تتداول مواقع التواصل الإجتماعي معلومات خطيرة عن المرتبة المتقدمة، التي يحتلها لبنان بنسب التعرض للأمراض السرطانية بين كل بلدان الشرق الأوسط وغرب آسيا…وربما حافظ لبنان على نفس المراتب المتقدمة لو أجريت المقارنة على مستوى أوسع عالميا.

يجري منذ أيام تداول أعداد حالات الأمراض السرطانية في لبنان منذ بداية العام 2018، حيث يتم الحديث عن أرقام عالية جدا نقلا عن تقرير للوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابع لمنظمة الصحة العالمية.

نرى أن وزارة الصحة العامة ومكتب منظمة الصحة العالمية في لبنان مطالبان بتقديم التوضيحات بشأن هذه الإحصاءات المتداولة، نظرا لخطورة هذه المعلومات والأرقام والنسب على الإستقرار الإجتماعي والصحي والنفسي عند اللبنانيين.

بغض النظر عن مدى دقة الإحصاءات والأرقام المتداولة، إن الإنهيار الصحي في لبنان يجد أسبابه في سياسات الدولة، حكومات وبرلمانات متعاقبة، ومؤسسات معنية بالحماية البيئية ومكافحة التلوث في كل الأوساط. ويجد تفسيره أيضا في عدم تطبيق القوانين والأنظمة، التي ترعى منع التدهور البيئي وما يترافق معه من تدهور صحي دراماتيكي، كنتيجة طبيعية للسياسات المطبقة عمليا. وكذلك بسبب الإستهتار والتقصير والعجز والسير بالتعامل مع ملفات النفايات، كل أنواع النفايات، بعبثية لا تراعي حماية البيئة والصحة البشرية، بل تنطلق من تحقيق مصالح فئوية لبعض النافذين في السلطة وأتباعهم وأزلامهم.

كل الأوساط البيئية في لبنان تشهد مستويات مقلقة من التلوث، جرثوميا وعضويا وكيميائيا، وصولا إلى أكثر مؤشرات التلوث الكيميائي خطورة على الصحة البشرية، التي تتمتع بميزات السمية العالية، والثبات والإستقرار، والإنتقال من وسط إلى وسط، من الهواء إلى التربة وإلى المياه السطحية والجوفية، وإلى البحر، وتتمتع بالقدرة على التراكم الحيوي في أنسجة الحيوانات والنباتات والمنتجات الحيوانية من بيض وألبان وأجبان، وخصوصا في أنسجة ثمار البحر والأسماك، وتصل لتلوث السلسلة الغذائية للإنسان. وكذلك تلوث كل هذه الأوساط بالمعادن الثقيلة عالية السمية، وبالجزيئات الصلبة متناهية الصغر المتولدة عن العديد من المصادر، الصناعية وغير الصناعية، ولا سيما حرق النفايات من كل نوع وصنف.

نحن نعرف أن هناك عددا كبيرا من العناصر والمركبات الكيميائية، العضوية منها وغير العضوية، يتمتع بنشاط مسرطن متفاوت القوة. كثير منها مثبت نشاطه المسرطن عند الإنسان بشكل قاطع، وبعضها مصنف أنه يتمتع بنشاط مسرطن محتمل عند الإنسان. هنا نتحدث عن نشاط مسرطن باعتباره خاصية للسمية الداخلية Intrinsic Toxicity للعناصر والمركبات الكيميائية، ومرتبط بتركيب جزيئاتها، ووجود مجموعات وظيفية محددة، في مواقع محددة لتموضعها الفضائي.

ونحن نعرف أيضا، أن العديد من الجزيئات الصلبة متناهية الصغر والألياف، تتمتع بنشاط مسرطن على تنوع واختلاف تركيبها الكيميائي. يعود هذا النشاط المسرطن إلى قياس وحجم هذه الجزيئات وطرق دخولها إلى الجسم، ولا سيما عن طريق التنشق، وتراكمها في الحويصلات الهوائية للرئتين، وتخريب العمليات البيولوجية الطبيعية للخلايا مسببة إطلاق ونمو بعض أنواع الأمراض السرطانية.

إن العديد من العمليات الصناعية وغير الصناعية، التي تحول المواد تحت تأثير الحرارة المرتفعة، تؤدي إلى تكوين مركبات كيميائية وملوثات تتمتع بنشاط مسرطن مثبت ومعروف لدى الإنسان. ومن بين هذه العمليات الأكثر خطورة، والأكثر إطلاقا وتحقيقا لملوثات غازية وجزيئية صلبة وسائلة عالية السمية، وعالية النشاط المسرطن، والقادرة على الإنتقال بين الأوساط البيئية والتراكم في السلسلة الغذائية، هي عمليات حرق النفايات.

لا نستغرب تنامي نسب تعرض اللبنانيين للأمراض السرطانية، فالتلوث بكل أنواعه وأصنافه ومصادره، قد وصل إلى مستويات مقلقة في الهواء الجوي للمناطق السكنية في المدن والأرياف. وفي التربة على مسافات قريبة من المكبات العشوائية المشتعلة من وقت لآخر. والمناطق الصناعية، حيث يتم التمادي في التساهل الرسمي حيال معالجة نفاياتها السائلة والصلبة والغازية. وفي المياه السطحية، حيث وصل تلوث نهر الليطاني وبحيرة القرعون إلى مستوى الكارثة الوطنية الحقيقية. وفي المياه الجوفية، حيث العديد من الآبار الأرتوازية والينابيع تعاني من مستويات مقلقة من التلوث الجرثومي والكيميائي.

المكبات العشوائية المنتشرة في كثير من المناطق اللبنانية، تشتعل فيها النيران من وقت لآخر، لا فرق إن كان ذلك حرقا مفتعلا أو تلقائيا، حيث يستمر لأيام تصاعد الدخان المشبع بكل أنواع الملوثات، الغازية التي تتكون من مركبات كيميائية عالية الخطورة، وبعضها معروف بنشاطه المسرطن، والجزيئيات الصلبة الصغيرة ومتناهية الصغر، التي تحتوي على معادن ثقيلة سامة، والمخضبة بالمركبات العطرية متعددة الحلقات والمعروفة أيضا بنشاطها المسرطن.

يعدوننا بالمحارق، هذا ما سينقل لبنان بالتأكيد إلى حالة الإنهيار البيئي الشامل والإنهيار الصحي الكبير، وإلى مزيد من ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية في لبنان ويهدد الأمان الصحي لهذا الجيل والأجيال القادمة.

الصورة أخذتها أمس لمكب كفرتبنيت العشوائي المشتعل، الذي يبث سمومه على كل بلدات المنطقة في مرجعيون والقليعة ودير ميماس والخيام وكفركلا…وهذا نموذج لمئات المكبات العشوائية المشتعلة في الجنوب وكل مناطق لبنان.

 

Pin It on Pinterest

Share This