ليس صدفة أن يقر مؤتمر “سيدر” أو “باريس 4” قروضا ميسرة بأكثر من مليار ومئتي مليون دولار لمشاريع المحارق الكبرى في لبنان، منها محرقة في بيروت، بالإضافة إلى محرقتين في الشمال والجنوب. هناك تقاطع مصالح كبرى بين مراكز القوى في السلطة السياسية في لبنان، الممسكة بملف النفايات منذ 1997 وحتى اليوم، والمقرِّرة لسياسات وخيارات التعامل معها، من جهة، ومن جهة أخرى، مصالح الدول الصناعية المتقدمة في أوروبا وأميركا في تصدير نفاياتها الصناعية، ولا سيما منها الإلكترونية والبلاستيكية، بعدما أوقفت الصين استيراد هذه النفايات، التي تبلغ حوالي 56 بالمئة من نفايات العالم الصناعي في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا واليابان.

ضاقت أوروبا بنفاياتها، وخصوصا بعد توقف الصين وبلدان شرق آسيا مثل تايلاند وتايوان وفييتنام عن استيرادها ووضع قيود شديدة على ذلك، وبعدما كشفت التقارير في السنوات الأخيرة عن ملايين الأطنان من النفايات البلاستيكية الصلبة وحبيبات وجسيمات البلاستيك، التي تلوث أوساطا بيئية هامة في المحيط والبحار واليابسة، مهددة سلامة المنظومات البيئية البحرية والبرية والتنوع الحيوي فيها، إضافة للمخاطر المترتبة عن دخول الملوثات البلاستيكية، وما تحمله من إضافات لمواد كيميائية سامة، إلى السلسلة الغذائية للإنسان وما تشكله من تهديد جدي للصحة البشرية.

في الأسبوع الفائت، في اجتماع مجموعة العمل المفتوحة لاتفاقية بازل بشأن النفايات الخطرة، الذي عقد في جنيف، استمات ممثل الإتحاد الأوروبي، على غير عادته في السنوات السابقة، لفرض مستوى عال جدا من المواد الكيميائية الخطرة كحد أدنى لتصنيف النفايات الصناعية نفايات خطرة. وذهب إلى ما لم يذهب أحد قبله، منذ قيام اتفاقية بازل حتى اليوم، إلى اقتراح عشرة آلاف جزء من مليون (10000 ppm) كحد لكي تصنف النفايات الصناعية، ولا سيما منها النفايات البلاستيكية الصلبة، نفايات خطرة. في حين ان اتفاقية ستوكهولم بشأن الملوثات العضوية الثابتة تعتبر 50 جزء من مليون حدا أدنى لمحتوى هذه الملوثات لتصنيف النفايات الصناعية خطرة. وفي حين أيضا، كان الإتحاد الأروبي نفسه قد اقترح قبل سنة ونصف حد 1500 جزء من مليون، وها هو اليوم يقفز إلى حد عشرة آلاف جزء من مليون.

ماذا يعني ذلك؟

هذا يعني، أن النفايات البلاستيكية الصلبة، وغيرها من النفايات الصناعية، التي تعج بها مستودعات البلدان الأوروبية (كما صرح أحد أعضاء الوفد الألماني إلى الإجتماع في جلسة مناقشة الإقتراح النرويجي، الذي دعت إليه منظمات المجتمع المدني في هذا الإجتماع، وبحضور ممثلي عدد كبير من الدول والحكومات المشاركة) سوف تصنف غير خطرة في حين أنها خطرة بالفعل، أي تحتوي على مستويات عالية جدا من المواد الكيميائية الخطرة والسامة تصل إلى حدود الـعشرة آلاف جزء من مليون.

ماذا يفيد دول الإتحاد الأوروبي إقرار هذا الإقتراح؟

هذا يعني بكل بساطة، ووفق آليات والتزامات وأنظمة اتفاقية بازل بشأن حركة النفايات الخطرة عبر الحدود، أن النفايات التي ينبغي أن تصنف خطرة، ويمنع تصديرها من الدول الصناعية المتقدمة، أي دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية وكندا واليابان واستراليا، إلى البلدان النامية، ومنها لبنان، ستصبح مع إقرار هذا الإقتراح مصنفة نفايات غير خطرة، وبالتالي يجري تصديرها من البلدان الصناعية إلى البلدان النامية بحرية تامة ودون اية عوائق أو ضوابط.

إن هذا الإقتراح الخطير جدا على المصالح البيئية والصحية للبلدان النامية ومنها لبنان، سوف يجعل من هذه البلدان مزبلة ومحرقة لنفايات أوروبا والبلدان الصناعية الأخرى، الخطرة بالفعل، وغير الخطرة وفق هذا التعديل المقترح.

يأتي الإقتراح الأوروبي بهذا التعديل الخطير بالتزامن مع دخول قرار الحظر رقم 3/1 للعام 1995 لاتفاقية بازل حيز النفاذ، وذلك بعد 23 سنة على إقراره، وينص هذا القرار على حظر تصدير النفايات المصنفة خطرة وفق اتفاقية بازل من البلدان الصناعية المتقدمة إلى البلدان النامية.

في هذا الإجتماع بالذات، جهد ممثل الإتحاد الأوروبي أيضا لإفشال الإقتراح النرويجي، الذي حظي بتأييد واسع جدا من قبل أكثرية ساحقة من ممثلي الدول والحكومات، وكذلك من ممثلي منظمات المجتمع المدني المشاركة بصفة مراقب في هذا الإجتماع.

ماذا يقول الإقتراح النرويجي؟

إن الحكومة النرويجية استشعرت أن تتدفق النفايات البلاستيكية الصلبة، المتراكمة بملايين الأطنان في البلدان الأوروبية وغيرها من بلدان العالم الصناعي، إلى البلدان النامية، حيث تحولت هذه البلدان في السنوات الأخيرة إلى مكب ومحرقة لهذه النفايات في إفريقيا وبلدان شرق آسيا، ويتوقع أن تتفاقم هذه الظاهرة بعد توقف الصين وبعض بلدان شرق آسيا الأخرى عن استيرادها. وتتأتى حرية حركة هذه النفايات باتجاه البلدان النامية دون أية قيود بسبب تصنيفها في عداد لائحة نفايات المرفق التاسع لاتفاقية بازل، أي لائحة النفايات غير الخطرة.

أرادت الحكومة النرويجية، على عكس ضغوط وفد الإتحاد الأوروبي، أن تنقل النفايات البلاستيكية الصلبة من لائحة المرفق التاسع لكي تضاف إلى لائحة المرفق الثاني، الذي يتضمن النفايات التي تتطلب “عناية خاصة”، أي إخضاعها لقواعد وقيود الموافقة المسبقة في حركتها بين الدول. هذا من شأنه أن يخفف من سيل تدفقها ويحد منه ويخضعه لقيود المراقبة والموافقة المسبقة في حركتها المتوقعة بقوة من البلدان الصناعية باتجاه البلدان النامية، ومنها لبنان.

هكذا إذن، المحارق في لبنان هي حاجة أوروبية، تقاطعت مع خيارات الفئة المتحكمة بملف النفايات في السلطة السياسية، حكومة ومجلسا نيابيا وبلديات كبرى. وهي لحظة تقاطع مصالح بينها، على حساب سلامة بيئة لبنان وأمان صحة شعبه وهدر ونهب ماله العام، تحت عنوان الخروج من أزمة النفايات المتمادية، والتي هي نتيجة طبيعية لسياسات وخيارات هذه السلطة نفسها منذ 1997 وحتى اليوم، والتي وجدت في ملف النفايات دجاجة تبيض ذهبا، في تجاهلها وتعنتها ورفضها لخيار وضع استراتيجة وطنية متكاملة للنفايات في لبنان، سليمة بيئيا وآمنة صحيا ومعقولة الكلفة، وتنتمي إلى مفاهيم التنمية المستدامة في تطبيق مفهوم الإقتصاد الدائري واسترداد الموارد، التي تتكون منها النفايات، وتصنيعها إلى منتجات نافعة يستوردها لبنان بملايين الدولارات سنويا.

هكذا تصبح مؤتمرات التضليل التي يعقدها أصحاب مشاريع إنشاء المحارق في بيروت وكل لبنان، حاجة ملحة لتمرير خيار المحارق، وتحضير الأرضية لتجاوز المعترضين من بيئيين ونشطاء وخبراء وعاملين في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان في بيئة نظيفة وآمنة.

يقوم التضليل أولا من التوافق على اعتماد مصطلح “تفكك حراري” بدل مصطلح محارق، المعبر بدقة علمية أكبر عن التقنية التي تعمل عليها المنشآت التي يسعون لإقامتها. وذلك لتمويه الحقيقة، والتهرب من تأثير الرأي العام، في لبنان والعالم، المعارض للمحارق في إدارة النفايات، باعتبارها خيارات تترافق بمخاطر كبيرة عل البيئة والصحة العامة، وتتطلب جهودا تقنية وإدارية ومؤسسية وتشريعية ومالية ضخمة لتخفيفها والتحكم بها، عبر مراقبة دقيقة وصارمة على مؤشرات التلوث الخطير الذي تسببه، والتخلص السليم من منتجات الحرق السامة والخطرة.

ويتابع التضليل مساره في تنظيم المؤتمرات، التي تشبه المسرحيات المبرمجة مسبقا، تحت عناوين براقة، مثل الحوار، والنقاش، فإذا بتنظيم النقاش فضيحة كبرى لديمقراطية الحوار. ظهر ذلك منذ بدايات مؤتمر “حزب الحوار الوطني” أمس بحضور رئيس بلدية بيروت، مع المحاولات المتكررة لمقاطعة مداخلة نقيب المهندسين، الذي كان يعلن نتائج المؤتمر الذي نظمته النقابة في آذار 2017، والتي اعتبرت المحارق خيارا غير مناسب لإدارة نفايات لبنان. طبعا هذا الإستنتاج الذي كان نقيب المهندسين في معرض نقله للمجتمعين في هذا المؤتمر، كان يتعارض جذريا مع ما هم جمعوا الناس من أجل تمريره، ولذلك ضاقوا ذرعا بحديث النقيب العلمي والدقيق والأمين.

كنت حاضرا، وقلت في نفسي، إذا كان نقيب المهندسين، بموقعه المهني والمعني، تجري محاولات مقاطعته وإيقاف مداخلته، فماذا سيكون مصير مداخلات المشاركين الآخرين؟ في هذا الجو الإستعراضي المفضوح في تحيزه وفي فشله الشديد في تمثيل دور المحاور الديمقراطي، تتالت محالات قمع مداخلات كل المعترضين على المحارق، وفتح المجال واسعا دون ضوابط للمروجين والمؤيدين، والذي ساقوا بمداخلاتهم، التي ادعت المعرفة، أكاذيب وأضاليل ومعلومات جرى تزييفها وتوضيبها لتلائم خيار الحرق، ولو في الحد الأدنى لقيم المؤشرات.

إحدى المداخلات لسيدة عضوة في مجلس بلدية بيروت، تقول بأن النفايات العضوية في لبنان تقارب 45-50 بالمئة، في حين أن كل الإحصاءات الصادرة رسميا عن وزارة البيئة، وكذلك تلك الصادرة عن شركتي سوكلين وسوكومي، التين أدارتا نفايات لبنان الصلبة المنزلية لمدة 18 عاما، تقول بأن هذه النسبة تتراوح بين 55-63 بالمئة، وفي بيروت الكبرى تحديدا هي 63 بالمئة، وهذه النسب تزيد في شهر رمضان المبارك وفترات الأعياد وفصلي الربيع والصيف. والأنكى من هذا، القول بأن تقنية تسبيخ المواد العضوية Composting هي تقنية “معقدة وخطيرة”، في حين المحارق هي تقنية “بسيطة وآمنة”…هكذا يحتفل التضليل بنقل المعلومات المشوهة والكاذبة، ويقدمها للناس على أنها حقائق تبرر خيار المحارق.

وتمتد الأضاليل إلى تشويه تقرير الإستشاري الدانمركي “رامبول” نفسه، في نقاشه لخيار الحرق للنفايات اللبنانية. هذا التقرير يقول بأن نفايات لبنان هي فقيرة بالقيمة الحرارية، نظرا لكبر نسبة المكونات العضوية الغنية بالماء فيها، ونظرا لصغر نسبة المكونات الحاملة لقيمة الحرارية أي البلاستيك والورق والكرتون. ولذلك ماذا يقول الاستشاري “رامبول” في تقريره، الذي يتعرض للتشويه المفضوح والمقصود على لسان رئيس بلدية بيروت؟ يقول، أن لكي يتوفر الحد الأدنى المطلوب لاعتماد الحرق لنفايات لبنان، علينا القيام بما يلي: أولا، الإمتناع عن سحب المكونات الغنية بالقيمة الحرارية، أي المكونات البلاستيكية والورق والكرتون، وثانيا، علينا سحب 20 بالمئة من المكونات العضوية لتخفيف كمية الماء، التي تعيق عملية الحرق. وهكذا لكي ترتفع القيمة الحرارية للنفايات وتصبح بحدود 7,6 ميغاجول/كلغ، وهذا الحد يسمح باشتعال النفايات.

هذا الحد الذي تحدث عنه “رامبول” هو أقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب لبحث تقنية الحرق من حيث المبدأ كخيار للتخلص من النفايات، وهو بحدود 11 ميغاجول /كلغ.

ماذا يعني هذا الكلام؟

هذا يعني أننا كرمى لعيون المحارق، علينا التخلي كليا عن خيار التدوير لهذه المكونين من نفايات لبنان، وهذا يتعارض مع مصالح القطاع الصناعي في لبنان، الذي نحرص على تنميته وتطويره. ويعني أيضا من جهة أخرى، أنه علينا أن نضيف كميات كبيرة من الفيول الأحفوري لدعم استمرار عملية الحرق، ولكي نحافظ على درجة حرارة الحرق في غرفتي الإحتراق بما يفوق الـ 850 درجة مئوية. هذا يعني أننا سنزيد من كلفة عملية الحرق كلفة جديدة تضاف إلى كلفات تدمير الموارد وتشغيل المحرقة وإدارة ملوثاتها ونفاياتها الخطرة.

التضليل يأخذ مداه مع وعود رئيس بلدية بيروت الزهرية لأهالي منطقة المدور، حيث ينوي إقامة المحرقة. فهذه المنطقة ستتحول وفق الفيلم الذي يعرضه، إلى عروس الشرق الأوسط بمشاريع الأبراج والأحياء السكنية الفخمة التي يحضرها لأهلها، بالإضافة إلى نقل مكاتب بلدية بيروت إليها…كل شيء مباح ومسموح لتمرير صفقة محرقة بيروت ومحارق لبنان.

التضليل يصل إلى ذروته في انتحال صفة الحوار الديمقراطي، ومقاطعة مداخلات الخبراء بمداخلات غير نظامية مطولة لرئيس بلدية بيروت،  المشبعة بالمعلومات المضلِّلة وغير الدقيقة، وصولا لحد اتهام معارضيه بأبشع الصفات…نعم كل شيء مبرر، لأن صفقة المحرقة والمحارق يجب أن تمر بأي ثمن.

الحوار في منطقهم وفي آليات عملهم هو غطاء “للسلبطة” ومصادرة حرية التعبير وممارسة القمع، بقطع الكلام ومنعه عن مشاركين، وإغداقه على آخرين يبخرون ويطلقون المعلومات المشوهة أو الأضاليل للتبخير والتهليل لخيار المحارق.

لن نستدرج بعد اليوم إلى هذا النوع من الحوار، وسنقوم بما يمليه علينا الضمير والواجب في نقل العلم والمعلومة الدقيقة للناس، دفاعا عن سلامة بيئتهم وعن صحتهم وصحة أجيالهم، وعن قوت عيالهم المتمثل بالحفاظ على المال العام ومنع هدره ونهبه وتبذيره في خيارات تدمر البيئة والصحة، حاضرا ومستقبلا.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This