كارثة تلوث نهر الليطاني وبحيرة القرعون ليست وليدة الأمس، بل تعود إلى تراكم العجز والفساد والتلكؤ والفشل على مدى عقود طويلة.

إلى كل الذين يظنون أنهم اكتشفوا البارود مع نشر لوائح للمصانع الملوِّثة لمجرى نهر الليطاني وحوضه في مساره الأعلى، والمصادر الأخرى للتلوث من مصبات لمياه الصرف الصحي غير المعالجة، والتعديات على ضفافه بمكبات النفايات العشوائية، نحيلهم إلى عدد كبير من الدراسات، وبعضها دراسات معمقة وشاملة مثل المخطط التوجيهي البيئي لحوض نهر الليطاني وبحيرة القرعون الأعلى، الذي أعده فريق سويدي مع وزارة البيئة من العام 1999-2002، وغيرها الكثير من الدراسات الاستراتيجية بشأن نهر الليطاني وحوضه، وأشملها المخطط التوجيهي لحوض الليطاني الذي وضعته “مجموعة الموارد العالمية”، بتمويل من الوكالة الأميركية للتنمية في العام 2012.

إذن مصادر تلويث النهر معروفة بالكامل منذ سنوات طويلة، يضاف إليها المؤسسات والأنشطة التي نشأت في السنوات الأخيرة، وهي موثَّقة لدى الوزارات المعنية. ليس اكتشافا أن نذيع لوائح بأسماء المصانع والمؤسسات الملوِّثة، إنما المطلوب وضع الاستراتيجيات والسياسات والمخططات التوجيهية، البيئية منها والاقتصادية-الاجتماعية، التي دفع عليها المكلف اللبناني ملايين الدولارات، موضع التنفيذ والتطبيق، واستخلاص خطط العمل والبرامج التنفيذية منها وتحويلها إلى مشاريع تنفذ على الأرض. هذا هو مسار الإجراءات الجدي والمطلوب، الذي تقوم به عادة الحكومات التي تحمل همَّ بلدها وشعبها، وتخطط لمعالجة مشاكله البيئية والتحكم بها.

تطالعنا الأخبار من وقت لآخر عن مذكرات تصدر من وراء المكاتب لهذا المسؤول أو ذاك، تتضمن “فرمانات” لا يُعرف كيف يمكن أن تأخذ طريقها للتطبيق الفعلي. وإنما تنتمي إلى العقل الإداري السطحي، الذي يعتمد سياسة تقاذف المسؤوليات وإحالتها من إدارة إلى أخرى ومن سلطة إلى أخرى ومن متاهة إلى أخرى، وكل جهة تحيلها على الآخرين، وفي النهاية لا أحد يعرف ما هي خطة العمل، وما هو البرنامج التنفيذي، وما هو المشروع التفصيلي، الذي يؤدي إلى رفع التلوث عن نهر الليطاني وبحيرة القرعون، في مساريه الأعلى والأسفل معا.

نحن نسأل، ما هي فعالية مذكرة محافظ البقاع، التي منعت المزارعين من ري محاصيلهم بمياه النهر الملوَّثة؟ وهل هذه المذكرة المكتبية، التي تنم عن العجز والفشل وقصر النظر، هي المسار المطلوب لمعالجة هذه الكارثة الوطنية، بأبعادها البيئية والصحية والاقتصادية والاجتماعية والمعيشية؟ “كفى المؤمنون شر القتال”، نصدر المذكرة ونغادر المكتب وكأننا حققنا إنجازا عظيما. ولكن من يؤمِّن مياها نظيفة للمزارعين لري المحاصيل، وكيف وبأي كلفة؟ وكيف نعمل على تخفيف ووقف تدفق الملوثات من كل المصادر إلى النهر وروافده وحوضه؟ ومن يقوم بذلك بالجدية المطلوبة؟ هل المؤسسات نفسها، التي أوصلت سياساتها وطريقة عملها ورؤيتها العقيمة للتنمية المفكَّكة وغير المتكاملة وغير المستدامة؟ وهل هي المؤسسات نفسها والسياسات نفسها، التي كانت على مرِّ العقود مسؤولة عن الكارثة الوطنية لتلوث نهر الليطاني وبحيرة القرعون وكل بيئة لبنان؟

منذ أيام، أصدرت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني لوائح بأسماء المصانع الملوِّثة للنهر. نقول “برافو”، هل هذا هو المسار الذي ستعتمده مصلحة الليطاني بمحماية النهر ومعالجة مشاكل تلوُّثه وآثارها؟ وتضيف الأنباء الصحافية أن “إخبارا للنيابة العامة التميزية” قد أحيل ليأخذ القضاء مجراه. إذن إدارة مسؤولة تحيل مسألة المصانع الملوِّثة إلى القضاء، وماذا سيعمل القضاء؟ والمسألة عند الوزارات المختصة، وفي مقدمتها وزارتي البيئة والصناعة تقيم في الأدراج منذ عشرات السنين.

هل يذكر المسؤولون في وزارتي البيئة والصناعة، وكذلك في جمعية الصناعيين اللبنانيين، أن مع صدور القرار 8/1 في العام 2001 بشأن “المواصفات والمعايير المتعلقة بملوثات الهواء والنفايات السائلة”، أعطي للمصانع اللبنانية كافة “مهلة سماح” من 5 سنوات لمعالجة أوضاعها وانبعاثاتها في الجو ونفاياتها السائلة المتدفقة إلى الأنهر والبحر والطبيعة؟

إذن المهلة انتهت في العام 2006. ما هي إنجازات وزارتي البيئة والصناعة وجمعية الصناعيين اللبنانيين في هذا المضمار؟ هل قامت سلطات الرقابة بالمتابعة والمراقبة وتوجيه الإنذارات وأخذ الإجراءات والعقوبات الملائمة لعدم امتثال المصانع اللبنانية من كل الفئات للمعايير، التي ينص عليها القرار؟ رغم دعوتنا الملحة لمراجعته وتعديله ليصبح أكثر صرامة، لأننا اعتبرناه منذ البداية تساهلا كبيرا مع ثقل التلوث الذي تحدثه المصانع اللبنانية، وتراخيا حيال مستويات التلوث المقبولة في الجو والبحر والمياه السطحية.

المسؤولون في وزارتي البيئة والصناعة يسرفون بتمديد المهل والتساهل، قاذفين المواعيد سنة بعد سنة واستحقاقا بعد إستحقاق، وكان آخرها الحوافز المالية لمشروع تمويل الإلتزام البيئي للصناعة اللبنانية، الذي يسهم بتمويله مصرف لبنان مع جهات أجنبية (إيطالية).

ما هي النتيجة المحققة بالفعل؟ صفرا، لأن التدفقات الصناعية إلى نهر الليطاني وغيره من الموارد المائية السطحية والأوساط البيئية، بحرا وأرضا، لا تزال على حالها دون أي تغيير على الإطلاق. ماذا سيفعل القضاء؟ سؤال كبير على كبر كرة النار التي ترميها الوزارات والمؤسسات والإدارات والمصالح المعنية والمسؤولة لتغطي عجزها وفشلها وهزالها وغياب الرؤى والاستراتيجيات الفعالة لديها، وغياب خطط العمل والبرامج التنفيذية، وأكاد اقول غياب الإرادة الحقيقية بمواجهة كوارث التلوث  في نهر الليطاني وحوضه وفي كل بيئة لبنان. وماذا فعل القضاء حين أصدر حكمين متتاليين لإقفال المطمر غير النظامي في الكوستابرافا؟ من يلوي ذراع القضاء ويدفعه إلى تمرير عدم إنفاذ أحكامه في الكوستابرافا، لا يكترث لإحالات المصانع الملوِّثة لنهر الليطاني إلى القضاء. لماذا إلقاء عجزكم وفشلكم على سلطة القضاء، التي تئن أصلا تحت ثقل الملفات المتراكمة لديها؟ أظهروا لنا أولا عن استراتيجيتكم وخططكم العملية وبرامجكم التنفيذية ومشاريعكم المدروسة لمواجهة المشكلة، وبعدها أحيلوا للقضاء من يعرقل تنفيذها ويعيق تحققها في الواقع.

ماذا ستعمل بلديات سحمر ويحمر، التي أنجز لها مجلس الإنماء والإعمار متفاخرا شبكات الصرف الصحي موجهة لتصب في مجرى نهر الليطاني مباشرة؟ لو أحيلتا إلى القضاء، ماذا سيحكم القضاء؟ وماذا بمقدور هذه البلديات المغلوب على أمرها أن تفعل؟ أبهذه الطريقة العقيمة سنواجه مشاكل التلوث في الليطاني وكل لبنان؟ أبالمذكرات المكتبية والإحالات ورمي الكرة إلى القضاء ضد البلديات العاجزة وغير المسؤولة فعلا عما تحدثه من تلويث خطير لنهر الليطاني؟ لماذا لا تحيلوا مجلس الإنماء والإعمار إلى القضاء ليتحمل مسؤوليات فشله وفشل سياساته وفشل مشاريعه، التي كلفت المال العام، من لقمة عيش المكلف اللبناني وقوت أطفاله، مئات ملايين وربما مليارات الدولارات؟ نعم هناك المسؤولية الكبرى عما نشهده من كوارث في الليطاني وغيره. أحيلوا وزارة الطاقة والمياه إلى القضاء لعجزها وفشلها وتمنعها عن حماية نهر الليطاني لعقود خلت ولا تزال. أحيلوا المسؤولين السابقين في المصلحة الوطنية لنهر الليطاني لعجزهم وتواطئهم وفشلهم وتلكؤهم عن حماية النهر وإدارة موارده بشكل سليم….أحيلوا الجميع إلى القضاء، ولا تجعلوا من البلديات المسكينة، الفاقدة للقدرة والقرار، مكسر عصا لكم ولغيركم.

أما عن الوحول الناتجة عن معالجة المياه المبتذلة في محطة زحلة، فهل وصل العقم عند مجلس الإنماء والإعمار والشركة المشغلة للمحطة إلى هذا الحد؟ وهل وصلت الخفة باتخاذ القرارات الاعتباطية، التي لا تنم، لا عن معرفة ولا عن مهنية ولا عن خبرة ولا عن قدرة خلاقة لاعتماد الخيارات السليمة في مواجهة المهام التي يقومون بها؟ إذن المحطة مرتبكة بوحولها، ومحتارة ماذا تفعل بها وكيف تتخلص منها. فهل كانت تظن أن عمليات المعالجة لا يتولد عنها وحولا بكميات تناسب كميات المياه المبتذلة التي تعالجها؟ وهل كان مجلس الإنماء والإعمار يجهل أن كميات من الوحول سوف تتولد عن عمليات المعالجة، وبالتالي لم يضمن التخلص منها في عقود التشغيل التي وقعها مع الشركة؟ إذا كانت الإجابة على كل هذه الأسئلة بنعم، فنكون فعلا أمام مظهر من مظاهر الكارثة الوطنية المتعلقة بمستوى إدارة شؤون ومشاريع البلد.

تناقلت الأنباء عن نية مجلس الإنماء والإعمار بنقلها إلى النبطية عبر شركة بعقد قيمته 200 ألف دولار. نقول لمجلس الإنماء والإعمار وللشركة المشغلة لمحطة معالجة مياه الصرف الصحي في زحلة أن كميات الوحول ستستمر في التولد، فماذا أنتم فاعلون بها؟ هل تنوون توزيعها على مناطق لبنان كافة عبر شركات ترضى على نفسها قبض أموال مقابل تلويث مناطقها بها؟ هل هذه هي الحلول العبقرية، التي تتفتق عنها مواهب مجلس الإنماء والإعمار؟

الوحول النشيطة المتولدة عن محطات معالجة مياه الصرف الصحي صالحة لتوليد البيوغاز، عبر إخضاعها لعملية الهضم اللَّاهوائي، فتولدون طاقة تغطون فيها جزءا من حاجة تشغيل المحطة للطاقة. أوليست مشكلة تأمين الطاقة لتشغيل المحطة أجلت تشغيلها لأكثر من سنتين؟ أين عقولكم وأنتم تبحثون عن الحلول والمعالجات لما تواجهونه من مهمات؟ إبحثوا في إنشاء حلقة هضم لاهوائي في محطتكم، فتولِّدون منها طاقة تغني عن حاجتكم لها ولو جزئيا، وتكون طريقة للتخلص من الوحول النشيطة المتولدة عن عملياتكم. وما سينتج عن عمليات الهضم اللاهوائي من بقايا ستكون غنية بالنيترات، ويمكن استعمالها لتسميد الأراضي الزراعية، بعد التحقق من خلوِّها من مستويات غير مقبولة من مواد ضارة عبر التحاليل والمراقبة المخبرية الدورية.

كيف تريدون منا أن نتفاءل بما ترتجلون من إجراءات عقيمة تضنون أنها الترياق الشافي؟

 

Pin It on Pinterest

Share This