأخرى المتعلقة بالبيئة والصحة العامة.

نحن نجادل ونناقش استشارييكم الأجانب والمحليين، الذين حضَّروا ويحضِّرون لكم الدراسات والمشاريع ودفاتر الشروط في الأبعاد التقنية، ونناقشكم في بلدية بيروت وفي الحكومة والبرلمان اللبناني في الأبعاد السياسية والإستراتيجية والإدارية والتنظيمية لخياراتكم في إدارة النفايات.

يتسلح السيد رئيس بلدية بيروت بالقول أن لاخيار إلَّا المحرقة لنفايات بيروت، ونحن نقول ليس من هنا تبدأ المسألة. تبدأ المسألة من أن بيروت عاصمة للبنان، ولبنان بلد واحد. وبالتالي لا نوافق على الإنطلاق عند وضع الرؤية من أن لبنان “كانتونات”، وأن بيروت “جمهورية” بذاتها، ونعترض على نقطة البداية هذه. ومن جهة أخرى، إن حصر المفاضلة في إدارة النفايات بين الطمر والحرق، ينتمي فكريا وثقافيا إلى رؤية تاريخية قديمة جدا حيال النفايات باعتبارها “كتلة من المرفوضات مطلوب التخلص منها”. في حين أننا نرى في ذلك تشويها متعمدا لمنطلقات الرؤية، التي يتبناها المجتمع البيئي والمدني، أي اعتبار النفايات “مجموعة من الموارد المطلوب استرداد قيمتها” المادية. وفق رؤيتكم، التي تنتمي إلى الماضي، أنتم تجهدون في التفتيش عن مكان أو طريقة للتخلص من النفايات، ولذلك عقلكم محصور بين المطامر والمحارق. ووفق رؤيتنا، التي تنتمي إلى الحاضر والمستقبل، نجهد لإرساء نظام متكامل لإدارة للنفايات، يؤمن فصل مكوناتها من المصدر، ولو في المرحلة الأولى بين العضوي وغير العضوي. ونقلها المنفصل في شاحنات لا تضغط ولا “تخبص” النفايات، إلى مراكز للفرز الإضافي والتعريب وتحضير الموارد لتدويرها وإعادة إدخالها في الدورة الإنتاجية لصناعاتنا، تشجيعا لتوفير فرص عمل جديدة، وتوفيرا في الموارد الأولية، عبر إدخال الموارد الثانوية في حلقة الإنتاج، وتوفيرا للطاقة، وتنمية للصناعة اللبنانية باعتبارها قطاعا منتجا يولد قيمة مضافة حقيقية وليست وهمية كما بعض القطاعات الريعية الأخرى.

تتحدثون عن المتبقيات، التي تسمونها “عوادم”، فنراكم تتوقعون أن تكون بنسبة 85-90 بالمئة من النفايات، كما كانت دائما في ظل سياساتكم وإدارتكم لهذ الملف حتى اليوم. وذلك لأن في رؤيتكم لا تتحضَّرون للفرز والتدوير ومعالجة موارد النفايات إلا بنسبة  ضعيفة جدا، من 5-15 بالمئة. هذا يعني بالضبط أنكم تنوون نقل البلد من تحت “دلفة” المطامر إلى تحت “مزراب” المحارق، ولن يتحسن شيء بمستويات المخاطر الكبيرة حيال البيئة والصحة العامة والمال العام، بل ستشهد ارتفاعا إلى مستويات أكبر بكثير.

نحن نقول بإرساء نظام متكامل للإدارة، يتضمن تشريعات تستهدف تخفيف النفايات عموما، وبالأخص منها تلك، التي تتميز بصعوبة إدارتها والتخلص منها. ويتضمن تطبيقا حقيقيا وصادقا للفرز من المصدر، حتى لو بدأنا أولاً بالفصل بين العضوي وغير العضوي. ووضع نظام للجمع المنفصل للنفايات التي تم فرزها، ونقلها إلى مراكز للفرز الإضافي والتعريب، والتدوير في المصانع اللبنانية المتعطشة لاستقبالها وإدخالها في دورتها الإنتاجية، نظرا لأثرها الإيجابي على النشاط الصناعي والإقتصادي عموما. ونقل المكونات العضوية، المجموعة بشكل منفصل أيضا، إلى معامل للتسبيخ Composting وفق تقنيات متقدمة، وليس بدائية كما هو الحال حتى الآن في كثير من مراكز التسبيخ في لبنان، لتصنيع “كومبوست Compost” فئة A، يستوردها اليوم السوق اللبناني بملايين الدولارات. أو تنقل إلى معامل للهضم اللَّاهوائي Anaerobic digestion، كما معمل النفايات في صيدا، لإنتاج البيوغاز الغني بالميثان، وذلك لتوليد الطاقة. إن إرساء نظام فعال للإدارة المتكاملة من شأنه أن يخفف قدر الإمكان من كمية المتبقيات المطلوب التخلص النهائي منها، ويكون ميل هذا النظام إلى التخفيف التدريجي لهذه الكميات، عبر استنباط طرق جديدة، وتطبيقات جديدة وخلاقة لتصنيع أجزاءا من مكوناتها. قلنا سابقا، ونكرر اليوم، أن يجري مشاركة البحث العلمي والجامعات في البحث والتفتيش عن طرق مجدية وفعالة للتقليل من كمية المتبقيات.

إذا تمعنا جيدا في السياسات والاستراتيجيات الأوروبية، المجسَّدة في تشريعات إدارة النفايات، نرى بوضوح هذا الخط البياني للتناقص التدريجي لكميات النفايات الذاهبة إلى الطمر والحرق، والإزدياد المضطرد لكميات النفايات “أي الموارد”، المعاد تدويرها ومعالجتها وتحويلها وتصنيعها واسترداد القيمة المادية منها.

يقول رئيس بلدية بيروت أن محرقة “التفكك الحراري” هي تقنية متطورة، ويقصد المحارق الحديثة، المجهزة بغرفتين للإحتراق، وبتجهيزات مكافحة تلوث الهواء، الفلاتر اللَّاقطة للجزيئات الصغيرة، وأبراج غسيل الغازات كيميائيا لتعديلها، والمجهزة أيضا بسخانات تسمح بتحويل الطاقة الحرارية إلى بخار حامل للحرارة، وبالتالي إلى طاقة كهربائية عبر تشغيل توربينات حرارية. نعم نحن لا نناقش التقدم التقني للمحارق، ونعرف تماما أن في البلدان المتقدمة صناعيا، هناك محارق نفايات لا زالت تعمل ويعملون على تطويرها. ولكننا نعلم جيدا أيضا، أن هذه المحارق المتطورة لا زالت مصدرا لتلويث الهواء ببعض أنواع الإنبعاثات الخطيرة على الصحة العامة، وكذلك ببعض أنواع الجزيئات متناهية الصغر ونانوية القياس، التي لا تزال تتفلت من أكثر أكياس وأغشية الفلاتر تقدما في العالم الصناعي اليوم. ونعلم أيضا، أن إدارة النفايات الخطرة المتولدة عن المحارق، التي تلتقطها تجهيزات مكافحة التلوث، الصلبة منها والسائلة، يتم معالجتها والتخلص السليم بيئيا منها في منشآت خاصة، في مطامر متخصصة باستقبال النفايات الخطرة الصلبة، وفي محطات لمعالجة النفايات السائلة الملوثة كيميائيا. ونعرف أيضا أن هناك حركات كبيرة من المجتمع المدني والأكاديميا وبعض مراكز الأبحاث البيئية والصحية، تعارض اعتماد المحارق وتدعو إلى التخلص التدريجي منها، وتطالب بالإقفال الفوري للمحارق، التي لا تحترم المعايير والعاجزة تقنيا عن الإمتثال لها.

كيف تواجه البلدان الصناعية المتقدمة هذه المخاطر؟

تواجهها وفق خطين متوازيين. من جهة، تعمل دائما على تطوير الميزات التقنية لمنتوجاتها، ذات العلاقة بتجهيزات مكافحة التلوث المتولد عن المحارق، أي أكياس الفلاتر والأغشية، باتجاه رفع كفاءة قدرتها على الإلتقاط، وتطوير فلاتر متنوعة الحشوة مثل الفحم المنشط، والسيليكا، وغيرها من المواد المستعملة لادمصاص Adsorption الملوثات الكيميائية العضوية وغير العضوية. ومن جهة أخرى، تعمل على تشديد معايير الحماية البيئية Environmental standards دوريا، أي تخفيض المستويات المقبولة للعديد من الملوثات الخطيرة المنبعثة من محارق النفايات. وبناء على هذا التشدد بالمعايير والتشريعات البيئية، الذي شهد الإتحاد الأوروبي جولة حديثة منه في الأشهر الماضية، أدت إلى تقديم إنذارات بالإقفال للعديد من المحارق الأوروبية، التي لا تتمكن من التقيد بها والإمتثال إليها.

نحن لا نناقش التقنيات، بل شروط استخدامها.

نحن نقول إن استخدام أي تقنية يكون مقبولا عند توفر كل الشروط الضرورية والمناسبة لاستخدامها. ولذلك نحن لا نناقش تقنية الحرق لذاتها، على الرغم من أننا على قناعة علمية حازمة بضررها البيئي والصحي، حتى في أكثر البلدان الصناعية تقدما، حيث هناك العديد من التقارير العلمية المتخصصة، التي تبحث في هذه الشؤون تصدر في البلدان الصناعية المتقدمة، وعن مراكز الأبحاث في الطب البيئي والصحة البيئية.

نحن نحدد اعتراضنا على مستويين.

المستوى الأول، عدم سلامة الخيار السياسي الاستراتيجي باعتماد المحارق لإدارة نفايات لبنان.

والمستوى الثاني، عدم توفر على الإطلاق أي من الشروط الضرورية لإقامة المحارق في لبنان.

سوف نناقش هذين المستويين في المقالة القادمة.

 

Pin It on Pinterest

Share This